السبت، 19 يونيو، 2010

رضوان السيد: الإسلاميون والقوميون لديهم أزمة في مفهوم الوطن ولا أحد منهم يقول بمشروعية الكيانات القائمة

مقدمة
هذه مقالة للاستاذ الدكتور/ رضوان السيد
قرأتها منذ سنوات ورأيت فيها توصيفا صحيحا لبعض الشخصيات والظروف والاحوال المتعلقة بالشأن الاسلامي والقومي عموما، والعجيب ان هذا التوصيف مازال قائما ، ولم تتطور الظاهرة الاسلامية ولاغيرها وظل الامر كما هو لم يبرح مكانه ولم تتغير بما بتناسب مع تطورات الاحداث وتلاحقها!!!!!!
ويبدو ان لذلك اسبابا كثيرة ليس هنا موضع سردها، غير اني ارى اهتمام الدكتور رضوان بالفكر الاسلامي جاء عن قناعة وصدق واخلاص، ورغبة في النهضة والتغيير وفهم الواقع العربي فهما علميا دقيقا.
ارجو بوضعي لهذه المقالة المهمة في مدونتي افادة القاريء الكريم، والمساهمة في اعادة فهم الواقع العربي والاسلامي في ضوء المتغيرات والواقع ووضع تفسيرات قد تسهم في عملية الاصلاح الديني والسياسي.
د.إمام حنفي سيد عبدالله


رضوان السيد: الإسلاميون والقوميون لديهم أزمة في مفهوم الوطن ولا أحد منهم يقول بمشروعية الكيانات القائمة
المفكر الإسلامي لـ«الشرق الأوسط»: الليبراليون العرب عملوا بالامس مع الأنظمة واليوم يطلون علينا مع الأميركيين المحررين



أجرى الحوار: مشاري الذايدي
* حسن الترابي بايع النميري لأنه تعهد بتطبيق الشريعة وفعل الشيء نفسه مع البشير، الذي وضعه في السجن وبحق، أليس هو الإمام الواجب السمع والطاعة؟
* الخطاب الإسلامي الحالي ليس منشغلا بالإصلاح بل مشغول بالشكوى من كل شيء

* «الحاكمية» هي مقولة كل الإسلاميين وليست مقولة سيد قطب والمودودي وحدهما

* الخطاب الديني لا يتأثر بالفشل لأنه فكر تضحوي في الأصل وتسييس الإسلام فشل في إيران والسودان

* إصلاحيو الإسلاميين يكثرون الحديث عن الإسلام الحضاري، والحوار مع العالم، بعد أن قضوا عقودا يحاولون إقناعنا بأن الغرب شر كله

* تساوت في الإسلام المعاصر فكرة الحاكمية (لدى صحويي السنة) مع فكرة أو عقيدة الإمامة وولاية الفقيه (لدى صحويي الشيعة)

* فقهاء أهل السنة يعتبرون الشأن السياسي شأنا تدبيريا، وليس عقائديا، بينما يعتبر الإسلاميون المعاصرون الشأن السياسي دينا من الدين

* خضت نقاشات مع الصحويين حول أساس المشروعية، وباستثناء محمد سليم العوا، كلهم قالوا بمرجعية الشريعة في الشأن السياسي

* المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين طلع بمقولة «ولاية الأمة على نفسها» ليجادل بها الشيعة لكنه وجد نفسه في جدالات لا تنتهي مع صحويي السنة

* مدونو الدستور الإيراني يستمدون مواد كاملة من الأحكام السلطانية للفقيه السني الماوردي

* كنت أرى ما يراه برهان غليون من أن هناك أسبابا سياسية لظهور الأصولية الإسلامية، لكنني الآن أرى أن الأصوليات ظاهرة عالمية

* الفقيه الجديد (وليس التقليدي) يريد أن يصل للسلطة وان يحكم باسم الدين، بحجة الخوف على الإسلام

* لم يفشل مشروع الإصلاح الإسلامي لكنه مضى وانقضى والأصولية الإسلامية أحبطت اندفاعته

الحديث مع البروفيسور رضوان السيد أستاذ الإسلاميات أو «المستشرق» المنتمي، حديث متشعب. فالرجل مختلف على أكثر من جبهة. فهو لا يرتضي المنظور الأصولي الصحوي للتاريخ والواقع. وليس متصالحا مع الليبراليين العرب، ولا هو براضٍ عن التغطية الغربية للإسلام.

الرجل لديه، من واقع دراسته الطويلة والمعمقة للفكر السياسي الإسلامي نظرات خاصة. فهو يرى الخطاب الإسلامي الحالي ليس منشغلا بالإصلاح رغم كثرة الحديث عنه بل مشغول بالشكوى من كل شيء. كما انه يوجه نقده حتى للإصلاحيين الإسلاميين الذين يريدون المشاركة، إن ُسمح لهم، وهم يكثرون الحديث الآن عن الإسلام الحضاري، والحديث مع العالم، بعد أن قضوا عقودا يحاولون إقناعنا بأن الغرب شر كله، وان صراعنا معه صراع حضاري بعيد المدى على أي حال، يملك هؤلاء جمهورا معتبرا، ويقومون ببعض البحوث الفقهية الجيدة، ويعملون منذ عقدين على «تدشين الصحوة»، وهم حائرون بين السلطات والاميركيين والمتشددين.

ويحرص على التفريق بين التقليديين أو المحافظين من جهة، والإحيائيين والسلفيين من جهة ثانية، والذين يسودون الساحة الآن، فقد بلغ من ضعف المؤسسات الدينية التقليدية بسبب عجز العلماء، وإساءة استعمال السلطات لهم، أن كثيرين منهم يلجأون لأفكار وطروحات الصحويين للاحتفاظ ببعض السلطة والاحترام. ثم إن الخطاب الرسمي الديني تبنى الكثير من طروحات الصحويين لإثبات إسلاميته.

ويؤكد أننا نعيش حقبة إسلام إحيائي أو صحوي جديد، لكنه يلح على التفريق بين الإسلام التقليدي، إسلام المذاهب الفقهية المعروفة، أن الجماعة (الإجماع) هي أساس المشروعية، ومناط المرجعية، فالجماعة هي التي تحتضن النص والشريعة، ويهبها ذلك وإجماعها سلطة المرجعية، في حين ترى الإحيائية الإسلامية أن الناس غادروا الدين، أو أكثرهم، ولذا لا مرجعية معصومة إلا في الشريعة وبذلك تتساوى في الإسلام المعاصر فكرة الحاكمية (لدى صحويي السنة) مع فكرة أو عقيدة الإمامة وولاية الفقيه (لدى صحويي الشيعة).

ويحدد الموقف الصحوي من التاريخ الاسلامي بأنه كان يتمدح بذلك التاريخ، لكنه يعتبر الشريعة وليس الجماعة مناط الشرعية والمشروعية، فحسن الترابي بايع (الرئيس السوداني السابق) النميري بإمارة المؤمنين، لا لشيء إلا لأنه تعهد بتطبيق الشريعة وفعل الشيء نفسه مع (الرئيس السوداني عمر) البشير، الذي وضعه منذ سنتين في السجن أو الإقامة الجبرية، وبحق، أليس هو الإمام الواجب السمع والطاعة في نظره منذ عام 1989؟

والفكرة الاساسية التي يوضحها رضوان السيد في هذا الحوار، وفي مجمل كتاباته، هي أن فقهاء أهل السنة يعتبرون الشأن السياسي شأنا تدبيريا، وليس عقائديا، بينما يعتبر الإسلاميون المعاصرون الشأن السياسي دينا من الدين لا لأن الحاكم مقدس، بل لأنه مكلف مهمة مقدسة هي تطبيق شرع الله.

لكنه ورغم كل هذا التثمين لموقف الفقهاء التقليدين ونظرتهم الواقعية السياسية إلا أنه يؤكد أنه قد جرت في النهر مياه كثيرة، وما عاد شيء من ذلك صالحا أو واردا الآن، أما التجربة التاريخية فلا يصح الحكم عليها بمنظور العصر، ولا بمنظور الاحيائية الإسلامية.

قضايا أخرى كثيرة تناولها رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية ومدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية ورئيس التحرير المشارك لمجلة «الاجتهاد» والحاصل على درجة الماجستير من الازهر عام 1970 ودكتوراة الفلسفة من جامعة توبنجن بألمانيا 1977 والأستاذ الزائر في جامعات هارفارد وشيكاغو وغيرهما والذي صدر له «الأمة والجماعة والسلطة» و«مفاهيم الجماعات في الاسلام» و«سياسيات الإسلام المعاصر».

* وضع الخطاب الإسلامي الحالي الآن، ومسألة العنف الإسلامي تسخن من جديد، كيف نوصف الخطاب الإسلامي الحالي، هل هو خطاب مشغول بالإصلاح والتقدم، كما كان الاصلاحيون الأوائل، مثل الأفغاني وعبده، أم مأزوم بالمحافظة والهوية، مثل حسن البنا وسيد قطب؟
ـ الخطاب الإسلامي الحالي ليس منشغلا بالإصلاح رغم كثرة الحديث عنه، فنحن المثقفين ـ حتى من اعتبروا إسلاميين منا ـ مشغولون بالشكوى من الاميركيين، والشكوى من حكامنا، والشكوى من المتخاذلين والخونة، والشكوى من أن أحدا لا يصغي لآرائنا وإنذاراتنا، والشكوى من أن الناس تركوا دين الله (إن كنا إسلاميين) أو تركوا القومية (أن كنا من القوميين العرب). ولا يمكن طبعا وضع كل المفكرين الإسلاميين في خندق أو صف واحد فهناك المتشددون، الذين ما تزال الهوية وهمومها متوهجة لديهم، وهؤلاء ما عاد التغيير الثقافي أو السياسي يشغلهم في الحقيقة، بل إنما يشغلهم التخطيط والتدبير لمصارعة المشركين والكفرة والفساق والمرتدين، وبالوسيلة الفضلى، أي بالهجمات الانتحارية داخل ديار الإسلام وخارجها، والذين لا يستطيعون المشاركة بأنفسهم لسبب أو لآخر، يشاركون بالدعاية والدعاء، ومثلهم مثل «قعدة» الخوارج المعذورين وغير المعذورين. وهناك الفريق الرئيسي من الإسلاميين، وهو لا يملك أطروحة بديلة، رغم الحديث الكثير منذ الستينات من القرن الماضي عن «الحل الإسلامي» الحديث كثير كما قلت عن نظام الشورى، وعن البنوك اللاربوية... الخ وهؤلاء مسالمون، ويريدون المشاركة إن ُسمح لهم وهم يكثرون الحديث الآن عن الإسلام الحضاري، والحديث مع العالم، بعد أن قضوا عقودا يحاولون إقناعنا بأن الغرب شر كله، وان صراعنا معه صراع حضاري بعيد المدى على أي حال. يملك هؤلاء جمهورا معتبرا، ويقومون ببعض البحوث الفقهية الجيدة، ويعملون منذ عقدين على «تدشين الصحوة»، وهم حائرون بين السلطات والاميركيين والمتشددين. ويكون علينا أن نتنبه إلى أن مرشدي الصحوة (والعياذ بالله من صحوة كهذه) هؤلاء هم الإسلام الجديد والسائد في المدى المنظور.

فإلى جانب تحليلي القائل بأن إشكالية الإسلام الإصلاحي هي التلاؤم والتقدم، وإشكالية الإسلام الإحيائي أو الصحوي هي الهوية والخصوصية، أرى أن الإصلاح الإسلامي والسلفية تعاونا في مطالع القرن العشرين على ضرب التقليد الإسلامي بحجة عجزه وظرفيته واستسلامه وتواكله (كما يقول الإصلاحيون)، وبحجة اختلاطه بالشرك ومغادرته لصفاء التوحيد، وشعبوانيته (كما يقول السلفيون).

* ضرب التقليد الإسلامي * حسنا، إذا صحت هذه القراءة لتوزع القوى الإسلامية، من الذي عبأ الفراغ الذي خلفه انهيار أو ضعف الإسلام التقليدي؟
ـ عندما تضاءل التقليد، وتصدعت مرجعيته، لم يحتل المساحة الفارغة الإصلاحيون، بل احتلها الإحيائيون والصحويون والسلفيون، إذ استطاع هؤلاء ـ وبمساعدة السلطات والجمهور ـ تصوير حلفائهم السابقين من المجددين بأنهم متغربون، ومخامرون للاستعمار، واستطاع الإحيائيون وحلفاؤهم من السلفيين في العقود الأربعة الأخيرة أن يطوروا تفكيرا إسلاميا جديدا يدور كله حول ثلاثة أفكار: ترك الناس دين الله، وكذا السلطات، وتآمر الغرب على الإسلام، والمطلوب الاستيلاء على السلطة السياسية لتطبيق الشريعة (فكرة الحاكمية بصيغ شتى)، ومواجهة محاولات الداخل والخارج لضرب الإسلام.

ولهذا لا ينبغي الخلط بين التقليديين أو المحافظين من جهة، والإحيائيين والسلفيين من جهة ثانية، والذين يسودون الساحة الآن فقد بلغ من ضعف المؤسسات الدينية التقليدية بسبب عجز العلماء، وإساءة استعمال السلطات لهم، أن كثيرين منهم يلجأون لأفكار وطروحات الصحويين للاحتفاظ ببعض السلطة والاحترام. ثم إن الخطاب الرسمي الديني تبنى الكثير من طروحات الصحويين لإثبات إسلاميته. وهذا معنى القول أن الخطاب الصحوي والسلفي سائد الآن، هو الإسلام الجديد. وقد ثبت فشل الجزء المسّيس منه (الإسلام السياسي) في ايران والسودان. لكن الخطاب الديني في العادة لا يتأثر بالفشل، لأنه فكر تضحوي في الاصل، النصر او الشهادة، والشهادة شكل من اشكال الانتصار بهذا المعنى.

* لكن هل بلغ ضعف الإصلاحيين الإسلاميين إلى درجة استبداد المحافظين التقليدين والسلفيين الاحيائيين بالتأثير؟
ـ الفريق الثالث، لا يمكن اعتباره تيارا، وهو لا يدعي ذلك لنفسه فالتيار هو الذي يملك رؤية بديلة، والإصلاحيون الآن قلة، ويسلكون مسلكا دفاعيا أو نقديا تجاه طروحات المتشددين، وأطروحة التيار الرئيسي، وينصب الجهد الفكري لهؤلاء على التوفيق والتلفيق بين الأهداف العامة أو المقاصد العامة للشريعة، والتيارات الرئيسية في الحضارة المعاصرة، واذا تجادلوا مع الصحويين يحاولون تفسير النصوص بشكل آخر، لكنهم لا يجرؤون على طرح رؤية «بديلة» للعالم غير السائدة لدى الإسلاميين الصحويين، كما أنهم في مجال تفسير النصوص أو التاريخ الفقهي والسياسي يلجأون للانتقاء مثل الصحويين أنفسهم. وهكذا فالإصلاحيون تنقصهم الجرأة، وتنقصهم المعرفة العميقة بالإسلام وبالعالم، لكن لا تنقصهم الإرادة فالفكر الإسلامي المعاصر ليس محافظا أي أنه ليس تقليديا، بل هو مأزوم بالهوية، ومهجوس بمقولة تفعيل الإسلام في المجتمع، وإعادته للدولة، والرد على مؤامرات العالم على الدين أين تكون المرجعية والشرعية.

* هناك منطلق أساسي للخطاب الإسلامي، وهو منطلق المرجعية، مرجعية الشرعية، هل تكمن في تطبيق الشريعة، فقط، بدون الاعتداد بمرجعية الجماعة والأمة؟ السؤال: أين هي مرجعية الشرعية «السياسية» كما حدثت في التاريخ، وكما نظّر الفقه السني السياسي؟
ـ الفكر الإسلامي الصحوي المعاصر استقرت لديه المقولة التي ترى أن الشريعة هي مناط المرجعية والمشروعية، وهذا معنى قولي في الإجابة السابقة: أننا نعيش حقبة إسلام إحيائي أو صحوي، جديد ففي الإسلام التقليدي، إسلام المذاهب الفقهية المعروفة، أن الجماعة (الإجماع) هي أساس المشروعية، ومناط المرجعية، فالجماعة هي التي تحتضن النص والشريعة، ويهبها ذلك وإجماعها سلطة المرجعية، في حين ترى الإحيائية الإسلامية أن الناس غادروا الدين، أو أكثرهم، ولذا لا مرجعية معصومة إلا في الشريعة، وبذلك تتساوى في الإسلام المعاصر فكرة الحاكمية (لدى صحويي السنة) مع فكرة أو عقيدة الإمامة وولاية الفقيه (لدى صحويي الشيعة) الفقه السياسي أو الدستوري القديم لدى أهل السنة يقوم على شيوع السلطة في الأمة (عبر اجتماع العقل ـ الشريعة فيها)، ولذلك تملك الأمة أن تعهد عن طريق الشورى والبيعة بالخلافة أو الإمامة أو رئاسة الدولة لأحد أبنائها بعقد يضع بنوده وشروطه ومهماته أهل الحل والعقد.

أما الفكر الإسلامي المعاصر فيتمدح بذلك التاريخ، لكنه يعتبر الشريعة وليس الجماعة مناط الشرعية والمشروعية، فحسن الترابي بايع (الرئيس السوداني السابق) النميري بإمارة المؤمنين، لا لشيء إلا لأنه تعهد بتطبيق الشريعة وفعل الشيء نفسه مع (الرئيس السوداني عمر) البشير، الذي وضعه منذ سنتين في السجن أو الإقامة الجبرية. وبحق، أليس هو الإمام الواجب السمع والطاعة في نظره منذ عام 1989؟

* هل يمكن أن تشرح لنا أكثر، أين موضع الافتراق في طبيعة النظرة للمشروعية السياسية بين الموروث السني التقليدي، من جهة، وبين الإسلاميين الصحويين؟

ـ فقهاء أهل السنة يعتبرون الشأن السياسي شأنا تدبيريا، وليس عقائديا، بينما يعتبر الإسلاميون المعاصرون الشأن السياسي دينا من الدين لا لأن الحاكم مقدس، بل لأنه مكلف مهمة مقدسة هي تطبيق شرع الله وقد خضت طوال الثمانينات نقاشات مع إسلاميي التيار الرئيسي (الصحوي) حول أساس المشروعية، ومناط المرجعية العليا، وباستثناء محمد سليم العوا، يقول هؤلاء جميعا حتى اليوم بمرجعية الشريعة في الشأن السياسي أيضا، والطريف أن المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين (رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان السابق) طلع بمقولة (ولاية الأمة على نفسها)، ليجادل بها أبناء مذهبه من دعاة ولاية الفقيه، لكنه وجد نفسه في جدالات لا تنتهي مع فقهاء الصحويين من أهل السنة.

* فقر الفقه السياسي السني

* لاحظ بعض المستشرقين أن الفقه السياسي السني فقير، وقد نشأ في بلاط السلطة، ليبرر لها أوضاعها ويسوغ رغباتها، واستشهد بالتعاطي السني مع فكرة ولاية العهد «الكسروية» وولاية المتغلب، آخذين بالاعتبار، في تفسير هذا الفقر، أن التطور العملي يسبق التنظير الفقهي، فقد نشأت مؤسسة الخلافة قبل أن يتم التنظير لها، كما أشار لذلك احمد عبد المجيد في كتابه «البيعة عند مفكري السنة»، هل تتفق مع هذه الملاحظة؟ وإلى ماذا تعزوها؟

ـ الفقه السياسي الإسلامي ليس فقيرا والإصرار على أولوية مؤسسة الخلافة ليس علته أنها قامت قبل نشوء الفقه الدستوري أو فقه الأحكام السلطانية، والسياسة الشرعية، فالشأن السياسي لدى الفقيه، كما سبق القول، شأن تدبيري، يعتمد فيه على رأي الجماعة وسلطتها وأعرافها وإجماعاتها وقد اعتصم الفقيه بتاريخية مؤسسة الخلافة باعتباره إجماعا وأساسا للمشروعية وتضاؤل دور الشورى في وصول أفراد من قريش للإمامة، ما اعتبره الفقيه مبررا لإسقاط المشروعية، لكنه لا يعترف بولاية العهد، كما لم يعترف بتوارث السلطة، وفي ما عدا اصل المؤسسة، اعتبر الفقيه أن كل شيء قابل للتغيير والإصلاح. فقد اسقط عدة فقهاء شرط القرشية في الإمام. وقال آخرون بإمكان تعديد الأئمة إذا اتسعت مساحة الدولة. ورأى الجويني مثلا إمكان تولية تركي سلجوقي، الخلافة إذا عجز القرشي العربي عن «مباشرة الأمور بنفسه». وربط آخر المشروعية بوظائف الخليفة، وهل يؤديها على الوجه المرضي أم لا، ما دام وصوله للسلطة من غير طريق الشورى.. الخ.

وقد كان هم الفقيه (غالبا طبعا) الحفاظ على الوحدة السياسية والجغرافية للأمة والدولة، وإن بطريقة رمزية، وفهم الدستوريون القدامى هؤلاء ظهور منصب السلطان، باعتباره تغييرا اقتضته المتغيرات التاريخية والاجتماعية عندما صار العرب أقلية ضئيلة في الدولة. هذه كانت أفهامهم، أو هذا كان مقدار استيعابهم للمتغيرات والدليل على نجاح الخلافة التاريخية بقاؤها في وعي الناس حتى اليوم وان يكن الوجه الآخر لهذه «النوستالجيا» أننا فشلنا في تطوير صيغة أخرى للدولة يرضى عنها الجمهور لأنها تحقق مصالحه المادية والمعنوية. وما كانت الخلافة مقدسة في نظر الفقيه، ولا خضع بشأنها غالبا لأهواء السلطان (ابن جماعة مثلا في تحرير الأحكام، من فقهاء السلطان، بينما معاصره ابن تيمية في السياسة الشرعية ليس كذلك، رغم دعمه القوي للسلطنة المملوكية في جهادها ضد الصليبيين والمغول)، وقد جرت في النهر مياه كثيرة، وما عاد شيء من ذلك صالحا او واردا الآن. أما التجربة التاريخية فلا يصح الحكم عليها بمنظور العصر، ولا بمنظور الاحيائية الاسلامية.

* البيعة والعصر *
هل تعتقد أن فكرة «البيعة» تصلح كأساس لبناء عقد سياسي واجتماعي بين السلطة والشعب، أم نحن بحاجة لأساس جديد، خصوصا أن هناك اختلافا في تكييف البيعة، هل هي عقد كعقد المتبايعين في البيع والشراء، كما يرى ابن خلدون، أم هي ملحقة بالإجماع بما أن الإجماع يلد حكما شرعيا وكذلك البيعة؟

ـ البيعة ليست تقليدا خاصا بالمسلمين، بل هي من تقاليد إتمام المشروعية في الأنظمة الملكية في العالم كله، والذي يجب الرجوع إليه الآن هو أصل الشورى المفضية لإسباغ المشروعية بالإجماع أو بالأكثرية. وإذا كنا لم نمارس الصيغ الانتخابية في صناديق الاقتراع في تاريخنا القديم، فالأمم الأخرى لم تمارسها كذلك، وهي تمارسها الآن، دون أن يخل ذلك بأديانها. فالشأن السياسي كما يقول سائر فقهائنا ليس شأنا تعبديا، فالاحتكام فيه للمصالح وأفضل أشكال التقدير والتدبير والذين يتحدثون عن البيعة وعقدها اليوم، لا يفعلون ذلك في الحقيقة لأنهم يحبون التاريخ الإسلامي (فهم يقولون أن الانحراف بدأ منذ أيام معاوية)، بل لأنهم يعتبرون الشأن السياسي جزءا من الدين، ولست ادري كيف يقول هؤلاء إن الشورى ملزمة (يعني أنها تملك سلطة)، ثم يريدون العودة للبيعة التي لا ترتبط بالشورى في تاريخنا كله؟

* الحاكمية وولاية الفقيه
* سيد قطب، السني، كرس فكرة (الحاكمية) وأحلها محل القلب من تنظيره الإسلامي، هل فكرة الحاكمية هي التعبير السني عن فكرة ولاية الفقيه لدى الشيعة؟

ـ الحاكمية عند سيد قطب، وسائر الصحويين، هي حكم الله في الأرض عن طريق تطبيق شريعته، فالوصول إلى السلطة السياسية لهذا الغرض، هو مسوغ المشروعية، وليس إرادة الناس أو انتخابهم، وما قال بالحاكمية سيد قطب والمودودي وحدهما، بل هي مقولة سائر الإسلاميين، وان اختلفوا في التفاصيل. أما ولاية الفقيه لدى الخميني فهي عامة للفقيه المجتهد بمرجعيته بالوكالة والنيابة عن الإمام المعصوم الغائب فالحاكمية سلطة دينية باسم الشريعة، وولاية الفقيه سلطة دينية باسم الإمام. وعمل ولاية الفقيه في غيبة الامام تطبيق الشريعة (وعلى ذلك ينص الدستور الإيراني: الشريعة الإسلامية على المذهب الجعفري) والطريف أن مدوني الدستور الإيراني يستمدون مواد كاملة من الأحكام السلطانية للماوردي في المهام الدينية والدنيوية لمرشد الثورة أو الفقيه المرجع.

* كان من أسماء الخوارج (المحكمة) وكان أبرز شعار رفعوه هو: لا حكم إلا الله، هل هناك صلة بين حاكمية المودودي وسيد قطب وحكم الخوارج؟
ـ لا أرى أن هناك شبها بين التحكيم عند الخوارج، والحاكمية لدى المودودي وسيد قطب، وإنما تستخدم هذه المقارنات للتشنيع على الإسلاميين والمنبت، كما قال صلوات الله وسلامه عليه، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

* الحركات الأصولية.. لماذا؟

* هل الحركات الأصولية، حركات سياسية اتخذت مظهرا دينيا، أم هي حركات دينية اتخذت مسببات سياسية للنشاط (الهيمنة الاميركية، فقدان العدالة الاجتماعية والتردي الاقتصادي، وقضية فلسطين) وعليه، فإن الخطاب الوحيد القادر على تحريك الجماهير، المتطلعة للخلاص، والحد من الاستبداد، هو الخطاب الإسلامي، حسب ملاحظة الكاتب السوري برهان غليون؟
ـ كنت أرى قبل عقد من السنين ما يراه برهان غليون وآخرون (وقد كتبت ذلك في كتابي القديم: الإسلام المعاصر، 1987) من أن هناك أسبابا واضحة لظهور الأصولية الإسلامية: الفشل في تجربة الدولة، مسألة فلسطين، فقدان العدالة، الهيمنة الغربية فالاميركية.. الخ، لكنني الآن أرى أن الأصوليات ظاهرة عالمية في كل الأديان، وبعضها (مثل الأصولية الهندوسية) أفظع من الأصولية الإسلامية.

أصوليتنا علتها المتغيرات العاصفة على كل المستويات، وإدراكات ذوي الحساسية العالية من بيننا وردود أفعالهم على المتغيرات في سائر مناحي الحياة، ومن ضمنها طبعا النكبات السياسية والاقتصادية والعسكرية في كل حقبة ازدهار مادي أو نكسة مادية تظهر حركة إحيائية لدينا، ويظهر إحيائيون كبار، ففي بغداد في القرنين الثاني والثالث ظهرت جماعات «تحريم المكاسب» وهم أناس ثوار رأوا أن الازدهار الدنيوي جعل كل شيء حراما، ولا بد من التغيير بالسيف او بمغادرة المدينة للبادية وفي عصر الحروب الصليبية والمغولية رأى كثيرون، منهم ابن تيمية وسائر «اصحاب الحديث» أن العلة تكمن في ترك الناس للدين، وتفرقهم شيعا وأحزابا. فالإحيائية الإسلامية ظاهرة تاريخية وحاضرة، وشأننا فيها شأن سائر الأديان، وبالذات تلك التي تستند إلى نص مقدس، تتنوع تأويلاته، وطرائق استلهامه أو الرجوع إليه، بتنوع الظروف وتغيرها.

* إذا كانت الإحيائية تزدهر مع كل تحد تمر به الأمة على طول التاريخ، إلا أنها كانت ُمزاحمة بتيارات أخرى وربما تدخل في مرحلة كمون، بينما الملاحظ الآن فورتها الكبرى منذ عقود من السنين دون مزاحم لها أو كلل منها؟ـ الإحيائية الإسلامية بالذات قويت وتعملقت لسببين أساسيين: استخدامها في الستينات في سياق الحرب الباردة، لمصارعة الناصرية واليسار، والضغوط الكاسحة التي تعرضت لها من جانب السلطات في بلدان عربية رئيسية ثم استخدامها في مصارعة السوفيات في افغانستان، في المرة الأولى تسيس الاحيائيون، وتمرسوا بالصراع الآيديولوجي، وفي المرة الثانية تحشدوا في مكان واحد، وحملوا السلاح، وصارت لهم قيادات كارزماتية. فالحركات الاحيائية الإسلامية هي حركات دينية في الأصل، وتسيست فئات منها في الظرفين السالفي الذكر، وفي موازاة ذلك تطورت لديها الرؤى المختلفة للحاكمية أو لعلاقة الدين بالدولة.

* الدول القديمة والجديدة.. ما الفرق؟

* دول الأمويين والعباسيين والسلاجقة والمماليك وبني أيوب، هل كانت دولا أصولية أم علمانية، دينية أم دنيوية. هل هناك شيء «جوهري» اختلف مع الدولة العربية الحديثة عن الدولة القديمة، لماذا هذا الحنين الدائم لدولة الماضي، هل هي إشكالية حاضرة طُلب حلها في صورة الماضي أم أزمة في بنية الفكر السياسي الإسلامي منذ لحظة «السقيفة» وهي أزمة: مصدر المشروعية؟

ـ الدول الإسلامية القديمة كلها دول دنيوية، وذلك بمعنيين، الأول، اعتقادها أن مشروعيتها من خارج، أي من الله والناس بالنسبة للأمويين والعباسيين، ومن الخلافة والإنجازات العسكرية بالنسبة للسلاجقة وللأيوبيين والمماليك، والثاني أن هؤلاء جميعا ما كانوا يرون قدسية لأشخاصهم ولا لأهدافهم، كما لا يرى الناس لهم ذلك، وكانت المشروعية الشكلية متحققة باعتراف الخلافة بهم من جهة، وبإنجازاتهم العسكرية الكبرى من جهة أخرى. وعندما كان الإنجاز يتراجع، كانت الدولة تسقط. وقد حاول ابن خلدون، كما هو معروف، أن يضع نظرية لذلك. وما عرف تاريخنا القديم أزمة مشروعية كبرى إلا مرة واحدة عندما سقطت الدولة الأموية سقوطا مريعا، رغم قوتها العسكرية، بسبب تضاؤل مشروعيتها في عيون الأكثرية. وأساطير اللامشروعية في السقيفة أو الأكثر في وصول معاوية بدون شورى... الخ.. لا مقنع فيها. وهي صور تاريخية لخصومات (سياسية) لبست لبوسا دينيا.

وعندنا اليوم أزمة مشروعية في السلطة السياسية، لكنها ليست سبب الحنين للتجربة القديمة، السبب هو تغير مقولة العلاقة بين الدين والدولة، فالأصولية الإسلامية تعتبر أن الإسلام في خطر، ولذلك تريد حمايته بسلطان الدولة، عن طريق الوصول للسلطة وتطبيق الشريعة، وهذا معنى قول حسن البنا: الإسلام دين ودنيا، ومصحف وسيف. الإسلام دين ودنيا، أي انه مؤثر فيها، هذا صحيح، أما المصحف والسيف، فيعنيان تسخير الدولة للدين، والدين للدولة ولو أن الناس هم الذين يصنعون السلطة السياسية في مجالنا، لظل الدين مؤثرا جدا في الحياة العامة، لكن ليس على أن مهمة الدولة «حراسة الدين» كما يقول الماوردي، ولا «تطبيقه» كما يقول المودودي وسيد قطب. هذه هي الأطروحة الجديدة، أو هذا هو الإسلام السياسي: قيام نخبة بالاستيلاء على السلطة لتفعيل الإسلام في المجتمع وإعادته للسلطة. وما كان الأمر كذلك حتى مشارف العصور الحديثة. صحيح انه ما كان هناك فصل بين الدين والدولة بالمعنى العلماني الفرنسي، لكن كان هناك تقسيم عمل، أو فصل بين السياسة والشريعة كان للسياسيين مجالهم ـ وللفقهاء مجالهم ـ وتجاذب على أطراف المجالين. أما اليوم فالفقيه الجديد (وليس التقليدي) يريد أن يصل للسلطة، وان يحكم باسم الدين، بحجة الخوف على الإسلام من جهة، ولأن الشأن التدبيري جزء من الدين أيضا (يذكرون في هذا المجال، تطبيق الحدود، وبعض الأحكام الواردة في القرآن ـ وقد كانت السلطات السياسية تطبقها، دون أن يعني عدم تطبيق بعضها أن الدولة كفرت، أو أن الناس غفلوا عن الإسلام).

* مفهوم الوطن في أزمة

* تناولت في دراساتك مفاهيم: المجتمع، الجماعة، الدولة. في الفكر السياسي الإسلامي وطبيعة العلاقة بين هذه المفاهيم. برأيك، هل يعترف الخطاب الإسلامي بمفهوم الوطن الحديث؟ أعني ذلك القطر ذا الحدود المحددة والهوية الوطنية الجامعة والجنسية والعلم... وهل عدم اعتراف الخطاب الإسلامي بمفهوم الوطن، إن صح ذلك، هو مصدر علته الحقيقية؟

ـ أزمة مفهوم الوطن، ليست قصرا على الإسلاميين، بل هي موجودة لدى القوميين أيضا. فلا احد من الإسلاميين أو القوميين يقول في الحقيقة بمشروعية الكيانات القائمة، لكننا جزعنا جميعا لما حدث في العراق، ولا ندري الآن، هل نحن حقا مخيرون أو مجبرون على التسليم بالنظام القائم، أو يكون البديل الفوضى والتفكك؟ أفهم تجّذر فكرة الأمة وارتباطاتها الدينية لدى الإسلاميين، لكنني لا افهم كيف لم يستطع دعاة الدولة القومية أن يصلوا لحل بين القومي والقطري، الأزمة طاحنة، ولا اعرف مخرجا منها. نحن نتجادل مع عراقيين كثيرين منذ شهرين بشأن العروبة والوحدة، وهم يطلبون منا أن ندعهم وشأنهم، ويقولون إنهم لا يريدون نصائحنا نحن الذين وقفنا مع صدام حسين أو لم ندن نظامه. وفي حين افهم شكاوى وبؤس كثير من إخواننا وأنهم يريدون التنفس، لا افهم أشخاصا من مثل كنعان مكية أو احمد الجلبي، الذين يعتبرون احتلال بلادهم انتصارا وتحريرا! على أي حال: ما مناط التماسك في مجتمعاتنا، الانتماء العربي والإسلامي، أم النظام السياسي، أم هما معا؟ الإسلاميون عندما يصلون للسلطة يمارسون سياسات محلية بحتة، وكذلك القوميون، لكن عندما يسقطون، لا يبقى البلد أو الشعب? هذه محنة كبيرة.

* الحركات الأصولية والمستقبل * هل نحن إزاء ازدهار طويل للحركات الأصولية أم هو توهج فتيل السراج الأخير، هل هي حركات مربوطة بظروف سياسة متغيرة أم هي متصلة بأسباب فكرية وفلسفية ليست السياسة إلا مفردة في أبجديتها؟ وهل تعتبر أن العنف الأصولي في حالة تقدم أم تراجع، خصوصا بعد أن ضرب في السعودية والمغرب مؤخرا؟

ـ اعتقد أن الأصولية العنيفة تتراجع، والهجمات الانتحارية ذاتها دليل على ذلك لا يصدر بيان أو توضيح، بل يقوم شبان هائجون بنحر أنفسهم ومدنيين كثيرين مسلمين أو غير مسلمين، وهذا يعني اليأس، وعدم وجود مشروع. وقد تحدث بعض الاعمال العنيفة في بلدان الخليج أو المغرب أو مصر، لكن الأمر مضى وانقضى، وما عادت هناك موجة شأن التي عرفناها حتى أواخر التسعينات. وأنا أفرق بين الأصولية الاحيائية، والأصولية السلفية، فالسلفية ما تزال تهتم أكثر بمسائل التوحيد والإيمان والكفر، والولاء والبراء وجماعات ولها جذور ضاربة. ولذلك قلت إن أعمالا عنيفة يمكن أن تحدث ضد المدنيين، رغم هول ما حدث بالرياض واستنكار الجميع له. لكن لا مشروع، ولا مستقبل، ولا بيان ولا تعليل. ولذا أرى أن الأمر لهذه الناحية انقضى أو كاد. لكن هذا لا يعني أن الأصولية انتهت، فهناك كما قلت إسلام جديد سائد بين الشباب والكهول على الأقل، ولن ينتهي إلا بالإصلاح الذي يقرأ «بنقدية» كيف تحولت الشريعة إلى قانون، وكيف ظهرت واستتبت مقولة: اندغام الدولة بالدين والدين بالدولة، وكيف صار المسلمون غافلين أو كفارا، وكيف تحول العالم كله إلى مؤامرة على الإسلام، وكيف صار المسلم مستضعفا أو خارجا عن الدين أو انتحاريا: لا بد من إصلاح ديني ولا بد من رؤية مغايرة للعالم.

* هل أخفق المشروع الإصلاحي؟ هل ازدهار الاحيائية السلفية إيذان بإخفاق المشروع الإصلاحي الإسلامي الذي انطلق مع الأفغاني ومحمد عبده مطلع القرن؟ وإلى أين نحن سائرون ولماذا غاب الليبراليون العرب عن هذا الغليان التحولي؟ ولكن قبل ذلك، هل يمكن أن ينجح المشروع الليبرالي العربي أصلا أو يولد نظام عربي جديد؟

ـ لم يفشل مشروع الإصلاح الإسلامي، لكنه مضى وانقضى وحققت بعض مطالبه وتطلعاته، ولم يتحقق البعض الآخر، لكن البارز كما قلت أن الأصولية الإسلامية أحبطت اندفاعته، وانصرفت لافتراس التقليد الإسلامي والحلول محله. ولا تسأل عن الليبراليين العرب، فقد سكتوا بالأمس أو عملوا مع الأنظمة، ونراهم الآن يطلون علينا من المنظمات الدولية، وجمعيات حقوق الإنسان، أو مع الاميركيين المحررين، وهناك فرصة طبعا لنظام عربي جديد، لأن الناس لم ينتهوا، وقد حاولوا وسيحاولون أن يحموا أنظمتهم وأن يصونوا مصالحهم ويكون علينا نحن المثقفين والمعنيين بالشأن العام أن نعمل معهم بطريقتنا: بالمعرفة العصرية والنقدية، وببلورة الطروحات، وبعدم السكوت بعد الآن ولا المجاملة، لأنه لا وقت لذلك. وأريد هنا أن ألاحظ انه لا علاقة بين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي، إنها حيلة السلطات والليبراليين الجدد: الحديث الطويل العريض عن إصلاح الدين والخطاب الديني، للخلاص من الظلامية وللإطلال على التعددية والديمقراطية. للإصلاح الديني آلياته الطويلة والمعقدة، وهو يتطلب زمانا، ونحتاج لتجارب وخبرات وعقول، وأهم ما فيه أن العجلة لا تنفع بشأنه أما الإصلاح السياسي فمعروف الآليات، والخبرات بشأنه متوافرة وعالمية وهو ضروري لصون وجودنا ومصالحنا، فمن جهة هناك ضرورة لا تنتظر ومن جهة أخرى القيام به سهل وميسور ومعروف الطرائق وأعتقد أن الإصلاح السياسي مفيد أيضا للإصلاح الديني، وليس العكس.

* هل يفهم الغرب الإسلام؟

* أشرت في بعض مقالاتك إلى أن هناك أزمة فهم للإسلام وحضارته لدى الدارسين الغربيين ومثلت لذلك بالاختلاف بين نظرة «غلنر» و«غيرتز» حول تفسير الأصولية الإسلامية، واتهمت كثيرا من الغربيين بقلة فهمهم للدراسات الغربية الرصينة قبل فهم الإسلام نفسه. السؤال: هل تعتبر سبب «عدم الفهم» كما تقول عدم إطلاع الغربيين أم اختلاف زاويا النظر ومناهج البحث؟

ـ مقالتي عن الاستخدامات الانثرولوجية في الحملة على الإسلام هي جزء من كتاب يصدر قريبا بعنوان «الصراع على الإسلام»، وقد حاولت فيها وفيه أن اقرأ تطورات النظر إلى الإسلام والمسلمين في الاستشراق الجديد، وفي الدراسات الاستراتيجية والسوسيولوجية، وخصصت السنتين الأخيرتين بعد أحداث 11 سبتمبر (ايلول)، باهتمام خاص وأرى أن الصور المتبادلة ما عادت تتأثر بدرجة المعرفة فقط، بل بدوائر صناعة القرار، وبالمصالح الآنية أو العاجلة التي تعكسها وسائل الإعلام، قبل أيام نشرت صحيفتكم تحقيقا عن كلية اللاهوت بجامعة هارفارد، والتي تبرعت لها دولة الإمارات العربية بـ5.2 مليون دولار لإنشاء كرسي لدراسات الدين الإسلامي، لكن فجأة اكتشفت طالبة يهودية أن «مؤسسة الشيخ زايد للتنسيق والمتابعة» معادية للسامية، فطالبت الجامعة والكلية برفض منحة دولة الإمارات. وذعر بيل غراهام عميد كلية اللاهوت (وهو بالمناسبة أستاذ للدراسات الإسلامية). ولجأ لصديقه رئيس الجامعة سامرز (وهو يهودي ليبرالي في الأصل صار صهيونيا بعد الانتفاضة) الذي مال لرفض المنحة بحجة أن الجامعة غنية جدا ولا تحتاج لمليونين أو ثلاثة إذا تسببت بوجع رأس. هل هذا التصرف المتعجرف والغبي نتيجة جهل؟ لا أظن ذلك، وكنعان مكية مهندس من اصل عراقي، عمل هو ووالده مع الدولة العراقية، ومع صدام حسين، وبنوا صروحا ومساجد.. الخ. ثم اكتشف اليساري الليبرالي انه ضد الدكتاتور، وكتب كتبا ضده، وعمل بقوة مع الجلبي لاقناع الأمريكيين بغزو بلاده، وهو الآن ببغداد يستمتع بالتحرير والحرية. لكن ليس هذا ما أريد التوصل إليه بعد هذا الاستطراد: كنعان مكية عينته منذ ثلاث سنين جامعة براندايز، أستاذا للدراسات الإسلامية فيها، وأنا اعرفه جيدا، وقد خبرت معرفته «العميقة» بالإسلام وبالعربية: فهل جاء هذا التعيين عن جهل؟ يحتاج أمر الحديث عن الإسلام وصورته في الولايات المتحدة، وفي الغرب، الآن، إلى تأمل طويل لا تتسع له هذه العجالة.


الخميـس 22 جمـادى الثانى 1424 هـ 21 اغسطس 2003 العدد 9032

ليست هناك تعليقات: