من لأطفال ونساء وشيوخ سوريا ..
هل سيستمر مسلسل القتل المجاني هكذا بلا مقابل بلا رد بلا ردع؟!!!!
اللهم إنا نشكوا اليك ضعف قوتنا
وقلة حيلتنا
وهواننا على الناس..
يا ارحم الراحمين
ارحم سوريا واهل سوريا..
نشكوا اليك ولا نشكوك ..
اللهم فكن لاهلنا بسوريا ..
وعليك بالاسد واعوانه..
اللهم من شق علينا فشق عليه
اللهم من شق علينا فشق عليه
اللهم من رأف بنا فارأف به
اللهم أرنا في الاسد وملاه يوما اسودا
اللهم ارنا فيهم آياتك
يا الله.. ياالله
..ياالله
نسألك باسمك الاعظم
ان تنتقم من الظالمين المعتدين
الذين استباحوا الدماء والحرمات والديار
وقتلوا الشيوخ الركع والاطفال الرضع والنساء
ولم يراعوا فينا الا ولا ذمة ولا رحما ولاجوارا ولا مودة
الاثنين، 31 أكتوبر 2011
الأحد، 30 أكتوبر 2011
قراءة جديدة لقضية قديمة "القديم والجديد"
لعل من أهم القضايا التي أثارها مصطفى صادق الرافعي في زمانه , و التي كانت مثاراً للخلاف الشديد بين النقاد و علماء الأدب , هي قضية القديم و الجديد . و هي قضية قديمة لا مجال للشبهة فيها أو الشك في صحتها بحكم علاقتها بالعمل الأدبي و أدواتـه , و التي أصبحت فيما يذهب إليه محمد محمد حسين و غيره : ” معركة بين الذين يريدون أن يحملوا المسلمين و الشرقيين على حياة الغرب و عاداته من المستعمرين و من الذين يعينونهم على ذلك من المأجورين أو المفتونين أو السذج و المغفلين , و بين المحافظين الذين يدافعون عن دينهم و تراثهم سواء منهم من يفعل ذلك عن تدبر و وعي , و من يفعله عن تمسك بما ألف و عكف على ما ورث “ 1 .
ومنشأ هذه المسألة , يعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر , حين شهدت الأمة العربية إبان نهضتها حركة لإحياء التراث العربي بعد أن طمره الحكم العثماني بطبقة كثيفة من النسيان و الإهمال و الركود , فحاول الأدباء و العلماء العودة بالناس إلى أمهات الكتب التي ألفت في عهد الفتوة و الازدهار , إلى أن دبَّتْ حركة جديدة في الذوق الأدبي, وحدث تطور ملموس في محيط النقد الأدبي . هذا ما نتج عنه خلاف بين أنصار القديم و دعاة التجديد , فالأولون استحسنوا بعث تراث الأقدمين الذي كان يتجاوب مع الناس و يساير أحداث ذلك الزمان , و الآخرون أخضعوا ذلك التراث الفكري العربي إلى البحث العلمي الدقيق على سبيل الدراسات النقدية الحديثـة , إشارة منهم في وضع بذور التجديد التي ما هي في الحقيقة إلا تطور طبيعي للقديم . و كان حتمياًّ أن يستتبع ذلك الخلاف في مسائل الأدب , خلافاً في المناهج النقدية بين الاتجاهين .
فبينما جمع أقطاب النقد اللغوي القديم كحسين المرصفي , و محمد المويلحي , و علي المرصفي , بين مقاييس بناء القصيدة القديمة في فنونها و أوزانها , و بين الالتزام بالأساليب العربية القديمة في بلاغتها وفصاحتها , إذا بالنقاد المحدثين يعنون بالتجربة الشعرية و الصياغة الفنية, وكانوا غالباً ما يوقفون نقدهم على الناحية الموضوعية و الأخذ بالمقاييس الغربية 2. و من أجل ذلك , انصرف كل أديب شاعراً كان أم ناثراً إلى أن يكون فطناً ملماًّ بكثير من فروع المعرفة , بارعاً قديراً على انتقاء الألفاظ و إدراك المعاني الجديدة و الاهتداء إلى الأفكار المبتكرة . فتعين بعد ذلك , اتساع ميادين النقد و استعداد الأدباء ذهنياًّ للابتكار و الإبداع .
وأثناء هذا الصراع الحاد وعلى أساسه, وقف مصطفى صادق الرافعي يتحسس الآراء و الرؤى, لتبدأ قصته مع ما سماه هو في كتابه "تحت راية القرآن" بـ "المعركـة بين القديـم و الجديد" .
وإذا كان لبّ الكتاب تلك المقالات التي دمغ بها الرافعي رحمه الله أستاذَ الجامعة المفتون بحضارة الغرب (طه حسين)، فإنه في مجمله ميدان معركة صاخبة طاحنة بين القديم والجديد، وبين أنصار هذا وأنصار ذاك. والرافعي – عليه رحمة الله – لا يستنكف أن يُنبز بأنه من أنصار القديم، بل يثبت ذلك ويعتز به.
إن مسألة " القديم و الجديد " هي ولادة الأدب العربي , إذ عرفها منذ عصوره القديمة , و غدت من المسلمات التي لا ينكرها أحدٌ , لكن المشكلة تحددت أكثر في العصر الحديث , حين احتضنت جريدة " المقتطف " – في أواخر عام 1881م – الدعوة إلى العامية و الاستغناء عن اللغة الفصحـى , ثم هاجت المسألة على يد خصوم اللغة العربية في سنتي 1902م و 1926م , و في كـل مرة كانت حركة التدمير في محاولة لإحلال عامية الجماهير محلّ العربية الفصحى تشتد و تقوى أكثر , بحجة – كما يذهب شكيب أرسلان- :” أنها أقرب إلى الإفهام, ولكن منهم من لا يحاول هدم الأمة في لغتها و آدابها لا حُبًّا باللغة و الآداب , و لكن علماً باستحالة تنصل العرب من لغتهم و آدابهم “ 3 و نحو هذا النزوع , جاءت رؤية جبران خليل جبران الجديدة في شعاره : " لكم لغتكم و لي لغتي " 4 . فيحار في أمره مصطفى لطفي المنفلوطي و يرجع ذلك إلى أنَّ جبران :”أعجمي يظن أن اللغة العربية حروف و كلمات , و هو لا يعرف منها غيرها , فينطق بشيء هو أشبه الأشياء بما يترجمه المترجمون من اللغات الأعجمية ترجمة حرفية , فإِنْ نَعَيْتَ عليه غرابة أسلوبه و استعجامه و التواءه على الفهم , كان مبلغ ما ينضج به عن نفسه أنَّ المعانيالعصرية و الخيالات الحديثة لا يستطاع إلباسها الأكسية البدوية, و الأردية العربية , كأنما هو يظنّ أنَّ المعاني و الخواطر خطط و أقسام , و أنصبة و سهام , هذا للشـرق , و هذا للغرب , و هذا للعرب و هذا للعجم “ 5 .
فلا ريب – بعدذلك- أن نجد وجوه الخلاف و التباين بين الفريقين عميقة , فريق أراد تسويد اللهجات العامية في البلاد العربية, على حساب الجملة العربية , و آخر يرفض كل الحملات و المحاولات التي تستهدف إخراج لغة القرآن من ذاتيتها و خصائصها . و في ذلك يقول حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية :
أَرَى لِرِجَال الغَرْبِ عِزًّا و مَنَعَةً
أَتَـوْا أَهْلَهُمْ بالمُعْجـِزَات تَفَنُّنـاً
أَيُطْرِبُكُمْ مِنْ نَاحِيَةِ الغَرْبِ نَاعِبُii
وَ لَوْ تُزْجِرُونَ الطَّيْرَ يَوْماً عَرَفْتُمْ
أَرَى كُـلَّ يَوْم بِالجَرَائِدِ مَزْلَقـًاii
وأَسْمَعُ لِلكُتَّابِ في مِصْرَ ضَجَّةً
وكَـمْ عَـزَّ أَقْوَامٌ بِعِزِّ لُغَـاتِii
فَـيَـا لَـيْتَكُمْ تَأْتُونَ بالكَلِمـَاتِii
يُـنَادِي بِوَأْدِي في رَبِيعِ حَيَاتِيii
بِـمَـا تَحْتَهُ مِنْ عَثْرَةِ وشَتَاتِii
مِـنَ الـقَبْرِ يُدْنِينِي بِغَيْرِ أَنَـاةِii
فَـأَعْلَمُ أَنَّ الصَّائِحِينَ نُعَلتِـي6ii
و ها هو أيضا , خليل مطران يندفع مُدافعاً عن اللغة العربية في قوله :
لِـنَعِشْ مَعَاشَ زَمَانِنَا وَلْنَنْتَهـِزْii
لَـنْ تَرْجَعَ العَرَبِيَّة الفُصْحَى إِلَى
مَـا لَـمْ يَعُدْ ذَاكَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُii
إِنَّ الـتَّـجَدُّدَ لِلِّسَـانِ حَيَاتُـهُii
فِي عَصْرِنَا للضَّـادِ فَتْحٌ بَاهِرٌii
فُـرَصَ النَّجَاحِ نَفُزْ بِهِ أَوْنَسْلَمِii
مَـا كَانَ مِنْهَا فِي الزَّمَانِ الأَقْدَمِii
والـعَادُ والأَخْلاَقُ حَتَّى جَرَّهُمِii
وَ مَـنْ الَّذِي يُحْيِيهِ غَيْرَ المُقـْدَمِ
زِيدَتْ بِهِ فَخْراً , فَهَلْ مِنْ مَأْثَمِ 7
ولقد حاول الأدباء و المهتمون إيجاد تبريرٍحقيقي لتلك الانتفاضة التي عرفها الشرق في ذلك العهد , فجاءت الحلول المقترحة و ردود الأفعال متباينة الاتجاهات , و وقف الرافعي بمعية المحافظين يواجه كل محاولة تجديد أو تعديل , لأنَّ في اعتقادهم :” دعاة التجديد يكاثرون المحافظين بما عرفوا من آداب العرب و من فنونه الأدبية المستحدثة , ويسخرون من جهلهم , و يرمونهم بالجمود و الكسل . و كان المحافظون في الوقت نفسه يتهمونهم بأنهم يغُضُّونَ من قدر التراث الذي خلفه أجدادهم لأنهم يجهلونه , و يشيدون بمذاهب الأدب الغربي و فنونه لأنهم لم يعرفوا سواه . وهم عندهم بين خبيث مأجور على قومه يريد أَنْ يهدم كيانهم و يمحو طابعهم و بين مغفل يحكي ما أملي عليه عن غير وعي , و كلاهما معين للغرب على قومه , يلين اللقمة الصلبة تحت أضراسهم “ 8. و بهذا الاعتبار كانت اللغة العربيـة – عند الرافعي – اللغة المقدسة , و لغة القـرآن , و ديوان التاريخ العربـي . لذلك كان أدنى تصور نادى إليه هؤلاء الأدعياء هو طعن كلام الله , و كامل التراث اللغوي و الأدبي .
ولعل هذا المناخ الذي ألفه الرافعي , هو الذي حمله دائماً على الذَّوْد عليه , مُفْتَخِرًا مُعْجبًا, حيث يقول : ” إِنَّ هذه العربية بُنيتْ على أصل سحري يجعل شبابها خالداً عليها فلا تهرم و لا تموت , لأنها أَعدَّتْ من الأزل فَلَكاً دائرًا للنَيِّرَيْن الأَرْضِيَيْن العَظِيمَيْن:كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم , و من ثم كان فيها قوة عجيبة من الاستهواء كأنها أَخْذَة السِّحْر “ 9.
أمَّا المجددون , الذين دعوا إلى تعديلات من شأنها أنْ تجعل اللغة أكثرَ تلاؤماً مع مستلزمات الحياة المعاصرة, فإنَّ الرافعي لم يتعارض معهم بل حرص على ضرورة : ”وجوب الإصلاح اللغوي , وجوب أَنْ يكون للغة في هذه النهضة مجمعٌ يحوطها و يضع لها و لو على الأقلّ – كمصلحة الكََنْسِ *و الرَشِّ ** “ 10. و قد واجه الرافعي ذلك الفريق بالسلب و النقص , حيث عليه قصورَ مُناصريه
وضعفهم مُعْلِناً أنه : ” لا ينقصنا من اللغة شيء , و هي على ما هي من أحكام الأوضاع و التراكيب و الاتساع للمفردات,... ولكن ينقص هذه اللغة رجال يعملون و يحسنون إذا عملوا و يعرفون كيف يتأتى عملهم إلى الإحسان “ 11 . و ذلك حين كان تحامل أنصار الجديد – كما يقول – على اللغة العربية و محاولتهم طمس معالمها , في اعتقادهم ظاهرة من ظاهرة التجديد 12 . و مما زاد الرافعي إيماناً بصحة موقفه هو – كما يقول – أن : ” كل المجددين رجعوا الآن عن رأيهم في المدنية الأوربية و أقروا أنها مدنية زائفة “ 13.
عندئذ أحسَّ الرافعي و أنصار الصفاء اللغوي و حماة الفصحى بتقدير ذلك الدور و العمل به , إلى حدّ إعجاب الرافعي بنفسه حيث قال : ” يخيل إليَّ دائماً أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن و لغته و بيانه , فأنا أبداً في موقف الجيش ... “ 14. على أن هذا الأمر كله لم يغب عن عميد الأدب العربي الأستاذ طه حسين حيث يشير إلى أنه : ” كان الكتاب و الشعراء – أول القرن الماضي و أثناءه- يرون أنهم قد أدوا ما عليهم من حق البيان إذا أرادوا هذه الجمل و الألفاظ التي كانوا يديرونها على نحو من البديع مألوف , ... و كان الناس يطمئنون إلى هذا النحو من الأدب تقبل غليه الخاصة و تنصرف عنه العامة إلى أزجالها و مواويلها و إلى قصصها و أحاديثها...“ 15 .
و بعد ذلك بدأت حركة أدبية جديدة تدبُّ في الذوق الأدبي , و أن الناس أصبحت تتفهم جيداً مهمة الأدب حين ينزع إلى أنه ترجمة عن النفس و تفسير للحياة و ليس صناعة لفظية جوفاء تؤثر فنون البيان و البديع على حاجة الناس إلى الجمال الفني و الذوق الراقي . من أجل ذلك , اهتم الرافعي بمعرفة هذا الجديد الذي شغف الأدباء تغنياً به , فجاء تقديرهـم مـن أن اللغـة : ” كمجموعة من الألفاظ أو الكلمات , مادة الخلق الأساسية , خاصة و أنَّ هذه الألفاظ متحدة بمدلولاتها في الذهن “16 , و ليس مادة محافظة على ذوق استعاري قديم , و عندها أدرك الرافعي أنَّ تسخير اللغة لأغراضهم هي الخاصية التي وقفوا عليها , بعد محاولة تطويع ألفاظها و أساليبها لحاجاتهم و نظرتهم التجديدية .
ومن هذا المنطلق , جاء تصور الرافعي للمذهب القديم الذي لا يراه إلاَّ في : ” أن تكون اللغة لا تزال لغة العرب في أصولها و فروعها “ 17, بحيث يمضي مدافعاً عنها , داعياً إليها , متعلقاً بأطرافها مؤمناً بأنها تبقى أبداً : ” تحمل ما حملت عليها لأنها صافية كالحق منزهة عن الريب كالواقع“ 18.
ثم ينتهي من ذلك إلى القول بالمذهب الجديد : ” لو تأمل أصحابنا تاريخ هـذه اللغـة و آدابها لرأوا في كل عصر من عصورها شيئاً كان يمكن أن يسمى مذهباً جديداً , و لكن لم نجد أحداً سماه كذلك و لا بناه على أنه شيء بنفسه “ 19 . و يتعمق الرافعي في هذا المجال أكثر فأكثر , و يفطن إلى العلة في نشوء المذهب القديم و المذهب الجديد الذي لا يراه إلا في : ” الضعف في لغة و القوة في أخرى , و أن صاحب المذهب الجديد أخذ بالحزم في واحدة و بالتضييع في الثانيـة , و أكثر من الإقبال على شيء دون الآخر , فتعلق به و أمضى أمره عليه و حسنت نيتـه فيـه و استمكنت فصارت إلى نوع من العصبية للأدب الأجنبي و أهله “ 20.
هذه هي مآخذ الرافعي في موقف أنصار المذهب الجديد من اللغة العربية , و هي مآخذ جعل سمتها البارزة في كونهم اتهموا اللغة العربية بالقصور في التعبير عن الحاضر و المستقبل . و الحقيقة أن اللغة شيء طبيعي فينا , و أنها منا أكثر مما هي لنا إذ كانت في الجاهلية لغة راقية بأطلالها و رثائها و فخرها و حكمها , في حين ننظر إليها الآن على أنها لغة جمود و فقر , و يكفيها فخراً أنها لغة القرآن, التي كلما تقدمت وثبة إلى الأمام شهدت تراكيب و مفردات جديدة , وقصص و صور و رموز وفيرة , و بذلك : ” وصفت على إثرها باللغة الشريفة , و الكريمة , و اللطيفة , و صار العلم بأسرارها جزء لا يتجزأ من السلوك وفقاً لأحكام الشريعة “ 21.
ولعل هذا الموقف المثالي من اللغة , جعلها تكسب صفة القداسة و الفضل , و هو الموقف نفسه الذي يخلص إليه رولان بارت في اللغة و دورها, حين يقرر في قوله بأنها : ” ليست زاداً من المواد بقدر ما هي أفق “ 22 . ثم حصرت– بعد ذلك- في المقامات و شعر المناسبات, فوقفت عن السير و ضاقت, فأغلقت أمامها السبل و أمست لغة الضعف . و على ذلك سارت إلى مرحلة النهضة , حين حلّ الوعي العربي , و احتك العرب بالغرب , فسايرت اللغة العربية نضج الوعي الإنساني العالمي و مشت إلى الأمام لا تعرف الوقوف . و عندها أضحت اللغة هي , بالحرف الواحد , مادة الأديب لينطلق بعدها في : ” اختيار قاموسه و تطويع مادته بحيث يكون كل يوافق كلاًّ , بلا فضول , و لا ضيق , و لا تعسر ... و يرتفع الأديب في نظر الناقد ما كان قد عبر بقدر ما أحسَّ “ 23.
وسواء قبلنا أو رفضنا هذه المعطيات , فإن الرافعي رأى ضرورة التمسك بالعربية و بتاريخها , لأنه ماض مسترسل في الحاضر , معبر في آنية عن تاريخ جارف من الأحداث و العواطف , لتغدو اللغة منعشة و منشطة للفكر , و وسيلة للإبداع الفني الخصب , لا أداة للتصنع الأجوف الذي طربت له الآذان عهوداً من الزمن . ذلك ما يحدده الرافعي في قوله : ” إنَّ الأمة لا تحيا إذا ماتت لغتها , و لن تموت لغة أمة حية , و ما دامت العربية على أصلها فأدبها ما أخرجه لنا السلف , لا ينقص منه و لكن يزاد عليه بما تمثله الأيام و تبتدعه الأفهام و تستأنفه القرائح و تتدبره العقول و يمحصه التحقيق و تبدعه مذاهب النقد , ... “ 24. و لسنا في حاجة إلى التعقيب على هذا الكلام بأكثر من حاجتنا إلى التساؤل عن صحة اتهام النقاد الرافعي بالتعصب إلى القديم , إلى درجة أنهم حجبوا عن نفسه حقيقة الجديد , و هو الداعي إلى تجديد و إثراء اللسان العربي ليتمتع إلى الأبد بقوى المناعة و الحياة .
لقد تتبعه النقاد في هذه المسألة و تعقبوه فيما عرضه, وهو الذي كان : ”تملكه لزمام اللغة لا يقلّ عن تملكه لزمام المعاني,وبصره بجمال أساليبها لا يقل عن بصره بالقوى الكامنة في حائق الأشياء “ 25 . و بتتبع ما قاله النقاد , نرى أن كثيراً مما ساقوه يحتاج إلى مناقشة و مدارسة .
فكم غفلوا عن فضائل و نسوا زيادات أتى بها الرافعي , بل كم اتخذوا من ألفاظه و عباراته مجالاً للتهمة و التشنع , متحيفين على الرجل متناسين ما بين أيديهم من مقاييس فنية , و لكن في مقابل ذلك لا ننكر صحة بعض ما عرضوه , على أنّ الرافعي سار – في مواقفه – على ضوء من أفكار غيره , و انتفع بآراء من سبقوه . و سنعرض لكل ذلك من خلال بعض النماذج الكاشفة .
ما ادعى فيه النقاد بأن الرافعي كان يسير إلى الأمام و رأسه ملتفتة إلى الوراء , و من ذلك جاء تعقب طه حسين للرافعي في مسألة الذوق الأدبي قائلاً : ” و يدور المختصمون جميعاً حول الذوق , دون أن يحددوا هذا الذوق . أليس من حقنا أن نسأل عن هذا الذوق ما هو ؟ و ما حدّه ؟ و ما الذي يريدون منه ؟ و لا تقُلْ أن الأستاذ الرافعي قد يقول في الذوق : و أنت تعلم أن الذوق الأدبي في شيء إنما هو فهمه , و أنَّ الحكم على شيء إنما هو أثر الذوق فيه , و أنَّ النقد إنما هو الذوق و الفهم جميعاً . نعترف بأننا لا نفهم هذا الكلام , بل نعترف بأننا نعتقد أنّ هذا الكلام ليس من شأنه أن يفهم “26.
ولعل في هذه الغمرة من الجدل , نسي العميد أن يحكِّم علمه و " ذوقه " , و هو الكاتب الذي يجب أن يلمح أدنى فرق بين قول و قول . مع أنَّ المعنى دقيق و جليّ . فمصطفى صادق الرافعي غيور على الأدب العربي و على لغته , متبنٍّ لفكرة الإبداع و التجديد منذ زمـن بعيـد, و لما أعلن بأن الذوق الأدبي في شيء إنما هو فهمه , إنما أراد بذلك – كما بينه العميد – أن يكون الذوق و الفهم لفظان يدلان على معنى واحد , غير أن تحليل الرافعي للمسألة هو كالآتي :
حتى يكتمل ذوق الإنسان للفنّ المطلوب , لابد أن يمر بمرحلة أولى تدعى مرحلة الذوق الاستطلاعي أو الاستكشافي , يحاول من خلاله التعرف و فهم – من بين الأعمال و الآثار- العمل الذي يجذب إليه , ليتسنى له – فيما بعد – تذوقه متمثلاً في نفسه , دون أن يغفل عن ربطه بالواقع . و عندئذ يحلّ مقياس الحكم و النقد ليحدد من خلاله ما في ذلك النص الأدبي من قيم مقارنة مع النصوص الأدبية الأخرى .
وبذلك يكتمل في الإنسان الموهوب الطبع و الذوق في إجادة تأليف الأعمال الفنية و أسباب استحسانها أو تأثيرها في المتلقي27, كما يقول بدوي طبانه . و على أساس هذه النظرة الموضوعية إلى الذوق الفني , فإننا نرى أن الرافعي رفع من شأن الذوق انطلاقاً من أنه أداة لجمال النص الأدبي و الحكم عليه , ليتهيأ له فيما بعد تنمية ذوق الناقد الذي لا يستطيع الناقد ذاته الانفصام عنه . و بذلك , يبقى الذوق السليم : ” عدة الناقد و وسيلته الأولى , فإليه يرجع إدراك جمال الأدب , و الشعور بما فيه من نقص , و إليه نلجأ في تعليل ذلك و تفسيره , و به نستعين في اقتراح أحسن الوسائل , لتحقيق الخواص الأدبية المؤثرة , ... “ 28.
ويبقى الذوق الأدبي – رغم تطوره من عصر لآخر , و من أديب إلى غيره – بقاء الفنّ و خلوده على الزمان , تتداوله الأجيال عبر أزمنة متغايرة , و هنا – كما يقول أحمد كمال نشأت – عرف الرافعي من خلال مصنفاته : ” كيف يثير في نفس المتذوق لذة فنية ... و قوة يقرر بها الأدب من حيث هو فنّ “29 .
وبعد ذلك , تناول الرافعي مسألة التجديد و علاقتها بالأدب العربي دراسةً و تحليلاً. و قد كانت جهوده في جملتها وقفاً على عرض مفهوم المذهب الجديد عند العرب استناداً إلى الأدبين الأموي و العباسي إذ يقول : ” و قد نقل عبد الحميد الكاتب أشياء من الأساليب الفارسية فأدخلها في كتابته و ترجم العلماء عن اللغات المختلفة أكثر مما يترجم كتاب هذه الأيـام ,... و ظهرت الأفكار المتباينة , و تعددت الأساليب في الكتابة, و افتنَّ المتأخرون من القرن الرابع إلى التاسع في فنون من الجدل و الهزل, و في نكتٍ بديعية لم يعرفها العرب إلى أن اختلط لسانهم, و في كل ذلك لم يقل أديب و لا عالم و لا كاتب أنَّ له مذهباً من مذهب قديم , لأنهم كانوا أبصر باللغة و أقدر على تصريفها و أعلم بحكمة الوضع فيها و أحرص على وجود الفائدة منهـا و الانتفاع بها “30.
ومعنى ذلك , أنَّ الرافعي لا يريد حصر فكرة المذهب الجديد في عصر من العصور الأدبية, بل يخلص إلى أنه كلما احتجنا إلى تراثنا القديم في كل عصر , كنا في حاجة أَلَحّ إلى بناء معان و مشاعر جديدة . و من ثم العمل على صهرها فبي بوثقة واحدة لإنتاج أعمال أدبية راقية , و في ذلك الشأن يقول ابن شرف القيرواني المتوفى سنة 460 ه :
قُلْ لِمَنْ لاَ يَرَى المُعَاصِرَ شَيْئاً
وَ يَرَى لِلأَوَائِلِ التَّقْدِيمَــا . وَ سَيَغْدُو هَذَا الجَدِيدُ قَدِيمَا 31.
إِنَّ ذَاكَ القَدِيمَ كَانَ جَدِيـداً
ثم نجد الرافعي بعد ذلك , يدعو إلى الانفتاح على العالم المتطور الذي يراه سبيلاً آخر , يكفل لاتجاهاتنا الأدبية الخلود و البقـاء , و في ذلك يقول : ” و إنْ أرادوا بالمذهب الجديد العلم و التحقيق و تمحيص الرأي و الإبداع في المعنى , على أن تبقى اللغة قائمة على أصولها , ... فإننا لا ندفع شيئاً من هذا و لا ننازع فيـه , بل هو رأينا , بل هو رأي الحياة , بل هو قانون الطبيعة, ... “ “ 32.
على أننا نخلص في الأخير , إلى أن الرافعي كلما خاض في الكلام عن الجديد , إلا و فرض مقياس إبقاء اللغة على أصولها و جذورها , لأن اللغة – في الحقيقة – ليست شيئاً خاصاً بفرد , بل ملكاً مشتركاً بين الجميع , و عليه من فقد لغته فقد ضاعـت إنسانيتـه و شخصيتـه. وظلَّ الرافعي دائمًا لا يعمل إلا بهذه القاعدة , و لا تعمل فيه إلا هذه القاعدة لأنه في نظـره يبقـى : ” للعربية سرها في تركيبها و بيانها و إذا أهملناه صارت العربية كلام جرائد يصلح لشيء و لا يصلح لشيء آخر , يصلح ليقرأ اليوم و يلقى و لا يمكن أن يصلح للغد و الاحتفاظ به ليكون ثروة للغة و البيـان “ 33.
ولعل ما أجاد فيه الرافعي و أصاب , هو تلك الموازنة التي انتهى من خلالها إلى حقيقة لا نستطيع المشاحة فيه , حيث وضعنا أمام خيار مسؤول اتجاه أدبنا و علومنا و كتبنا , حين أعلن أنه علينا إمَّـا : ” أنْ نحرص على الأصل الصحيح القوي الذي في أيدينا و نحتمل فيه ضعف الضعفاء و نصبر على مدافعتهم عن إفساده حتى ينشأ جيل أقوى من جيل و تخرج أمة خير من أمة فتجد الأصل سليماً فتبني عليه و نزيد فيه . و إمَّا أن ندع الصلاح للفساد و نتراخى في القوة حتى تحول ضعفاً فإذا جاء من بعدنا , وجد الأصل فاسداً فزاده فساداً ... و هلمَّ إلى أنْ تصير هذه العربية في بعض أزمانهـا لعنة على كل أزمانها فتنسخ جملة واحدة و يصبح الكلام المأنوس الذي نراه اليوم سهلاً ليناً “34, و هذا لعمري هو حال لغتنا الآن .
وننتهي من هذه الجولة , بعرض أقوال و شهادات نسوقها في هذا المقام للتدليل مرة أخرى على أن الرافعي أديب داعٍ إلى التجديد أكثر منه إلى القديم . و في هذا المنحى يأتي قوله: و ليس يكون الأدب أدباً إلا إذا ذهب يستحدث و يخترع على ما يصرفه النوابغ من أهله ...“35. و كذا قوله في ناحية أخرى : ”و هو – يعني الأديب – كلما أبدع شيئاً طلب الذي هو أبدع منه “ 363737.
وخلاصة هذا المبحث , أنَّ الرافعي يقرّ بالتجديد مذهباً , داعياً إليه في وقفات عديدة. لكنه يريد التجديد الهادف الذي يحسن الاستفادة منه على أساس مبدأ الانتقاء و الاصطفاء الذي يلائم فكر الأمة و انتماءها إلى العروبة و الإسلام , هذا ما جعل الرافعي – كما يقول أبو القاسم سعد الله : ” كاتباً مفضلاًّ عند كثير من الجزائريين لأنه عُرِفَ بالمحافظة و هو محافظون , و عُرِفَ بالدفاع عن الإسلام و هم غيورون على دينهم “38. و إذا كانت قضية القديم و الجديد لم يعتن بها الأدباء المتقدمون عناية واضحة , فقد كانت سعيدة الحظّ مع طبقة الأدباء المحدثين , تلك الفئة التي تمثلت فيها ثقافة مزدوجة غربية و أصلية , حيث أخذت عن الأولى مناهجها المنظمة و أهدافها من الدراسة و فهمت ذوق الثانية و معاييرها الأدبية و مقاييسها الفنية .
وعلى ضوء ذلك كله , نعرض لآراء بعض النقاد و الأدباء المهتمين بهذه القضية , مستهدين من وراء ذلك معرفة وجه الحقّ في كل ما ذكر و قٌرِّرَ . فالأستاذ شوقي ضيف بعد تحليل و دراسة و تناول للمسألة , يقف عند نتيجة حتمية يقرر فيها قوله : ” و إذن فليجدد شعراؤنا في مضمون قصائدهم كما يريدون , و لكن ليصوغوا ذلك في صياغة تروقنا , أو بعبارة أدق ليكن من أهم أهدافهم أن لا يقعوا بعيداً عن صياغتنا الفنية , بل عن الصياغة التي عاش فيها شعرنا قديماً و حديثاً , و ليعرفوا أن الصياغة عبءٌ و جهدٌ , و ليست لقىً في الطريق , و أيضاً ليست عبادة للتقليد , إنما هي نمو و تحول مع فهم أسرارها و تجليها بروح جديدة و معان جديدة, فالقديم يلتقي مع الجديد , و الماضي يلتقي مع الحاضر التقاءً مثمراً , لا تخذل فيه الصياغة المعنى , بل تريده روعةً و بهاءً “39.
ولعل بعد قراءة تحليلية لهذا الموقف, يفصح لنا عن دعوة الناقد الأديب عموماً والشاعر خصوصاً , ألاَّ يعيش – من خلال أدبه و فنه – حياة منفصلة عن ماضيه , بل فليجعل القديم نقطة بدء لها , يرى من خلالها الحياة الإنسانية وكيف تتجدد , و الأدباء و كيف أجهدوا أنفسهم في إبداع نماذج رفيعة , و عندئذٍ نكون قد وصلنا إلى العتبة التي يمكن أن تدلف بنا إلى عالم يلتقي فيه الحديث بالقديـم . و كنا نرغب أن يناقش الأستاذ شوقي ضيف نوعية هذه الصياغة الجديدة التي ما فتئ الأدباء يغزون بها عقولنا و قلوبنا اليوم , فنحن لا نرى فيما يكتب في أيامنا هذه تحت اسم أدب و شعر و قصة , إلاَّ شيء مليء بالغثاثة و التفاهة , استغل كمعول لقتل الفصاحة و تجاهل البلاغة . و هذا الموقف الذي نشدوه , لا ينبع عن تعصب فكري ة لا عن اعتراض لمنهجية الدكتور الصائبة في مناقشته للقضية المذكورة , و إنما هو القول بمغالطة واضحة تزيد يوماً بعد يومٍ في اتساع الفجوة بين الأمة العربية و بيان أسلوبها العربي و فصاحته .
وعلى النقيض من ذلك , نجد الأستاذ عز الدين إسماعيل بعد التساؤل الذي وضعه حول : أيهما تقديراً الأدب القديم أم الحديث ؟ ينتهي إلى : ” أنَّ النشاط المعاصر هو النشاط الوحيد المهم حقاًّ بالنسبة لنا . و أدب الزمن القديم لا قيمة له عندنا إلاَّ أنه يغير الحياة التي نحياها . فالأدب يُكْتَب أولاً لهؤلاء الأحياء القادرين وحدهم على أنْ يستخرجوا منه الحدّ الأقصى من كمية المعنى . و النشاط الأدبي جانب حيوي من جوانب الحياة , فلا يستطيع إنسان أنْ يحيا حياة ممتلئة دون أنْ يهتم بكل نوع من أنواع النشاط المعاصر “40. و يضيف – بعد ذلك – أنَّ دور الشاعر الجديد لابد أن يظلّ : ” يرتبط بأحداث عصره و قضاياه لا ارتباط المتفرج الذي يصـف مـا يشهـد و ينفعل بما يصف إنما هو يعيش تلك الأحداث وهو صاحب تلك القضايا “41. ومن ذلك تأتي النتيجة التي يقف عندها في قوله : ” فشعرنا القديم يتجه إلى تسجيل المشاهد و المشاعر و ليس امتداداً وراءها . أما الشعر الجديد فمحاولة لاستكناه الحياة لا مجرد الانفعال بها “42.
ومعنى ذلك , أن الأستاذ يحاول فرض كل ما هو موروث على الواقع الجديد , و من ثم فإنه لا يسجل أدنى اهتمام للماضي , بل يذهب أبعد من ذلك إلى أن يوصي بالتعامل مع الأدب الجديد باعتباره مصدر المعرفة الوحيد . و إذا كان لنا أن نخالف الأستاذ في شيء , فإنا نرى أن أدب الزمن القديم ظلََّ و سيظلّ تلك التجربة العملية الفكرية التي لم تخرج عن الإطار الذي حُدِّدَ لها في كونها عنصراً شاملاً يستحيل الاستغناء عنه لأيّ حركة حديثة و جديدة , و عليه فإننا لا نغالي إذا قلنا : بفَحْصِ و نَقْدِ تلك الآراء المعاصرة التي يحرص الأدباء على الاستفادة منها لنتحمل بصدق – فيما بعد - مسؤولية التصور الشامل لمواضع الخطأ و الصواب في أدبنا العربي . و لعل هذا - في نظرنا - ما قصده بعض الأدباء و الكتاب و النقاد من خلال إثارتهم لقضية الحداثة التي أصبحت مبرراً كافياً للخروج إلى عالم من التهريج و العبث . و من هذا كله , نذهب مع الأستاذ محمد إقبال حين إشارته إلى الأبعاد الحقيقية لتلك القضية القائمة على:” أنها رؤية مغلوطة تجعل المقدمات نتائج و النتائج مقدمات , و تخلط بين مستويات متباينة ومن ثم فإنَّ كلّ حكم أو تقييم صادر عنها سيكون متأثرا بمعطيات موشوماً بخلطها و غلطها“43.
ومما عرضناه , يتبين لنا أنَّ التجديد مطلوب , و أنه إذا أردنا استبقاء أواصر الودّ بين القديم و الجديد , علينا ألاّ ندعو للانعزال عن الثقافة و الآداب العالمية ,بل نتواصل معها لاحتضان تجارب جديدة و تصيد مقاييس أدبية و نقدية ذات بال و قيمة , و ألاَّ يتخلف الأديب و المثقف العربيين عن عصرهما , بأن يخلقا بينهما و بين واقعهما حجاباً كثيفاً , فإن معنى ذلك جمودهـما و انعدام قدرتهما على التأثير . و لعل هذا الموقف نفسه الذي يتبوَّأُهُ الأستاذ محمد العشماوي بقوله : ” أن تراثنا العربي القديم سيظلّ يشغل الباحثين المحققين فترة طويلة , ذلك أن قدراً كبيراً من هذا التراث ما يزال بحاجة إلى أنْ تتضافر من أجله الجهود لتخليصه من التحريف و التصحيف, و تنظيمه تنظيماً يضمن سلامته من العبث و الفوضى , و يوفر الثقة للباحث و ينأى به عن الريبة و الشك “44.
إذن , فالتزامنا جليّ في الوحدة الجامعة بين القديم و الحديث الذي يعكف – كما يقول العشماوي - على غايتين : ” إحداهما إحياء القديم و إثراؤه و ثانيهما توضيح الحاضر و توجيهه “45.
وعلى هذا الأساس من الوسطية و الاعتدال بين الموقفين , نسوق آراء ارتبطت بمحاولات رشيدة , أخرجت الأدب العربي القديم من سجن القوافي الملتزمة و الجمل البيانية المسجوعة التي اتسم بها ردحاً من الزمن . و أولها موقف طه حسين الذي يحدد لنا خصائص تلك المسألة بقوله : ” بأن القصد أساس الخير في كل شيء و لسنا أبناء القرن الخامس للهجـرة , بيننا و بين الماضي أسباب متصلة و بيننا و بين المستقبل أسباب ستتصل , فما لنا لا نحتفظ بالمكانة التي وضعتنا فيها الطبيعة , فلا نسرف في التقدم , و لا نسرف في التأخر ؟ لا أمقت القديم و آنف من الحديث , و إنما أرى أني وسط بين القديم و الحديث , و أرى أنَّ لغتي يجب أن تكون مرآة لنفسي. و لن تكون لغتي مرآة صادقة لنفسي إذا كانت قديمة جداًّ أو حديثة جداًّ,وإنما هي مرآة صادقة لنفسي إذا كانت مثلي وسطاً بين القديم و الحديث “46. ثم لا ينأى هذا الرأي عن نظرة عباس محمود العقاد للموروث , حين يرى أن التجديد ليس هو إنكار فضل العرب أو تعمد الخروج على الأساليب العربية , و لكنه هو إنكار أوهام الذين يحصرون الفضل كله في العرب , دون أمم المشرق و المغرب من سابقين و لاحقين , ... و ليس التجديد أن نضرب عن العرب , لنقلد الإفرنج , و ننظم كما ينظمون , و ننقد كما ينقدون , لأنَّ الإفرنج يخطئون في فهم الأدب كما يخطئ الشرقيون , و يأبون على طائفة منهم أنْ تقلد الآخرين47. أما محمود تيمور , فلا يخرج على نطاق رؤى سابقيه , بل يخلص إلى أننا : ” في حاجة إلى مجددين يشقون في الحياة آفاقاً مجهولة , و يبشرون في المجتمع بقيم لم يكن مألوفة , فتلك سنة التطور و التقدم , و ليس من سنة الوجود مناص , و لكننا في حاجة كذلك إلى من يدعم حياتنا الحاضرة بتقاليدها الموروثة , ريثما تقوم بإزائها حياة جديدة مأمولة , فالهدم قبل البناء شطط , و البناء على الخواء لا يقوم “48.
و قد ساير الاتجاه ذاته , نقاد و دارسون آخرون اتجهوا في تعليل زوايا القضية , و تعليل ما رأوا فيها من منطق و موضوعية , بدءً بالأستاذ فؤاد مرعي الذي انتهى إلى : ” أنَّ الكُتَّاب المجددين هم أولئك الذين يؤصلون أفضل تقاليد الماضي و يقدمون إلى جانب ذلك , كلمتهم الجديدة الخاصة بهم . إنَّ التجديد في الأدب يشبه ما يحدث في الفكر العلمي حيث يتمّ تملك خبرة الماضي تملكاً إنتقادياً ثم يجري تكميلها و إغناؤها و تغييرها و الارتقاء بها إلى مستوى أعلى “49.
ثم أوسع الأستاذ فتحي أحمد عامر هذه النظرة التي عَدَّهَا أساس تغير عملية التذوق الأدبي , و على أنها لم تكن إلاَّ خيراً و بركةً على الأدب في توجيهه وجهة سديدة , إذْ أنها أفادت المحافظين و المجددين معاً , و انتهت إلى شيء من الاعتدال و التصالح و التوفيق , و في ذلك يقول : ” و ليس من التطور المحمود أن يخرج بعض الدارسين على الموروث من التقاليد الأدبية و النقدية جملةً و تفصيلاً , فذلكم ضربٌ من الخطل في الرأي , و التهور الأحمق الذي لا يليق بجلال الماضي الأدبي و التاريخي , و ليس من المعقول أو المقبول أن يظلّ بعض الباحثين سجناء الماضي , يرفضون ما عداه , و لكن المنطقي الذي يرتضيه العقل الباحث ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً هو أنْ نحترم التقاليد و الموروثات الأدبية عند كل الشعوب و الأمم , ثم يضاف إلى هذه الموروثات ما يجد للعقل الباحث المستنير , و ما تتطلبه تجارب العصور المختلفة من ألوان التعبير , و مختلف فنون القول “50. في حين يذهب الأستاذ أحمد سليمان الأحمد إلى توجه يريد من خلاله التأكيد على حتمية وَصْل الماضي بالحاضر , أو توفير التعادلية الأدبية , فلا روح المحافظة يُسْتَغنى عنها , و لا شروط النهضة يُسْتَهان بها , بل نترك مَجْرَى أدب العروبة الموروث لا ينقطع مع الإبقاء على مقومات حياتنا المعاصرة , و ثمة يستبين لنا ما سموه بتجديد " المحافظين " : ” نحـن إذن أعـداء الانفصال عن القديم بمعناه الخيّـر . إننا بالأحرى مؤمنون بأنَّ هناك استمراراً في التطور – الكمي و الكيفي – لا تنفصم عُرَاه , و لا يقف عند حدّ مرسوم له . إنه تطور يواكب الحياة , و ما دام أحدهما موجوداً فالآخر موجود “51.
و يتجانس مع كل هذا التوجه , ما أجمله الرافعي في كتبه , إذْ ما كان يعنيه في وسط هذه المعركة الأدبية و الفكرية سوى نصاب اللغة العربية فيها , بصفتها كائنٌ حيّ تامّ التطور , لا يصل الحدّ إلى هدمه . و ما عدا ذلك , من وجوه التجديد فأهلاً به على أيّ نحو يكون . و يكفي لتقرير ذلك أن تقرأ قوله – رحمه الله : ” و أنا و أمثالي إنما نحرص أشدّ الحرص على هذه اللغة لأنها أساس الأمة الإسلامية فلا نرضى إِلاَّ أنْ يكون هذا الأساس ثابتاً متيناً لا يزعزعه شيء و لا يثلمه شيء و لا يضعفه شيء “52. و لعل حول هذا المعنى يتمحور قول محمد محمد حسين محذّراً من كمائن دعوة التطور اللغوي , و التي حصرها في : ” تنشئة جيل جديد من بناء العرب لا يستطيع أن يتذوق أساليب البيان العربي و موضوعاته .و إذا نَفَرَ الشباب من شعر المتنبي و أبي تمام, بل من أسلوب القرآن , و انصرف عنه ثم عجز عن تذوقه و فهمه , فقد حكمنا على تراث الأدب العربي بالكساد ثم بالموت , و قد انقطعت صلة الأجيال المقبلة من أبناء العرب بقديمهـم . و إذا انقطعت صلتنا بقديمنا أمكن أنْ نُقَادَ إلى حيث يراد بنا و إلى حيث لا تجمعنا بعد ذلك جامعة تجعل مناَّ قوة تُخِيفُ الكائدين و تَأْبَى على الطامعين “53.
و يعمق الأستاذ محمد زرمان الرؤية نفسها , بعد أنْ تبينت له حقيقة أنَّ الكاتب في العربية يكتب دون مراعاة لمقتضيات الفصاحة , و متطلبات البلاغة , مما يشكل خطراً كبيراً على مستقبل الأجيال في ارتباطها بالتراث العربي , ديناً و أدباً و لغةً . و خلص إلى أنَّ هذا السبيل ينتهي إلى حفر هوّة عميقة بين الأدب و الأسلوب القرآني باعتباره من أرقى أساليب العربية54.
و بعد هذا كله , فالصراع حول لغة الأدب بين أشياع القديم و في طليعتهم مصطفى صادق الرافعي و مصطفى لطفي المنفلوطي و شكيب أرسلان , و بين أتباع التجديد من أمثال طه حسين و سلامه موسى و العقاد , إنما نخلص إلى نقطة تلاقي واحدة بين رواد المذهبين ألا و هي: محاولة تطويع اللغة العربية لمجاراة الحياة و مقتضيات العصر, و إنْ كان الأول – على قول ضيف الله - : ”يجهد نفسه و يتعهد ألفاظه بالصقل و التهذيب,فإنَّ الثاني يهتم بالمعاني أكثر من اهتمامه باللفظ “55. و تبقى مسحة النموّ و الخلود سياجاً يحدّ اللغة العربية قيماً و مُثًلاً , تنبئ بالمنهج الموسوم و التوجه الثقافي المطلوب الاحتذاء به , و هو ما يعبر عنه خليل مطران بقوله :
لِلضَّادِ عَصْرٌ بِالنُّشُورِ مُبَشِّرٌ ... إِنْ تَتَّحِدْ شَتَّى القُوَى وَ تُنَظَّمِ 56 .
و بعد هذا , فإننا مهما عرضنا من جهود الدارسين و الكتاب حول هذه المسألة , إلاَّ أنَّ الباب لن يوصد في أوجه الباحثين و المتتبعين لها , لأنَّ معارف الناس و مداركهم في تطور مستمر, و ما نرجوه هو أنْ يكون مبحثنا هذا قد أسهم موفقاً في الكشف عن بعض خفايا هذا الموضوع , التي تبقى انطلاقتها من بعثٍ واعٍ لتراث الأقدمين قبل وضع بذور التجديد , و ذلك حتى تبقى الوسطية بين التوجهين هي المنزلة الفضلى في الاحتذاء المطلوب . و هذا ما يجمله فتحي أحمد عامر في قوله : ” تلكم هي الطريقة التي نؤمن بها , و نرتضيها في دراستنا الأدبية و النقدية, لابد من النظر الطويل المتأني الرزين إلى ماضينا , نَعُبُّ من زِلاَلِه الصافي, و نروي ظمأنا, لأنه نبض حيوي في جسم الإنسانية , شارك في بنائها و تحضرها فترة طويلة من الزمان , فكيف لا نُيَمِّمُ وجوهنا شطره , نتروَّد منه , و ننْعَم بخير ما فيه. ومن جهة ثانية نتطلع إلى مستقبلنا , فنطلع على خير الثمار النقدية و الأدبية في عيون الآداب الأجنبية , فنغذي حاضرنا, ونعدّه إعداداً علمياً و أدبياً بطريقة منهجية لاكتشاف مستقبلنا , و التأثير في غدنا “ 57.
هذه نظرات سريعة في موقف الرافعي من مسألة القديم و الجديد التي تحتاج إلى وقفات متأنية، حتى يتضح من خلالها مدى ما يرمي إليه الرافعي ، و مدى ما وَفَّق فيه ، أو أخفق . لكن الرافعي بمواقفه و أفكاره باقٍ على الأيام ما بقي للأدب ذكر ومقام , و ما بقي في الأدباء من يرفعون رايته وينهلون من وحيه . و هو باقِ أيضا لأنه كان كاتبا غيورا على لغته ، غيورا على دينه ، غيورا على عروبته، ومن يُؤْتَى هذه المزايا جدير بأن يُعَدَّ من الصفوة الذين يُحْتَفَى بهم ، و يعطون حقهم من التكريم و الإكب
الإحالات
1. محمد محمد حسين , الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي – بيروت- دار النهضة العربية – ط3- 1392ه/1972م - ج2 – ص 289.
2.
2. ينظر : عز الدين الأمين , نشأة النقد الأدبي الحديث في مصر– القاهرة – دار المعارف– ط2– 1390ه/ 1970م – ص 122 .
3. الرافعي , تحت راية القرآن – القاهرة – مطبعة الاستقامة – ط4– 1376ه/1956م – مقال " ما وراء الأكمة " – ص 33 و 34 .
4. ينظر : محمد محمد حسين , الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر – ج2 – ص 275 .
5. مصطفى لطفي المنفلوطي , النظرات – بيروت – دار الثقافة – ب.ط – ب.ت – ج1 – ص 14 .
6. حافظ إبراهيم , الديوان – بيروت – دار العودة – ب.ط – 1937م.– ج1 – ص 254 و 255 .
7. خليل مطران , الديوان – بيروت – دار مارون عبود – ب.ط – 1977م – ج3 – ص 218 .
8. محمد محمد حسين , الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر – ج2 – ص 273 .
9. الرافعي , تحت راية القرآن – ص 29 .
الكنس : كَسْحُ القمام عن وجه الأرض . **الرَّش : رَشُّكَ البيت بالماء . ينظر: ابن منظور , لسان العرب– بيروت - دارصادر–ب.ط–
1374/1412ه– 1955م/1992م– مادة :كَنَسَ– مج 6– ص197/ مادة :رَشَشَ– ص 303
10. المصدر نفسه – ص 55 .
11. المصدر نفسه – ص 56 .
12. ينظر : الرافعي , وحي القلم – بيروت – دار الكتاب العربي – ب.ط – ب.ت – ج 3 – ص 257 .
13. محمود أبو رية , من رسائل الرافعي– القاهرة – دار المعارف – ط2 – 1969م – ص 302 .
14. مصطفى الشكعه , مصطفى صادق الرافعي كاتباً عربياً و مفكراً إسلامياً – بيروت– عالم الكتب– ط 3 – 1983.– ص 5 .
15. طه حسين , حافظ و شوقي– بيروت – دار الكتاب اللبناني– ط1– 1974م – ص 366 و 367 .
16. جودت فخر الدين , شكل القصيدة العربية – بيروت – دار الآداب – ط1– 1989م – ص 173 .
17. الرافعي , تحت راية القرآن – ص 9 .
18. الرافعي , السحاب الأحمر – بيروت – دار الكتاب العربي – ط 8 – 1402 ه/ 1982 م – ص 16 .
19. الرافعي , المصدر السابق – ص 10 .
20. المصدر نفسه – ص 11 .
21. جودت فخر الدين , شكل القصيدة العربية – ص 78 .
22. رولان بارت,درجة الصفر للكتابة – ترجمة محمد برادة – الدار البيضاء – الشركة المغربية للناشرين المتحدين– ط3 - 1985م – ص 33
23. أحمد كمال زكي , دراسات في النقد الأدبي – بيروت – دار الأندلس– ط2 – 1980م – ص 19 .
24. الرافعي , تحت راية القرآن – ص 75.
25. شوقي ضيف , الأدب العربي المعاصر في مصر – ص 247.
26. طه حسين , حديث الأربعاء – بيروت – دار الكتاب اللبناني – ط1 – 1974م – ص 574 .
27. ينظر : بدوي طبانه , من قضايا النقد الأدبي– الرياض– دار المريخ للنشر– ب.ط– 1404ه/1984م– ص 105.
28. فتحي أحمد عامر, من قضايا التراث العربي – النقد و الناقد– الإسكندرية – منشأة المعارف– ب. ط– 1405 ه/ 1985 م – ص 323
29. أحمد كمال نشأت , النقد الأدبي الحديث في مصر – ب.ط – 1983– ص 77.
30. الرافعي , تحت راية القرآن – ص 12 .
31. ينظر : المصدر نفسه – ص 205 ( الحاشية ) .
32. المصدر نفسه – ص 13 و 14 .
33. الرافعي , على السفود – القاهرة – دار العصور – ب.ط – 1348ه/1930م – ص 14 و 15 .
34. المصدر السابق – ص 15 و 16 .
35. الرافعي , وحي القلم – ج3 – ص 206 .
36. المصدر نفسه – ص 225 .
37. المصدر نفسه – ص 355 .
38. أبو القاسم سعد الله , محمد العيد آل خليفة – ليبيا – الدار العربية للكتاب – ط3 – 1984 م – ص 8 .
39. شوقي ضيف , في النقد الأدبي – القاهرة – دار المعارف – ط6 – 1981 م – ص 118 .
40. عز الدين إسماعيل , الأدب و فنونه – القاهرة – دار الفكر العربي – ط7 – 1978 م – ص 86 .
41. المرجع نفسه – ص 13 .
42. المرجع نفسه – ص 13
43. محمد إقبال , جمالية الأدب الإسلامي – الدار البيضاء – المكتبة السلفية – ط1 – 1978 م – ص 80 .
44. محمد زكي العشماوي , الرؤية المعاصرة في الأدب و النقد– بيروت – دار النهضة العربية –ب.ط–1983م–ص49
45. المرجع نفسه – ص 140 .
46. طه حسين , حديث الأربعاء – ص 592 .
47. ينظر : عباس محمود العقاد , ساعات بين الكتب – بيروت – منشورات المكتبة العصرية – ب.ط– ب.ت– ص 94
48. محمود تيمور , اتجاهات الأدب العربي – القاهرة – المطبعة النموذجية – ب.ط – 1970 م – ص 143 .
49. فؤاد مرعي , مقدمة في علم الأدب – بيروت – دار الحداثة – ط1 – 1981 م – ص 56 و 57 .
50. فنحي أحمد عامر , من قضايا التراث العربي : الشعر و الشاعر – ص 221
51. أحمد سليمان أحمد , الشعر الحديث بين التقليد و التجديد– ليبيا– الدار العربية للكتاب– ب.ط– 1983م– ص84
52. الرافعي , وحي القلم – ج3 – ص 310 .
53. محمد محمد حسين , الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر – ج 2 – ص 273 .
54. ينظر : محمد زرمان , المقال في أدب الرافعي – باتنة – المعهد الوطني للتعليم العالي– 1407ه/1987م.– ص 203 و 204 .
55. ضيف الله , نثر مصطفى صادق الرافعي– الجزائر– دار و مكتبة الشركة الجزائرية للتأليف و الترجمة و الطباعة و التوزيع و النشر – ط 1 - 1388ه / 1968 م – ص 293 .
56. خليل مطران , الديوان – ج3 – ص 152 .
57. فتحي أحمد عامر , من قضايا التراث العربي : النقد و الناقد – ص 324 .
ناشر الموضوع : الرافعي
د.بغداد عبد الرحمن
جامعة تلمسان / الجزائرabderrahmane-beghdad@hotmail.com
السبت، 29 أكتوبر 2011
من عجائب الشعر العربي
عبقرية الشاعر اليمني إسماعيل بن المقرئ
كثيرون منا لا يعرفون مقام الشاعر إسماعيل المقرئ صاحب كتاب عنوان الشرف الوافي والذي ولد في جبل حبشي وله جامع اثري ترفض الأوقاف والآثار بتعز إعادة ترميمه ، في السطور التالية انقل لكم العديد من أبياته التي تدل على عبقريته من كتابه عنوان" الشرف الوافي"
مدح ولا ذم المعني في بطن الشاعر
قصيدة شعرية عجيبة ، نظمها إسماعيل بن أبي بكر المقري ـ رحمه الله ـ والعجيب فيها أنك عندما تقرأها من اليمين إلى اليسار تكون مدحا ، وعندما تقرأها من اليسار إلى اليمين تكون ذما
وإليكم بعضا من هذه القصيدة
من اليمين إلى اليسار … في المدح
طلبوا الذي نالوا فما حُرمـوا **** رُفعتْ فما حُطتْ لهـم رُتبُ
وهَبوا ومـا تمّتْ لــهم خُلقُ **** سلموا فما أودى بهـم عطَبُ
جلبوا الذي نرضى فما كَسَدوا **** حُمدتْ لهم شيمُ فــما كَسَبوا
من اليسار إلى اليمين … في الذم
رُتب لهم حُطتْ فما رُفعتْ **** حُرموا فما نالوا الـذي طلبُوا
عَطَب بهم أودى فمـا سلموا **** خُلقٌ لهم تمّتْ وما وهبُوا
كَسَبوا فما شيمٌ لهم حُمدتْ **** كَسَدوا فما نرضى الذي جَلبُوا
==============================
ومن عجائب الشعر كذلك
ألـــــوم صديقي وهـــذا محــــــال
صديقــي أحبـــــه كــــلام يقــــــال
وهــذا كـــــــلام بليـــــغ الجمــــال
محـال يـــــقال الجمـــال خيـــــال
الغريــب فيـــــــه..أنــك تستطيـــع قراءته أفقيــا ورأسيـــا
===================================
وهذه قصيده عبارة عن مدح لنوفل بن دارم،إذا اكتفيت بقراءة الشطر الأول من كل بيت
فإن القصيدة تصبح هجـــــاء
قصيدة المدح
إذا أتيت نوفل بن دارم **** أمير مخزوم وسيف هاشم
وجــدته أظلم كل ظــالم **** على الدنانير أو الدراهم
وأبخل الأعراب والأعـاجم **** بعـــرضه وســره المكـاتم
لا يستحي مـن لوم كل لائـم **** إذا قضى بالحق في الجرائم
ولا يراعي جانب المكارم **** في جانب الحق وعدل الحاكم
يقرع من يأتيه سن النادم **** إذا لم يكن من قدم بقادم
قصيدة الذم
إذا أتيت نوفل بن دارم **** وجدتــه أظلـم كل ظـــالم
وأبخل الأعراب والأعاجم **** لا يستحي من لوم كل لائم
ولا يراعي جانب المكارم **** يقرع من يأتيه سن النادم
كثيرون منا لا يعرفون مقام الشاعر إسماعيل المقرئ صاحب كتاب عنوان الشرف الوافي والذي ولد في جبل حبشي وله جامع اثري ترفض الأوقاف والآثار بتعز إعادة ترميمه ، في السطور التالية انقل لكم العديد من أبياته التي تدل على عبقريته من كتابه عنوان" الشرف الوافي"
مدح ولا ذم المعني في بطن الشاعر
قصيدة شعرية عجيبة ، نظمها إسماعيل بن أبي بكر المقري ـ رحمه الله ـ والعجيب فيها أنك عندما تقرأها من اليمين إلى اليسار تكون مدحا ، وعندما تقرأها من اليسار إلى اليمين تكون ذما
وإليكم بعضا من هذه القصيدة
من اليمين إلى اليسار … في المدح
طلبوا الذي نالوا فما حُرمـوا **** رُفعتْ فما حُطتْ لهـم رُتبُ
وهَبوا ومـا تمّتْ لــهم خُلقُ **** سلموا فما أودى بهـم عطَبُ
جلبوا الذي نرضى فما كَسَدوا **** حُمدتْ لهم شيمُ فــما كَسَبوا
من اليسار إلى اليمين … في الذم
رُتب لهم حُطتْ فما رُفعتْ **** حُرموا فما نالوا الـذي طلبُوا
عَطَب بهم أودى فمـا سلموا **** خُلقٌ لهم تمّتْ وما وهبُوا
كَسَبوا فما شيمٌ لهم حُمدتْ **** كَسَدوا فما نرضى الذي جَلبُوا
==============================
ومن عجائب الشعر كذلك
ألـــــوم صديقي وهـــذا محــــــال
صديقــي أحبـــــه كــــلام يقــــــال
وهــذا كـــــــلام بليـــــغ الجمــــال
محـال يـــــقال الجمـــال خيـــــال
الغريــب فيـــــــه..أنــك تستطيـــع قراءته أفقيــا ورأسيـــا
===================================
وهذه قصيده عبارة عن مدح لنوفل بن دارم،إذا اكتفيت بقراءة الشطر الأول من كل بيت
فإن القصيدة تصبح هجـــــاء
قصيدة المدح
إذا أتيت نوفل بن دارم **** أمير مخزوم وسيف هاشم
وجــدته أظلم كل ظــالم **** على الدنانير أو الدراهم
وأبخل الأعراب والأعـاجم **** بعـــرضه وســره المكـاتم
لا يستحي مـن لوم كل لائـم **** إذا قضى بالحق في الجرائم
ولا يراعي جانب المكارم **** في جانب الحق وعدل الحاكم
يقرع من يأتيه سن النادم **** إذا لم يكن من قدم بقادم
قصيدة الذم
إذا أتيت نوفل بن دارم **** وجدتــه أظلـم كل ظـــالم
وأبخل الأعراب والأعاجم **** لا يستحي من لوم كل لائم
ولا يراعي جانب المكارم **** يقرع من يأتيه سن النادم
الجمعة، 5 أغسطس 2011
أثر الخلافات العقدية على وحدة الأمة
المبحث السابع
اثر الخلافات العقدية على وحدة الأمة
كما أسلفنا من قبل إن وحدة الأمة ضرورة ملحة أكدت عليها النصوص القرآنية والسنة النبوية المطهرة وبعد ابتعادنا عن ديننا وغربتنا تعرضت الأمة الإسلامية الى تناحرات ومعارك ساخنة الوطيس فقدنا فيها الغالي والنفيس من الرجال والأراضي فأصبحنا جماعات وطوائف ودويلات مشرذمة مختلفة وان من أهم أسباب ذلك هو إثارة الخلافات والبحث في المتشابه ولي أعناق النصوص من دون التشبع بأخلاقيات الخلاف بين نفر الأمة الواحدة وأمصارها المختلفة، خصوصا مع اتساع رقعة الخلافة الإسلامية وما انجر عنه من وافدين جدد على هذه الملة الحقة، وإن كانت هذه النزاعات تتمحور في جانبين مهمين وهما الفقه الأكبر أعني مسائل العقيدة، والفقه الأصغر بفروعه وأصوله أعني مباحث العبادات، إلا أن الجانب الأول كان له الأثر المدمر الملموس على أرض الواقع تاريخا، وساحات الوغى آثارا، حيث الغلبة فيها لصالح الطائفية العمياء والهمجية بضوضائها الهوجاء بسببها طفت إلى السطح تلك الخلافات العقدية الحادة وما انجر عنها من تبييض وتفريخ لجماعات تختلف كل واحدة عن الأخرى على حسب قناعتها وإديولوجيتها، ومع غياب عامل لغة الحوار حلت لهجة الدمار لتقع الأمة في مستنقع الإقتتال الداخلي والصراع المستميت، حول التمكين للأسلوب والمنهج التي تسلكه هذه الجماعة، محاولة محو الأخرى من على أرض الوجود، عوض أن توجه تلك الطاقات الهائلة لتعمير الخلافة وتشييد المجد الضائع، والأمة بين هاته وتلك على مرأى من أعين العدو، يتحين الفرصة حين تتأجج الصراعات بين الإخوة الأعداء فيهنوا ويستكينوا، لينقض عليهم بدوره تماما كالأولاد السيئين الذين ينتظرون بفارغ الصبر، موت والدهم المريض ليرثوا أمواله، فوآ أسفاه.
..
وهناك جهات معادية للإسلام والمسلمين خارجية تعمل على تأجيج هذه الصراعات والخلافات الفكرية لتفريق الأمة وتعطيلها عن ممارسة دورها في استعادة مكانتها ونشر تعاليم الإسلام .
وعلى مر العصور يمكن لنا أن نحصر المسائل التي كانت مثار للخلاف .
1- مسائل الأسماء والصفات من المسائل المتشابهة التي تم البحث فيها والاختلاف حولها . . فنما في كنفها التناحر وتبادل التهم .
فمن المعطلة إلى المجسمة إلى المؤولة . وتطور الأمر إلى الاقتتال وتعرض العلماء الأعلام في تلك الفترة إلى محن كبيرة محنة الإمام احمد رحمه الله في مسألة خلق القرآن ومخالفة لرأي المعتزلة الذي أغروا به الحكام إلى سجنه وتعذيبه .
2- توحيد الإلوهية من المباحث الكبيرة التي انتشرت في تلك الفترة حتى وصلت إلى حد الولوج إلى عالم الشرك من قبل أهل البدع الخرافات ووقف لها الإمام ابن تيمية موقف حازم وتعرض ما تعرض له من قبل الإمام احمد .
3- قضية الإيمان والتكفير :
وهي من القضايا الخطيرة التي كانت على مر التاريخ قاصمة لظهر الأمة لأنها تتعلق باخراج المسلمين من دينهم بأثر المعاصي من خلال لي أعناق النصوص واقتطاعها ومن ثم الحكم عليهم بالموت . فادت إلى مقتل خلفاء رسول الله سيدنا عمر الفاروق وعثمان ابن عفان وعي ابن ابي طالب والآف المسلمين ولو دقننا النظر جيدا لوجدنا إن اليهود والفرس على مر التاريخ هم وراء دعم وترويع فتنة التكفير والإقصاء في الأمة وكرد فعل للخوارج ظهرت المرجئة .
4- إشكالية العصمة والولاية :
حيث تحول تعلق البعض بآل البيت والصالحين إلى انتحال بعض خصوصيات الأنبياء كالعصمة والولاية بل تعدوا على ما يختص بالخالق فتصدى لهم العلماء الأعلام كأبن تيمية ومن جاء بعده فكان ذلك من مما زاد الطين بلة( ).
المبحث الثامن
تسويغ الاختلاف بين أهل الحق من المسلمين
قال تعالى:( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزلون مختلفين)( )
،. لقد كان شيخ الإسلام يدرك أن الاختلاف أمر طبيعي بل حتمي في هذه الكون، وهذه سنة إلهية ، حيث بيّن الله سبحانه وتعالي أن الناس في اختلاف ، وأنهم لا يزالون كذلك ، وأن الخلاف لا يعرف أحقيته أو بطلانه من كثرة الأعداد أو قلتها ، وأن الحق لا يرتبط بالأشخاص ولا بالدول ولا بالمؤسسات ، والحق أصيل وقديم ، وهو الغالب ، بالكلمة والحجة والبرهان ، وأن الحق لا يحتاج إلى أشخاص يجيدون الشتائم والسباب ، وأن الحق لا يريد إقصاء الآخر ، ولا إلغاء شخصه، ولا الانتقام منه ، بل الحوار معه ، في جو يكفل المساواة في الفرص والإمكانات ، وكما أن الحق ظاهر فإنه لا يزال في صراع ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
قال شيخ الاسلام ابن تيمة رحمه الله :(والنزاع في الاحكام قد يكون رحمة إذا لم يُفظ إلى شر عظيم من خفاء الحكم ولهذا صنف رجل كتاب سماه الاختلاف فقال أحمد: سمّه كتاب السعة وإن الحق في نفس الامر واحد وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه)( ) ،وقد وقع الخلاف في خير القرون وخيرالعهود عهد الرسول "صلى الله عليه وسلم "لكنه لم يوجب إفتراقاً،
قال الشاطبي: ( وغير ذلك مما إختلفوا فيه فلما حدثت الاهواء المردية التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم وظهرت العدوات وتحزب أهلها فصارو شيعاً دل على أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه)( ).
وقال ابن تيمية : ( وهذا التفرق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها ...وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا وإذا اجتمعوا أصلحوا وملكوا فان الجماعة رحمة والفرقة عذاب)( ) ، يقول أبن القيم رحمه الله: ( وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لابد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعداوته)( ) ،وقد أمر الله نبيه محمد "صلى الله عليه وسلم"بالمشاورة مع أصحابه في الامور الدنيوية لا التشريعية؛لأن التشريع بيد الله،قال تعالى: (وشاورهم في الامر)( ) ،فقد كان" صلى الله عليه وسلم "يستشير أصحابه ويستمع إلى آرائهم ويعتبررآيه في بعض الحالات تبعاً لرآي بعض أصحابه كما حصل في معركة بدر وحصل كذلك في نهاية المعركة لحسم مسألة الاسرى فكل صحابي أدلى برأيه فمنهم من أشار بقتلهم إعزازاً للدين وإظهاراً للقوة لانها أول معركة يخوضها المسلمين مع المشركين وممن قال بهذا الرآي هو عمر الفاروق "رضي الله عنه" ، وهناك من قال نفاديهم بالمال لان الدولة الفتية بحاجة إلى المال وقد أخذ الرسول "صلى الله عليه وسلم"برأي المُفاداة وقد جاء القرآن مؤيداً لرأي عمر "رضي الله عنه" خلافاً لرأي الرسول" صلى الله عليه وسلم"،
قال تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم)( ) ،وقد يقر النبي "صلى الله عليه وسلم" كلا المختلفين على رأيه الخاص بدون أن يبدي أي إعتراض أو ترجيح،
كما حصل في مسألة إختلاف الصحابة في صلاة العصر حينما أمرهم بصلاة العصر في بنى قريظة،فعن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي" صلى الله عليه وسلم": لنا لمارجع من الاحزاب لايصلين أحد العصر الا في بني قريظة،فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم:لانصلي حتى نأتيها،وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك،فذكر النبي "صلى الله عليه وسلم" فلم يعنف واحداً منهم( ).
ورد في فتح الباري بشرح صحيح البخاري،في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه وفيه أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب،قال السهلي (ولايستحيل أن يكون الشيء صواباً في حق إنسان وخطاً في حق غيره وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضاديين في حق شخص واحد)،وذكر ايضاً ( فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهاً من التأويل فهو مصيب انتهى والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد وخالف الجاحظ والعنبري وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور ايضاً: المصيب واحد وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره ونقل من الأشعري(إن كل مجتهد مصيب أن حكم الله تابع لظن المجتهد وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: (وهو مصيب باجتهاده وإن لم يصيب ما في نفس الأمر فهو مخطىء وله أجر واحد)،وذكر في شرح هذا الحديث ايضا( ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الاطلاق ليس بواضح وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد فيستفاد منه عدم تأثيمه حاصل ماوقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحاً للنهي الثاني على النهي الاول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب نظير ما وقع في تلك الايام بالخندق)
فقد تقدم حديث جابر المصرح بأنهم صلوا العصر بعدما غربت الشمس وذلك لشغلهم بأمر الحرب فجوزوا أن يكون ذلك عاماً في كل شغل يتعلق بأمر الحرب ولا سيما والزمان زمان التشريع والبعض الآخر حملوا النص على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والاسراع إلى بني قريظة وقداستدل به الجمهور على تأثيم من اجتهد لانه" صلى الله عليه وسلم" لم يعنف احداً من الطائفتين فلو كان هناك اثم لعنف من اثم)،انتهى ما ورد في شرح الباري أن عدم تعنيف الرسول" صلى الله عليه وسلم"لاي الفرقتين لهو دليل واضح بجواز الاختلاف( )،ولكن الذي له الحق بالاختلاف هو القادر على فهم النصوص فهماً شرعياً بمعنى أنه من لايستطيع أن يفهم النص فليس له الحق في أن يختلف مع من يستطيع أن يفهم النص بمعنى آخر من كان غير مجتهد فليس له الحق في أن يختلف مع المجتهد في فهم النصوص الشرعية ما دامت نصوص قابلة للإختلاف وكما ذكرنا من قبل أن الاختلاف سنة كونية في جميع الخلائق،قال تعالى:( الم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه إمنا يخشى الله من عباده العلماء)( ).
وجعل من آياته إختلاف الألوان والألسن (ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم)( ) ،وفاضل بين الانسان في القدرات فكلف كل إنسان بقدر ما يطيق ( لايُكلف الله نفساً إلا وسعها)( ) ، وخلقهم كذلك مختلفين في عقائدهم (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)( ) ،
ولكن يجب علينا أن نستثمر هذا الاختلاف بما ينفع المجتمع ففي مجال التشريع والفقه نلاحظ وجوداً أكثر من رأى سهل على الناس عبادتهم لله ويسر عليهم معاملاتهم فيما بينهم وفق ضوابط الآراء المختلفة ( فلو أجبرنا الناس على رأي واحد لشق عليهم ذلك وكما إن رفع الخلاف لا يثمر إلا توسيع لدائرة الاختلاف وهي محاولة تدل على سذاجة بينة ذلك إن الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية غير الاساسية ضرورة لا بد منها والذي أوجب هذه الضرورة طبيعة الدين وطبيعة اللغة وطبيعة البشر وطبيعة الكون والحياة.
وهذا فضلاً عن الاختلافات الأخرى التي قد يكون الاختلاف فيها ضرورياً لأنه يساعد على معرفة نقاط الضعف والقوة التي لا يمكن أن تعرف إلا في ظل الاختلاف،ومن هنا تظهر أهميته والحاجة اليه والتكيف معه بنحو من الايجابية والعقلنة)( ) ، ونحن اليوم بحاجة ماسة أكثر من أ ي وقت إلى تدريس أدب الخلاف في مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا وإشاعة ذلك في صفوف الشباب لرص الصف وتفويت الفرصة على الأعداء وليستوعب بعضنا البعض، فالساحة تسع الجميع ما دام الهدف واحد هو إظهار الحق ومادام الاختلاف ضمن الضوابط الشرعية،ان الكثير من لا يستوعب فكرة أن للحقيقة قد يكون لها أكثر من وجه فحيث تختلف لايعني هذا أن أحدنا على خطأ!!!! قد نكون جميعاً على صواب لكن كل منا يرى ما لايراه الآخر، ولنبتعد عن الدكتاتورية الفكرية والآحادية في الرأي كما كان فرعون يفعل( ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد)( ) .
َ
تثبيت المصادر والمراجع
• الاستقامة، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة - 1403، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. محمد رشاد سالم.
• الاعتصام، تأليف: أبو إسحاق الشاطبي، دار النشر: المكتبة التجارية الكبرى – مصر.
• الجامع الصحيح المختصر، تأليف: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، دار النشر: دار ابن كثير , اليمامة - بيروت - 1407 - 1987، الطبعة: الثالثة، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا.
• درء تعارض العقل والنقل، تأليف: تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1417هـ - 1997م. ، تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن.
• الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة المؤلف : ابو الفضل احمد بن علي بن محمد بن احمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ) المحقق : مراقبة / محمد عبد المعيد ضان الناشر : مجلس دارءة المعارف العثمانية – صيدر اباد / الهند الطبعة : الثانية ، 1392هـ / 1972م.
• الرد الوافر المؤلف : محمد بن عبد الله (ابي بكر) بن محمد ابن احمد بن مجاهد القيسي الدمشقي الشافعي ، شمس الدين ، الشهير بابن ناصر الدين (المتوفى : 842هـ) المحقق : زهير الشاويش الناشر : المتكب الاسلامي – بيروت الطبعة : الاولى ، 1393 .
• سنن ابن ماجه، تأليف: محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني، دار النشر: دار الفكر - بيروت - -، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
• سنن البيهقي الكبرى، تأليف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، دار النشر: مكتبة دار الباز - مكة المكرمة - 1414 - 1994، تحقيق: محمد عبد القادر عطا.
• السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، دار النشر: دار المعرفة .
• الشهادة الزكية في ثناء على ابن تيمية المؤلف : مرعي بن يوسف بن ابي بكر بن احمد الكرمي المقدسي الحنبلي (المتوفى : 1033هـ) المحقق ؛ نجم عبد الرحمن خلف الناشر : دار الفرقان ، مؤسسة الرسالة – بيروت الطبعة : الاولى ، 1404هـ .
• شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه ، عبد الرحمن الفرايوئي ، دار العاصمة الرياض ط1 ، 1416 ..
• صحيح مسلم، تأليف: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي .
• الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، تأليف: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، دار النشر: دار العاصمة - الرياض - 1418 - 1998، الطبعة: الثالثة، تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل الله.
• العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام احمد بن تيمية المؤلف : شمس الدين محمد بن عبد الهادي بن يوسف الدمشقي الحنبلي (المتوفى : 744هـ) المحقق : محمد حامد الفقي الناشر : دار الكاتب العربي – بيروت ..
• الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف: شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ، دار النشر: دار المعرفة - بيروت، تحقيق: قدم له حسنين محمد مخلوف.
• كتاب الصفدية ، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دار النشر: دار الفضيلة - الرياض - 1421 هـ - 2000م. ، تحقيق: محمد رشاد سالم.
• الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، تأليف: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، دار النشر: مكتبة الرشد - الرياض - 1409، الطبعة: الأولى، تحقيق: كمال يوسف الحوت.
• كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الثانية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي.
• مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار النشر: دار الكتاب العربي - بيروت - 1393 - 1973، الطبعة: الثانية، تحقيق: محمد حامد الفقي.
• مسند الإمام أحمد بن حنبل، تأليف: أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني، دار النشر: مؤسسة قرطبة – مصر.
• المصنف، تأليف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، دار النشر: المكتب الإسلامي - بيروت - 1403، الطبعة: الثانية، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
• منهاج السنة النبوية، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: مؤسسة قرطبة - 1406، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. محمد رشاد سالم.
• النبوات، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: المطبعة السلفية - القاهرة – 1386.
اثر الخلافات العقدية على وحدة الأمة
كما أسلفنا من قبل إن وحدة الأمة ضرورة ملحة أكدت عليها النصوص القرآنية والسنة النبوية المطهرة وبعد ابتعادنا عن ديننا وغربتنا تعرضت الأمة الإسلامية الى تناحرات ومعارك ساخنة الوطيس فقدنا فيها الغالي والنفيس من الرجال والأراضي فأصبحنا جماعات وطوائف ودويلات مشرذمة مختلفة وان من أهم أسباب ذلك هو إثارة الخلافات والبحث في المتشابه ولي أعناق النصوص من دون التشبع بأخلاقيات الخلاف بين نفر الأمة الواحدة وأمصارها المختلفة، خصوصا مع اتساع رقعة الخلافة الإسلامية وما انجر عنه من وافدين جدد على هذه الملة الحقة، وإن كانت هذه النزاعات تتمحور في جانبين مهمين وهما الفقه الأكبر أعني مسائل العقيدة، والفقه الأصغر بفروعه وأصوله أعني مباحث العبادات، إلا أن الجانب الأول كان له الأثر المدمر الملموس على أرض الواقع تاريخا، وساحات الوغى آثارا، حيث الغلبة فيها لصالح الطائفية العمياء والهمجية بضوضائها الهوجاء بسببها طفت إلى السطح تلك الخلافات العقدية الحادة وما انجر عنها من تبييض وتفريخ لجماعات تختلف كل واحدة عن الأخرى على حسب قناعتها وإديولوجيتها، ومع غياب عامل لغة الحوار حلت لهجة الدمار لتقع الأمة في مستنقع الإقتتال الداخلي والصراع المستميت، حول التمكين للأسلوب والمنهج التي تسلكه هذه الجماعة، محاولة محو الأخرى من على أرض الوجود، عوض أن توجه تلك الطاقات الهائلة لتعمير الخلافة وتشييد المجد الضائع، والأمة بين هاته وتلك على مرأى من أعين العدو، يتحين الفرصة حين تتأجج الصراعات بين الإخوة الأعداء فيهنوا ويستكينوا، لينقض عليهم بدوره تماما كالأولاد السيئين الذين ينتظرون بفارغ الصبر، موت والدهم المريض ليرثوا أمواله، فوآ أسفاه.
..
وهناك جهات معادية للإسلام والمسلمين خارجية تعمل على تأجيج هذه الصراعات والخلافات الفكرية لتفريق الأمة وتعطيلها عن ممارسة دورها في استعادة مكانتها ونشر تعاليم الإسلام .
وعلى مر العصور يمكن لنا أن نحصر المسائل التي كانت مثار للخلاف .
1- مسائل الأسماء والصفات من المسائل المتشابهة التي تم البحث فيها والاختلاف حولها . . فنما في كنفها التناحر وتبادل التهم .
فمن المعطلة إلى المجسمة إلى المؤولة . وتطور الأمر إلى الاقتتال وتعرض العلماء الأعلام في تلك الفترة إلى محن كبيرة محنة الإمام احمد رحمه الله في مسألة خلق القرآن ومخالفة لرأي المعتزلة الذي أغروا به الحكام إلى سجنه وتعذيبه .
2- توحيد الإلوهية من المباحث الكبيرة التي انتشرت في تلك الفترة حتى وصلت إلى حد الولوج إلى عالم الشرك من قبل أهل البدع الخرافات ووقف لها الإمام ابن تيمية موقف حازم وتعرض ما تعرض له من قبل الإمام احمد .
3- قضية الإيمان والتكفير :
وهي من القضايا الخطيرة التي كانت على مر التاريخ قاصمة لظهر الأمة لأنها تتعلق باخراج المسلمين من دينهم بأثر المعاصي من خلال لي أعناق النصوص واقتطاعها ومن ثم الحكم عليهم بالموت . فادت إلى مقتل خلفاء رسول الله سيدنا عمر الفاروق وعثمان ابن عفان وعي ابن ابي طالب والآف المسلمين ولو دقننا النظر جيدا لوجدنا إن اليهود والفرس على مر التاريخ هم وراء دعم وترويع فتنة التكفير والإقصاء في الأمة وكرد فعل للخوارج ظهرت المرجئة .
4- إشكالية العصمة والولاية :
حيث تحول تعلق البعض بآل البيت والصالحين إلى انتحال بعض خصوصيات الأنبياء كالعصمة والولاية بل تعدوا على ما يختص بالخالق فتصدى لهم العلماء الأعلام كأبن تيمية ومن جاء بعده فكان ذلك من مما زاد الطين بلة( ).
المبحث الثامن
تسويغ الاختلاف بين أهل الحق من المسلمين
قال تعالى:( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزلون مختلفين)( )
،. لقد كان شيخ الإسلام يدرك أن الاختلاف أمر طبيعي بل حتمي في هذه الكون، وهذه سنة إلهية ، حيث بيّن الله سبحانه وتعالي أن الناس في اختلاف ، وأنهم لا يزالون كذلك ، وأن الخلاف لا يعرف أحقيته أو بطلانه من كثرة الأعداد أو قلتها ، وأن الحق لا يرتبط بالأشخاص ولا بالدول ولا بالمؤسسات ، والحق أصيل وقديم ، وهو الغالب ، بالكلمة والحجة والبرهان ، وأن الحق لا يحتاج إلى أشخاص يجيدون الشتائم والسباب ، وأن الحق لا يريد إقصاء الآخر ، ولا إلغاء شخصه، ولا الانتقام منه ، بل الحوار معه ، في جو يكفل المساواة في الفرص والإمكانات ، وكما أن الحق ظاهر فإنه لا يزال في صراع ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
قال شيخ الاسلام ابن تيمة رحمه الله :(والنزاع في الاحكام قد يكون رحمة إذا لم يُفظ إلى شر عظيم من خفاء الحكم ولهذا صنف رجل كتاب سماه الاختلاف فقال أحمد: سمّه كتاب السعة وإن الحق في نفس الامر واحد وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه)( ) ،وقد وقع الخلاف في خير القرون وخيرالعهود عهد الرسول "صلى الله عليه وسلم "لكنه لم يوجب إفتراقاً،
قال الشاطبي: ( وغير ذلك مما إختلفوا فيه فلما حدثت الاهواء المردية التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم وظهرت العدوات وتحزب أهلها فصارو شيعاً دل على أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه)( ).
وقال ابن تيمية : ( وهذا التفرق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها ...وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا وإذا اجتمعوا أصلحوا وملكوا فان الجماعة رحمة والفرقة عذاب)( ) ، يقول أبن القيم رحمه الله: ( وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لابد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعداوته)( ) ،وقد أمر الله نبيه محمد "صلى الله عليه وسلم"بالمشاورة مع أصحابه في الامور الدنيوية لا التشريعية؛لأن التشريع بيد الله،قال تعالى: (وشاورهم في الامر)( ) ،فقد كان" صلى الله عليه وسلم "يستشير أصحابه ويستمع إلى آرائهم ويعتبررآيه في بعض الحالات تبعاً لرآي بعض أصحابه كما حصل في معركة بدر وحصل كذلك في نهاية المعركة لحسم مسألة الاسرى فكل صحابي أدلى برأيه فمنهم من أشار بقتلهم إعزازاً للدين وإظهاراً للقوة لانها أول معركة يخوضها المسلمين مع المشركين وممن قال بهذا الرآي هو عمر الفاروق "رضي الله عنه" ، وهناك من قال نفاديهم بالمال لان الدولة الفتية بحاجة إلى المال وقد أخذ الرسول "صلى الله عليه وسلم"برأي المُفاداة وقد جاء القرآن مؤيداً لرأي عمر "رضي الله عنه" خلافاً لرأي الرسول" صلى الله عليه وسلم"،
قال تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم)( ) ،وقد يقر النبي "صلى الله عليه وسلم" كلا المختلفين على رأيه الخاص بدون أن يبدي أي إعتراض أو ترجيح،
كما حصل في مسألة إختلاف الصحابة في صلاة العصر حينما أمرهم بصلاة العصر في بنى قريظة،فعن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي" صلى الله عليه وسلم": لنا لمارجع من الاحزاب لايصلين أحد العصر الا في بني قريظة،فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم:لانصلي حتى نأتيها،وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك،فذكر النبي "صلى الله عليه وسلم" فلم يعنف واحداً منهم( ).
ورد في فتح الباري بشرح صحيح البخاري،في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه وفيه أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب،قال السهلي (ولايستحيل أن يكون الشيء صواباً في حق إنسان وخطاً في حق غيره وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضاديين في حق شخص واحد)،وذكر ايضاً ( فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهاً من التأويل فهو مصيب انتهى والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد وخالف الجاحظ والعنبري وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور ايضاً: المصيب واحد وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره ونقل من الأشعري(إن كل مجتهد مصيب أن حكم الله تابع لظن المجتهد وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: (وهو مصيب باجتهاده وإن لم يصيب ما في نفس الأمر فهو مخطىء وله أجر واحد)،وذكر في شرح هذا الحديث ايضا( ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الاطلاق ليس بواضح وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد فيستفاد منه عدم تأثيمه حاصل ماوقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحاً للنهي الثاني على النهي الاول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب نظير ما وقع في تلك الايام بالخندق)
فقد تقدم حديث جابر المصرح بأنهم صلوا العصر بعدما غربت الشمس وذلك لشغلهم بأمر الحرب فجوزوا أن يكون ذلك عاماً في كل شغل يتعلق بأمر الحرب ولا سيما والزمان زمان التشريع والبعض الآخر حملوا النص على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والاسراع إلى بني قريظة وقداستدل به الجمهور على تأثيم من اجتهد لانه" صلى الله عليه وسلم" لم يعنف احداً من الطائفتين فلو كان هناك اثم لعنف من اثم)،انتهى ما ورد في شرح الباري أن عدم تعنيف الرسول" صلى الله عليه وسلم"لاي الفرقتين لهو دليل واضح بجواز الاختلاف( )،ولكن الذي له الحق بالاختلاف هو القادر على فهم النصوص فهماً شرعياً بمعنى أنه من لايستطيع أن يفهم النص فليس له الحق في أن يختلف مع من يستطيع أن يفهم النص بمعنى آخر من كان غير مجتهد فليس له الحق في أن يختلف مع المجتهد في فهم النصوص الشرعية ما دامت نصوص قابلة للإختلاف وكما ذكرنا من قبل أن الاختلاف سنة كونية في جميع الخلائق،قال تعالى:( الم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه إمنا يخشى الله من عباده العلماء)( ).
وجعل من آياته إختلاف الألوان والألسن (ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم)( ) ،وفاضل بين الانسان في القدرات فكلف كل إنسان بقدر ما يطيق ( لايُكلف الله نفساً إلا وسعها)( ) ، وخلقهم كذلك مختلفين في عقائدهم (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)( ) ،
ولكن يجب علينا أن نستثمر هذا الاختلاف بما ينفع المجتمع ففي مجال التشريع والفقه نلاحظ وجوداً أكثر من رأى سهل على الناس عبادتهم لله ويسر عليهم معاملاتهم فيما بينهم وفق ضوابط الآراء المختلفة ( فلو أجبرنا الناس على رأي واحد لشق عليهم ذلك وكما إن رفع الخلاف لا يثمر إلا توسيع لدائرة الاختلاف وهي محاولة تدل على سذاجة بينة ذلك إن الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية غير الاساسية ضرورة لا بد منها والذي أوجب هذه الضرورة طبيعة الدين وطبيعة اللغة وطبيعة البشر وطبيعة الكون والحياة.
وهذا فضلاً عن الاختلافات الأخرى التي قد يكون الاختلاف فيها ضرورياً لأنه يساعد على معرفة نقاط الضعف والقوة التي لا يمكن أن تعرف إلا في ظل الاختلاف،ومن هنا تظهر أهميته والحاجة اليه والتكيف معه بنحو من الايجابية والعقلنة)( ) ، ونحن اليوم بحاجة ماسة أكثر من أ ي وقت إلى تدريس أدب الخلاف في مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا وإشاعة ذلك في صفوف الشباب لرص الصف وتفويت الفرصة على الأعداء وليستوعب بعضنا البعض، فالساحة تسع الجميع ما دام الهدف واحد هو إظهار الحق ومادام الاختلاف ضمن الضوابط الشرعية،ان الكثير من لا يستوعب فكرة أن للحقيقة قد يكون لها أكثر من وجه فحيث تختلف لايعني هذا أن أحدنا على خطأ!!!! قد نكون جميعاً على صواب لكن كل منا يرى ما لايراه الآخر، ولنبتعد عن الدكتاتورية الفكرية والآحادية في الرأي كما كان فرعون يفعل( ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد)( ) .
َ
تثبيت المصادر والمراجع
• الاستقامة، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة - 1403، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. محمد رشاد سالم.
• الاعتصام، تأليف: أبو إسحاق الشاطبي، دار النشر: المكتبة التجارية الكبرى – مصر.
• الجامع الصحيح المختصر، تأليف: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، دار النشر: دار ابن كثير , اليمامة - بيروت - 1407 - 1987، الطبعة: الثالثة، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا.
• درء تعارض العقل والنقل، تأليف: تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1417هـ - 1997م. ، تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن.
• الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة المؤلف : ابو الفضل احمد بن علي بن محمد بن احمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ) المحقق : مراقبة / محمد عبد المعيد ضان الناشر : مجلس دارءة المعارف العثمانية – صيدر اباد / الهند الطبعة : الثانية ، 1392هـ / 1972م.
• الرد الوافر المؤلف : محمد بن عبد الله (ابي بكر) بن محمد ابن احمد بن مجاهد القيسي الدمشقي الشافعي ، شمس الدين ، الشهير بابن ناصر الدين (المتوفى : 842هـ) المحقق : زهير الشاويش الناشر : المتكب الاسلامي – بيروت الطبعة : الاولى ، 1393 .
• سنن ابن ماجه، تأليف: محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني، دار النشر: دار الفكر - بيروت - -، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
• سنن البيهقي الكبرى، تأليف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، دار النشر: مكتبة دار الباز - مكة المكرمة - 1414 - 1994، تحقيق: محمد عبد القادر عطا.
• السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، دار النشر: دار المعرفة .
• الشهادة الزكية في ثناء على ابن تيمية المؤلف : مرعي بن يوسف بن ابي بكر بن احمد الكرمي المقدسي الحنبلي (المتوفى : 1033هـ) المحقق ؛ نجم عبد الرحمن خلف الناشر : دار الفرقان ، مؤسسة الرسالة – بيروت الطبعة : الاولى ، 1404هـ .
• شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه ، عبد الرحمن الفرايوئي ، دار العاصمة الرياض ط1 ، 1416 ..
• صحيح مسلم، تأليف: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي .
• الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، تأليف: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، دار النشر: دار العاصمة - الرياض - 1418 - 1998، الطبعة: الثالثة، تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل الله.
• العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام احمد بن تيمية المؤلف : شمس الدين محمد بن عبد الهادي بن يوسف الدمشقي الحنبلي (المتوفى : 744هـ) المحقق : محمد حامد الفقي الناشر : دار الكاتب العربي – بيروت ..
• الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف: شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ، دار النشر: دار المعرفة - بيروت، تحقيق: قدم له حسنين محمد مخلوف.
• كتاب الصفدية ، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دار النشر: دار الفضيلة - الرياض - 1421 هـ - 2000م. ، تحقيق: محمد رشاد سالم.
• الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، تأليف: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، دار النشر: مكتبة الرشد - الرياض - 1409، الطبعة: الأولى، تحقيق: كمال يوسف الحوت.
• كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الثانية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي.
• مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار النشر: دار الكتاب العربي - بيروت - 1393 - 1973، الطبعة: الثانية، تحقيق: محمد حامد الفقي.
• مسند الإمام أحمد بن حنبل، تأليف: أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني، دار النشر: مؤسسة قرطبة – مصر.
• المصنف، تأليف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، دار النشر: المكتب الإسلامي - بيروت - 1403، الطبعة: الثانية، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
• منهاج السنة النبوية، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: مؤسسة قرطبة - 1406، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. محمد رشاد سالم.
• النبوات، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: المطبعة السلفية - القاهرة – 1386.
وجوب الوحدة بين المسلمين ونبذ التفرقة عند ابن تيمية.
المبحث السادس:
وجوب الوحدة بين المسلمين ونبذ التفرقة.
إن من أعظم غايات الشريعة إجتماع الكلمة وألفة القلوب بين المسلمين؛لأنه بإجتماع الكلمة وألفة القلوب تتحقق مصالح الدين والدنيا ويتحقق التناصر والتعاون والتعاضد،فإن الله تعالى قال : ( وإعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)( ) ،وقال تعالى : ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)( ) ،وفي آية أخرى ( وأنا ربكم فاتقون)( ) ،وقال تعالى: ( إن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)،وقال "صلى الله عليه وسلم ": ( مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)( ) ،وقال "صلى الله عليه وسلم": ( أنا أمركم بخمس الله أمرني بهن بالجماعة بالسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الأسلام من عتقة الى أن يرجع)( ).
وقد شرع لنا ديننا الحنيف كل ما يقوي عوامل الألفة والأتحاد ويزيل عوامل البغضاء والكراهة والاختلاف فنهى عن الهجران لأنه سبب الكراهة والبغضاء والبعد والحقد والتناحر والتدابر والتنازع والتفرق،قال "صلى الله عليه وسلم" ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)( ) ، ولما كان الاختلاف مفسداًللدين والدنيا فقد إعتبرها الاسلام إنفصالاً عنه وكفراً،قال تعالى: ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)."( ) "
إن الفرقة شُطط كبير وجرم عظيم يبدد القوى ويمزق المجتمع عاقبته وخيمة في الدنيا وخسارة في الأخرة ومآله شر مال ويجر الى أسوأ الأحوال، وحذر المسلمين من الخلاف في الدين والتفرق في فهمه شيعاً متناحرة وأحزاباً متلاعنة كما فعل الأولون،قال تعالى: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا وإختلفوا من بعد ما جاءهم البينات أولائك لهم عذاب عظيم)( ) ،( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون)( ).
وإن الشقاق يضعف الأمم ويوهن المجتمعات القوية ويميت الأمم ولذلك جعل الله أول عظة للمسلمين بعد إنتصارهم في معركة بدر أن يوحدوا صفوفهم ويلموا شملهم ويجمعوا أمرهم،وذلك عندما تطلعت بعض النفوس لحظها من الغنائم، قال تعالى (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)( ) ،أفهمهم الله أن الأتحاد في العمل لله هو طريق النصر الأكبر وإتجاه الهدف وتوحيد الكلمة كما أن الفرقة والتنازع طريق الهزيمة والخسران،فقال تعالى: ( واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)( ) ،فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه وحين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفعال والأفكار،فاذا إستسلموا لله ورسوله إنتفى أهم سبب للنزاع ومن أعظم ما نهى عنه الأسلام الخوض بالباطل في الأحداث والفتن لأنها سبب مهم لتفرق وحدة المسلمين،قال"صلى الله عليه وسلم": ( إياكم والفتن فإن اللسان فيها كوقع السيف)( ) ، وقال"صلى الله عليه وسلم": ( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، أو قال( تختلف وجوهكم)( ) ؟،وقال عبدالله بن مسعود" رضي الله عنه" (الخلاف كله شر)( ) ،وقال الحسن بن علي: ( يا أيها الناس إن الذي تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة)( ) ،هذه المعاني الجميلة واجبة في كل وقت على المسلم ولكنها متأكدة الوجوب في أوقات الشدائد والأزمات والفتن حفاظاً على حوزة المسلمين وحراسة للملة والدين لأن إجتماع الكلمة قوة المسلمين وإختلاف الكلمة ضعف لهم.
وخير سبيل للخلاص من الخلاف هو الأحتكام الى كتاب الله وسنة الرسول"صلى الله عليه وسلم"، قال تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما بينهم ثم لا يجدو في أنفسهم جرماً مما قضيت ويسلموا تسليما)( ) ،( فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا)( ) ،وكذلك من سبل الأبتعاد عن الخلاف هو الأبتعاد عن البدع،روى البيهقي في سننه عن أبي بكر الصديق"رضي الله عنه" في أحد خطبه قال:-
( أنه لايحل أن يكون للمسلمين أميران فإنه مهما يكن ذلك يختلف أمرهم وأحكامُهُم وتتفرق جماعتهم ويتنازعوا فيما بينهم هنالك تترك السنة وتظهر البدعة وتعظم الفتنة وليس لأحد على ذلك صلاح)( ) ،وعن جابر قال:- قال" صلى الله عليه وسلم" ( شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة)( ).
وبهذا أجمع العلماء على أن الجماعة والالفة أصل من أصول الدين يضحى في سبيله بالفروع، قال ابن تيمة رحمه الله: (الاعتصام بالجماعة والالفة أصل من اصول الدين والفرع المتنازع من الفروع الخفية فكيف يقدم في الاصل بحفظ)( ) ،وإن الوحدة من أوجب الأولويات في هذه المرحلة الراهنة التي تمر بها أمتنا من التفرق والتشرذم و ان الفرقة والخلاف كانت السبب الرئيسي في حل عقدة الاسلام المتماسكة وقد كانت سبباً في تفرقة الحركات الاسلامية على وجه الخصوص،فبالوحدة يعز الاسلام والمسلمون،وإذا كانت الوحدة بين المسلمين مطلباً شرعياً وواجب فلا شك أنها بين الذين يتصدون للدعوة والجهاد أشد مطلباً وأوجب.
فينبغي تأليف القلوب بين الحركات الاسلامية وتعاونها على البر والتقوى والابتعاد عن التعصب للاشخاص والاحزاب.
نماذج من اقوال ابن تيمية في حرصه على وحدة المسلمين وجمع كلمتهم
ومن الميز والخصائص المهمة في ابن تيمية تغليبه للمصلحة العامة المتمثلة في وحدة الصف الإسلامي ، وجمع الكلمة، ورأب الصدع، ونبذ الاختلاف، وهذه الميزة مبثوثة في أقواله ومشهود لها من أفعاله وسيرته، و كان -رحمه الله- حريصاً على تقارب المسلمين، ليس بالعبارات الخاوية، ولا بالمؤتمرات الشكلية، بل بمنهج عملي أصيل، كان له دور كبير في توحيد الصف الإسلامي في وجه المخاطر التي تحدق بهم.
فقد أرسل ابن تيمية رسالة إلى إخوانه وأصحابه بدمشق، يحثهم فيها على الوحدة الإسلامية، ويدعوهم إلى اجتماع الكلمة، وإصلاح ذات البين. ومما قاله فيها:
(وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين، فان الله تعالى يقول: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ويقول: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويقول: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة)( ).
وقال ابن تيمية مبيناً تجربته الشخصية والعملية: (والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفاً لقلوب المسلمين وطلباً لاتفاق كلمتهم واتباعاً لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله و أزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة، وبينت لهم أن الأشعرى كان من أَجَلِّ المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد -رحمه الله- ونحوه المنتصرين لطريقه كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه.. وفرح المسلمون باتفاق الكلمة وأظهرتُ ما ذكره ابن عساكر في مناقبه، أنه لم تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إلى زمن القشيرى، فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة)( ).
وبيَّن لأصحابه وتلاميذه منهجه الذي يسير عليه تجاه المسلمين، والذي لا يحيد عنه، هو تقديم مصلحة المسلمين، وإحسان الظن بهم، حيث قال: (وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها –أي فتنة خصومه- وفي غيرها، وإقامة كل خير)( ).
وفي ذمه للتفرقة يقول ابن تيمية : " التفرق و الاختلاف المخالف للاجتماع و الائتلاف حتى يصير بعضهم يبغض بعضا و يعاديه و يحب بعضا و يواليه على غير ذات الله و حتى يفضي الأمر يبعضهم إلى الطعن و اللعن و الهمز و اللمز و يبعضهم إلى الاقتتال بالأيدي و السلاح و يبعضهم إلى المهاجرة و المقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض ، و هذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله و رسوله "
الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية فكيف يقدح في الأصل بحفظ الفرع "( ).
(( وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل الله جميعا وأن لا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم ومما عظمت به وصية النبي في مواطن عامة وخاصة مثل قوله عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة وقوله فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد وقوله من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ........ وقوله من جاءكم وامركم على رجل واحد منكم يريد أن يفرق جماعتكم فإضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان وقوله يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم وقوله ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة منها واحدة ناجية وإثنتان وسبعون فى الناروقيل ومن الفرقة الناجية قال هى الجماعة يد الله على الجماعة ))( ) .
قال ابن تيميه : " جعل الله عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض, وجعلهم إخوة , وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين وأمرهم سبحانه بالإئتلاف و نهاهم عن الإفتراق والاختلاف, فكيف يجوز مع هذه لأمة محمد أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادى طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى ( )" . فإن الاختلاف في الرأي لا يمكن أن يكون مؤدياً إلى فتنة ، أو مورثاً لفرقة إلا إذا صاحبة بغي أو هوى كما قال تعالى:﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾( قال: ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾( ).
قال ابن تيمية: " وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار ، وهو بغضٌ مأمور به ، فإن كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه ، فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس فهو أحق أن لا يظلم( ) "
وقد أشار ابن تيمية (رحمه الله) الى أن الطوائف المنتسبة للإسلام الذين يوجبون الإسلام ويحرمون ما وراءه هم باتفاق المسلمين خير من الفلاسفة الذين يسوغون التدين بأي دين كان ولذلك يقول: (فمن جعل الفيلسوف الذي يبيح دين المشركين واليهود والنصارى خير من الثنتين والسبعين فرقة فليس بمسلم )( ) .
ومن اقواله بوجوب طاعة ولي الامر حفاضا على وحدة المسلمين
قال ابن تيميه ( ولان الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه الله تعالى من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا روي : إن السلطان ظل الله في الأرض .ويقال: ستون سنة من أمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان )( ). وقال : ( لاإسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة) لذلك يقول عمر بن الخطاب ( إن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها)( ) .
- وذكرمن صفات أهل التفرق والاختلاف:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : «من والى موافقه وعادى خالفه وفرق بين جماعة المسلمين وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات ؛ واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات»( )
- لا قومية و لا عصبية في الإسلام:
قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وكلُّ ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد، أو جنس أو مذهب، أو طريقة: فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» وغضب لذلك غضبًا شديدًا»( )
وفي اللحظات الأخيرة من حياته –رحمه الله- مرض أياماً في محبسه الأخير في القلعة، فعلم بمرضه أحد وجهاء الدولة وهو شمس الدين الوزير، فجاءه يستأذنه في الدخول عليه لعيادته، فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده أخذ الوزير يعتذر له عن نفسه، ويلتمس منه أن يحلّه مما عساه أن يكون قد وقع منه في حق الشيخ من تقصير أو غيره.
فأجابه ابن تيمية بقوله: إني قد أحللتُك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق.
وقال له أيضاً: إني قد أحللت السلطان الناصر ابن قلاوون من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلداً غيره معذوراً، ولم يفعله لحظّ نفسه، بل لما بلغهُ مما ظنه حقاً من مُبلِّغه، والله يعلم أنه بخلافه. ثم قال: قد أحللتُ كلَّ واحدٍ مما كان بيني وبينه( ).
ولم يبق ابن تيمية طويلاً بعد ذلك، حيث وافته الـمنَّية وهو في السجن، مظلوماً من قبل أعدائه، وهو صابر محتسب أجره عند الله، مات وليس في قلبه ذرة كراهية تجاه أي مسلم، مات بعد أن سامح الجميع، مات وهو راضٍ عن نفسه التي طالما تخلت عن حظوظها الذاتية في سبيل الأمة المسلمة.
وجوب الوحدة بين المسلمين ونبذ التفرقة.
إن من أعظم غايات الشريعة إجتماع الكلمة وألفة القلوب بين المسلمين؛لأنه بإجتماع الكلمة وألفة القلوب تتحقق مصالح الدين والدنيا ويتحقق التناصر والتعاون والتعاضد،فإن الله تعالى قال : ( وإعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)( ) ،وقال تعالى : ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)( ) ،وفي آية أخرى ( وأنا ربكم فاتقون)( ) ،وقال تعالى: ( إن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)،وقال "صلى الله عليه وسلم ": ( مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)( ) ،وقال "صلى الله عليه وسلم": ( أنا أمركم بخمس الله أمرني بهن بالجماعة بالسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الأسلام من عتقة الى أن يرجع)( ).
وقد شرع لنا ديننا الحنيف كل ما يقوي عوامل الألفة والأتحاد ويزيل عوامل البغضاء والكراهة والاختلاف فنهى عن الهجران لأنه سبب الكراهة والبغضاء والبعد والحقد والتناحر والتدابر والتنازع والتفرق،قال "صلى الله عليه وسلم" ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)( ) ، ولما كان الاختلاف مفسداًللدين والدنيا فقد إعتبرها الاسلام إنفصالاً عنه وكفراً،قال تعالى: ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)."( ) "
إن الفرقة شُطط كبير وجرم عظيم يبدد القوى ويمزق المجتمع عاقبته وخيمة في الدنيا وخسارة في الأخرة ومآله شر مال ويجر الى أسوأ الأحوال، وحذر المسلمين من الخلاف في الدين والتفرق في فهمه شيعاً متناحرة وأحزاباً متلاعنة كما فعل الأولون،قال تعالى: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا وإختلفوا من بعد ما جاءهم البينات أولائك لهم عذاب عظيم)( ) ،( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون)( ).
وإن الشقاق يضعف الأمم ويوهن المجتمعات القوية ويميت الأمم ولذلك جعل الله أول عظة للمسلمين بعد إنتصارهم في معركة بدر أن يوحدوا صفوفهم ويلموا شملهم ويجمعوا أمرهم،وذلك عندما تطلعت بعض النفوس لحظها من الغنائم، قال تعالى (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)( ) ،أفهمهم الله أن الأتحاد في العمل لله هو طريق النصر الأكبر وإتجاه الهدف وتوحيد الكلمة كما أن الفرقة والتنازع طريق الهزيمة والخسران،فقال تعالى: ( واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)( ) ،فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه وحين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفعال والأفكار،فاذا إستسلموا لله ورسوله إنتفى أهم سبب للنزاع ومن أعظم ما نهى عنه الأسلام الخوض بالباطل في الأحداث والفتن لأنها سبب مهم لتفرق وحدة المسلمين،قال"صلى الله عليه وسلم": ( إياكم والفتن فإن اللسان فيها كوقع السيف)( ) ، وقال"صلى الله عليه وسلم": ( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، أو قال( تختلف وجوهكم)( ) ؟،وقال عبدالله بن مسعود" رضي الله عنه" (الخلاف كله شر)( ) ،وقال الحسن بن علي: ( يا أيها الناس إن الذي تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة)( ) ،هذه المعاني الجميلة واجبة في كل وقت على المسلم ولكنها متأكدة الوجوب في أوقات الشدائد والأزمات والفتن حفاظاً على حوزة المسلمين وحراسة للملة والدين لأن إجتماع الكلمة قوة المسلمين وإختلاف الكلمة ضعف لهم.
وخير سبيل للخلاص من الخلاف هو الأحتكام الى كتاب الله وسنة الرسول"صلى الله عليه وسلم"، قال تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما بينهم ثم لا يجدو في أنفسهم جرماً مما قضيت ويسلموا تسليما)( ) ،( فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا)( ) ،وكذلك من سبل الأبتعاد عن الخلاف هو الأبتعاد عن البدع،روى البيهقي في سننه عن أبي بكر الصديق"رضي الله عنه" في أحد خطبه قال:-
( أنه لايحل أن يكون للمسلمين أميران فإنه مهما يكن ذلك يختلف أمرهم وأحكامُهُم وتتفرق جماعتهم ويتنازعوا فيما بينهم هنالك تترك السنة وتظهر البدعة وتعظم الفتنة وليس لأحد على ذلك صلاح)( ) ،وعن جابر قال:- قال" صلى الله عليه وسلم" ( شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة)( ).
وبهذا أجمع العلماء على أن الجماعة والالفة أصل من أصول الدين يضحى في سبيله بالفروع، قال ابن تيمة رحمه الله: (الاعتصام بالجماعة والالفة أصل من اصول الدين والفرع المتنازع من الفروع الخفية فكيف يقدم في الاصل بحفظ)( ) ،وإن الوحدة من أوجب الأولويات في هذه المرحلة الراهنة التي تمر بها أمتنا من التفرق والتشرذم و ان الفرقة والخلاف كانت السبب الرئيسي في حل عقدة الاسلام المتماسكة وقد كانت سبباً في تفرقة الحركات الاسلامية على وجه الخصوص،فبالوحدة يعز الاسلام والمسلمون،وإذا كانت الوحدة بين المسلمين مطلباً شرعياً وواجب فلا شك أنها بين الذين يتصدون للدعوة والجهاد أشد مطلباً وأوجب.
فينبغي تأليف القلوب بين الحركات الاسلامية وتعاونها على البر والتقوى والابتعاد عن التعصب للاشخاص والاحزاب.
نماذج من اقوال ابن تيمية في حرصه على وحدة المسلمين وجمع كلمتهم
ومن الميز والخصائص المهمة في ابن تيمية تغليبه للمصلحة العامة المتمثلة في وحدة الصف الإسلامي ، وجمع الكلمة، ورأب الصدع، ونبذ الاختلاف، وهذه الميزة مبثوثة في أقواله ومشهود لها من أفعاله وسيرته، و كان -رحمه الله- حريصاً على تقارب المسلمين، ليس بالعبارات الخاوية، ولا بالمؤتمرات الشكلية، بل بمنهج عملي أصيل، كان له دور كبير في توحيد الصف الإسلامي في وجه المخاطر التي تحدق بهم.
فقد أرسل ابن تيمية رسالة إلى إخوانه وأصحابه بدمشق، يحثهم فيها على الوحدة الإسلامية، ويدعوهم إلى اجتماع الكلمة، وإصلاح ذات البين. ومما قاله فيها:
(وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين، فان الله تعالى يقول: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ويقول: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويقول: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة)( ).
وقال ابن تيمية مبيناً تجربته الشخصية والعملية: (والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفاً لقلوب المسلمين وطلباً لاتفاق كلمتهم واتباعاً لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله و أزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة، وبينت لهم أن الأشعرى كان من أَجَلِّ المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد -رحمه الله- ونحوه المنتصرين لطريقه كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه.. وفرح المسلمون باتفاق الكلمة وأظهرتُ ما ذكره ابن عساكر في مناقبه، أنه لم تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إلى زمن القشيرى، فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة)( ).
وبيَّن لأصحابه وتلاميذه منهجه الذي يسير عليه تجاه المسلمين، والذي لا يحيد عنه، هو تقديم مصلحة المسلمين، وإحسان الظن بهم، حيث قال: (وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها –أي فتنة خصومه- وفي غيرها، وإقامة كل خير)( ).
وفي ذمه للتفرقة يقول ابن تيمية : " التفرق و الاختلاف المخالف للاجتماع و الائتلاف حتى يصير بعضهم يبغض بعضا و يعاديه و يحب بعضا و يواليه على غير ذات الله و حتى يفضي الأمر يبعضهم إلى الطعن و اللعن و الهمز و اللمز و يبعضهم إلى الاقتتال بالأيدي و السلاح و يبعضهم إلى المهاجرة و المقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض ، و هذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله و رسوله "
الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية فكيف يقدح في الأصل بحفظ الفرع "( ).
(( وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل الله جميعا وأن لا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم ومما عظمت به وصية النبي في مواطن عامة وخاصة مثل قوله عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة وقوله فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد وقوله من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ........ وقوله من جاءكم وامركم على رجل واحد منكم يريد أن يفرق جماعتكم فإضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان وقوله يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم وقوله ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة منها واحدة ناجية وإثنتان وسبعون فى الناروقيل ومن الفرقة الناجية قال هى الجماعة يد الله على الجماعة ))( ) .
قال ابن تيميه : " جعل الله عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض, وجعلهم إخوة , وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين وأمرهم سبحانه بالإئتلاف و نهاهم عن الإفتراق والاختلاف, فكيف يجوز مع هذه لأمة محمد أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادى طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى ( )" . فإن الاختلاف في الرأي لا يمكن أن يكون مؤدياً إلى فتنة ، أو مورثاً لفرقة إلا إذا صاحبة بغي أو هوى كما قال تعالى:﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾( قال: ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾( ).
قال ابن تيمية: " وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار ، وهو بغضٌ مأمور به ، فإن كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه ، فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس فهو أحق أن لا يظلم( ) "
وقد أشار ابن تيمية (رحمه الله) الى أن الطوائف المنتسبة للإسلام الذين يوجبون الإسلام ويحرمون ما وراءه هم باتفاق المسلمين خير من الفلاسفة الذين يسوغون التدين بأي دين كان ولذلك يقول: (فمن جعل الفيلسوف الذي يبيح دين المشركين واليهود والنصارى خير من الثنتين والسبعين فرقة فليس بمسلم )( ) .
ومن اقواله بوجوب طاعة ولي الامر حفاضا على وحدة المسلمين
قال ابن تيميه ( ولان الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه الله تعالى من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا روي : إن السلطان ظل الله في الأرض .ويقال: ستون سنة من أمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان )( ). وقال : ( لاإسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة) لذلك يقول عمر بن الخطاب ( إن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها)( ) .
- وذكرمن صفات أهل التفرق والاختلاف:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : «من والى موافقه وعادى خالفه وفرق بين جماعة المسلمين وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات ؛ واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات»( )
- لا قومية و لا عصبية في الإسلام:
قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وكلُّ ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد، أو جنس أو مذهب، أو طريقة: فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» وغضب لذلك غضبًا شديدًا»( )
وفي اللحظات الأخيرة من حياته –رحمه الله- مرض أياماً في محبسه الأخير في القلعة، فعلم بمرضه أحد وجهاء الدولة وهو شمس الدين الوزير، فجاءه يستأذنه في الدخول عليه لعيادته، فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده أخذ الوزير يعتذر له عن نفسه، ويلتمس منه أن يحلّه مما عساه أن يكون قد وقع منه في حق الشيخ من تقصير أو غيره.
فأجابه ابن تيمية بقوله: إني قد أحللتُك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق.
وقال له أيضاً: إني قد أحللت السلطان الناصر ابن قلاوون من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلداً غيره معذوراً، ولم يفعله لحظّ نفسه، بل لما بلغهُ مما ظنه حقاً من مُبلِّغه، والله يعلم أنه بخلافه. ثم قال: قد أحللتُ كلَّ واحدٍ مما كان بيني وبينه( ).
ولم يبق ابن تيمية طويلاً بعد ذلك، حيث وافته الـمنَّية وهو في السجن، مظلوماً من قبل أعدائه، وهو صابر محتسب أجره عند الله، مات وليس في قلبه ذرة كراهية تجاه أي مسلم، مات بعد أن سامح الجميع، مات وهو راضٍ عن نفسه التي طالما تخلت عن حظوظها الذاتية في سبيل الأمة المسلمة.
موقف ابن تيمية من التكفير:
المبحث الخامس :
موقفه من التكفير:
من يدرس منهج ابن تيمية -بإنصاف وموضوعية وحياد- في مسائل التكفير، يجد أن الرجل في قمة التقوى والتحرز وحسن الظن، وتغليب العذر بالجهل أو الاجتهاد، ونصوصه ناطقة ومصرحة بذلك فما يُشاع عن ابن تيمية غير صحيح، وهو من الأغاليط الكثيرة المنتشرة والتي يقف وراءها ضعف التصور أو سوء الفهم ومنهجه في ذالك هو الوسطية والاعتدال ، فالرجل – شأنه شأن علماء أهل السنة والجماعة – معتدل في حكمه ، وسط في مذهبه ، فلا هو بالتكفيري المتسرع في الحكم على النَّاس ، كالخوارج ومن مشى على نهجهم ، ولا هو بالذي يسكت عن التكفير حتى في أوضح المسائل ، ، بحيث يعطل حكم الله تعالى في هذه المسألة أو تلك ، ويجرىء النّاس على المعاصي والفجور كالمرجئة
.
ومن هنا كانت رؤيته في مسألة التكفير ، رؤية واضحة صحيحة ، لأنَّها تقوم على مقومات الأدلة الصحيحة .
وأما استشهاد التكفيرون به فليس بد ليل على أن الرجل كان تكفيري، وذلك لأمور، منها:
أولاً: أن التكفيريين يستشهدون بالقرآن والسنة، فهل يقول عاقل أن القرآن والسنة منابع تطرف وتكفير؟ أو أن هذا يعني أنهم وجدوا فيهما ما يوافق أهواءهم، معاذ الله. ثم إن التكفيريين يستشهدون –أيضًا- بالإمام الشافعي والإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، والقرطبي وكثير من الأئمة غير هؤلاء، فهل الخطأ يكمن في هؤلاء الأئمة أم في قصور تصورات التكفيريين؟
ثانيًا: أن المرجئة –أيضًا- يستشهدون ويحتجون بكلام ابن تيمية، وهؤلاء هم نقيض التكفيريين، فهل كان ابن تيمية من المرجئة؟
كلا، فلم يكن الرجل –رحمه الله- لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل كان منهجه وسط بين إفراط وتفريط، أي منهج أهل السنة والجماعة. وسنستعرض بعض من اقواله تبين صدق ماقلناه
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ((هذا مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً اخرى وعاصياً أخرى وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العلمية))( ) .
وقال رحمه الله:
(( وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم، فقد ثبت في الصحيح عن ثابت بن الضحاك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «.. ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله»، وثبت في الصحيح أن: «من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما))( ).
وقال رحمه الله:
((أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأياً ويكفرون من خالفهم فيه، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يكفرون من خالفهم، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق))( ) .
وقال رحمه الله:
(( ولا يلزم إذا كان القول كفراً أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في حقه، وذلك له شروط وموانع))( ).
وقال : (( اعلم إن مسائل التكفير و التفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا فان الله سبحانه اوجب الجنة للمؤمنين وحرم الجنة على الكافرين وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان ...))( ).
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى :
أنما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهى مسألة الوعيد فان نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية وكذلك سائر ما ورد من فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة وهى بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا فهو كذا ثم الشخص المعين يلتغى حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة والتكفير هو من الوعيد فانه وان كان القول تكذيبا لما قاله الرسول لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئا وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لإن قدر الله على ليعذبنى عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ففعلوا به ذلك فقال الله له ما حملك على ما فعلت قال خشيتك فغفر له فهذا رجل شك فى قدرة الله وفى إعادته إذا ذرى بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا ...( ) .
و قال رحمه الله :
والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله ...( ) .
تأمل كلام شيخ الإسلام كيف يقرر مسألة كفر الجهمية قال رحمه الله:
المشهور من مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب وحقيقة قولهم جحود الصانع ففيه جحود الرب وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسله ولهذا قال عبدالله بن المبارك إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية وقال غير واحد من الأئمة أنهم اكفر من اليهود والنصارى يعنون من هذه الجهة ولهذا كفروا من يقول إن القرآن مخلوق وان الله لا يرى في الآخرة وان الله ليس على العرش وان الله ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب ونحو ذلك من صفاته .. اه
ثم تأمل ماذا يقول عند تطبيق التكفير على المعين قال رحمه الله :
أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال إنه جهمي كفره ولا كل من وافق الجهمية فىبعض بدعهم بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة لم يكفرهم أحمد وأمثاله بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى الإئتمام بهم فى الصلوات خلفهم والحج والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم وإن لم يعلموا هم أنه كفر وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان فيجمع بين طاعة الله ورسوله فى إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة وإن كانوا جهالا مبتدعين وظلمة فاسقين ...( ) .
فكيف لو شاهد رحمه الله من سفك دماء المسلمين و من كفر الحكام قاطبة و لم يراعي حق رعية أو راعي و أحل قتل جنود المسلمين , و بل بعضهم يكرر قول العلماء بشروط و موانع التكفير و عند التطبيق لا يطبق الشروط و لم يرفع الموانع فحسبنا الله و نعم الوكيل.
قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر تفاصيل تكفير المعين قال :
وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدكم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل وان كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين مع إن بعض هذه البدعة أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وان اخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ....( ) .
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
قالوا من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع إن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين وان تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفى الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو بحيث كان كثير من أولى الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا لهم على نفي الصفات مثل القول بخلق القرآن ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر فلا يولونه ولاية ولا يفتكونه من عدو ولا يعطونه شيئا من بيت المال ولا يقبلون له شهادة ولا فتيا ولا رواية ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة والافتكاك من الأسر وغير ذلك فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان ومن كان داعيا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه ومعلوم إن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم منقولها وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق وان الله لا يرى في الآخرة ...( ) .
نقل شيخ الإسلام بعض الأخطاء التي وقع فيها بعض العلماء ثم قال بعد ذلك رحمه :
وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا وان كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر ...( ) .
قال رحمه الله :
معلوم أن الخوارج هم مبتدعة مارقون كما ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة ذمهم والطعن عليهم وهم إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه وجعلوا من خالف ذلك كافرا لاعتقادهم أنه خالف القرآن فمن ابتدع أقوالا ليس لها أصل في القرآن وجعل من خالفها كافرا كان قوله شرا من قول الخوارج ...( ) .
و قال رحمه الله تعالى:
ثبت في الصحيح أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما وإذا كان تكفير المعين على سبيل الشتم كقتله فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد فإن ذلك أعظم من قتله ..( ).
وقال رحمه الله :
فان تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين لما يعتقدون أنهم اخطئوا فيه من الدين وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأالمحض بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله وليس كل من يترك بعض كلامه لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق بل ولا يأثم .( ).
و قال رحمه الله تعالى :
قال الشافعي لأن أتكلم في علم يقال لي فيه أخطأت أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيه كفرت فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون ..( ).
وأمَّا موانع التكفير عند شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ، فهي باختصار :
-1 الجهل : وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى :
(( إنَّ المقالة تكون كفراً : كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم ، ثُمَّ القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب ، وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام ، فهذا لا يُحكم بكفره بجحد شيئ مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنَّه أنزل على الرسول – صلى الله عليه وسلم ))( ) .
2- الخطأ : يقول شيخ الإسلام رحمه الله: " ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطناً وظاهراً ، لكن فيه جهلٌ وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة ، فهذا ليس بكافر ولا منافق ، ثُمَّ قد يكون منه عدوان وظلم يكون فاسقاً أو عاصياً ، وقد يكون مخطئاً متأولاً مغفور له له خطؤه( ).
-3 التأويل : يقول شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله تعالى التأويل ، إذ أنَّ الأفهام تختلف من شخص إلى آخر ، لذا ليس كل من تكلم بكلمة الكفر يكفر ، فربما تأوَّل – مع حرصه على طلب الحق - فأخطأ ، وفي ذلك فلا يكفر بهذا .
4 - الإكراه يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : " وإذا أكره على كلمة الكفر جاز له التكلم بها مع طمأنينة قلبه بالإيمان ( )".وقال رحمه الله في مجموع الفتاوى:" ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان ( )". ويقول : " ومنهم من يتكلم بالكفر مكرهاً مع طمأنينة قلبه ، وهذا مؤمن باطناً وظاهراً ، فإنَّه وإن أظهر الكفر لبعض النَّاس لما أكره عليه ، أو كتم عنه إيمانه ، فهو يتكلم بالإيمان في خلواته ومع من يأمنه ، ويعمل بما يمكنه ، وما عجز عنه فقد سقط عنه ( )". :
موقف ابن تيمية مع مخالفيه:
المبحث الرابع
موقف ابن تيمية مع مخالفيه:
فهذه كلمات تجلي لنا موقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أعدائه ومخالفيه ، الذي جاهدهم بكل ما أوتي من قوة عقلية وعلمية، لكن لننظر كيف كان يعاملهم مع ما هم عليه من بدع ، وما قاموا به تجاهه حيث بدعوه وفسقوه وكفروه وأحلوا سفك دمه؟ محاولته إطفاء الفتنة التي كانت بين الحنابلة والأشاعرة:قال رحمه الله : (( والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة. وأنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين وطلبًا لاتفاق كلمتهم وإتباعا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله ، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة وبينت لهم أن الأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد - رحمه الله -ونحوه، المنتصرين لطريقه، كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه.
ثم قال: وكنت أقرر هذا للحنابلة وأبين أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي ومال إلى طريقة ابن كلاب وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم))( ).
وقال في الفتنة التي كانت بينه وبين ابن مخلوف:((وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة كل خير وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه ولا أعين عليه عدوه قط ولا حول ولا قوة إلا بالله هذه نيتي وعزمي مع علمي بجميع الأمور فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين ولو كنت خارجا لكنت أعلم بماذا أعاونه لكن هذه مسألة قد فعلوها زورا والله يختار للمسلمين جميعهم ما فيه الخيرة في دينهم ودنياهم ولن ينقطع الدور وتزول الحيرة إلا بالإنابة إلى الله الإستغفار والتوبة وصدق الإلتجاء فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله))( ).
- وقال في مقابلته لرسول نائب السلطان في سجنه في مصر : (( ولكن هذه القصة ضررها يعود عليكم؛ فإن الذين سعوا فيها من الشام أنا أعلم أن قصدهم فيها كيدكم وفساد ملتكم ودولتكم وقد ذهب بعضهم إلى بلاد التتر وبعضهم من قيم هناك فهم الذين قصدوا إفساد دينكم ودنياكم وجعلوني إمامًا بالتستر لعلمهم أني أواليكم وأنصح لكم وأريد لكم خير الدنيا والآخرة، والقضية لها أسرار كلما جاءت تنكشف، وإلا فأنا لم يكن بيني وبين أحد بمصر عداوة ولا بغضًا وما زلت محبًا لهم مواليًا لهم: أمرائهم ومشائخهم وقضاتهم))( ).
- موقفه لما عرض عليه السلطان قتل بعض القضاة الذين أفتوا بقتل ابن تيمية، لكلامه في الصفات ولرده على ابن العربي وأمثاله:
قال بعض أصحاب شيخ الإسلام : (( وسمعت الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله يذكر أن السلطان لما جلسا(يعني السلطان وشيخ الإسلام) بالشباك أخرج من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله واستفتاه في قتل بعضهم قال ففهمت مقصوده وأن عنده حنقا شديدا عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك أما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم قال فكان القاضي زيد الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك ما رأينا أتقى من ابن تيمية لم نبق ممكنا في السعي فيه ولما قدر علينا عفا عنا)) ( ).
موقفه من ألأذرعي أحد مخالفيه قال رحمه عن ذلك:
((وكان من مدة لما كان القاضي حسام الدين الحنفي مباشرا لقضاء الشام أراد أن يحلق لحية هذا الأذرعي وأحضر الموسى والحمار ليركبه ويطوف به فجاء أخوه عرفني ذلك فقمت إليه ولم أزل به حتى كف عن ذلك وجرت أمور لم أزل فيها محسنا إليهم ))( ) .
وقفه لما قام عليه بعض مقلديه مع أهل البدع الذين وضربوه وآذوه:
(( رجل فيما بلغني إلى أخيه الشيخ شرف الدين وهو في مسكنه بالقاهرة فقال له إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه فقال حسبنا الله ونعم الوكيل وكان بعض أصحاب الشيخ جالسا عند شرف الدين قال فقمت من عنده وجئت إلى مصر فوجدت خلقا كثيرا من الحسينية وغيرها رجالا وفرسانا يسألون عن الشيخ فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس وقال له بعضهم يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا .
فقال لهم الشيخ لأي شيء قال لأجلك فقال لهم هذا ما يحق ، فقالوا نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس، فقال لهم هذا ما يحل قالوا فهذا الذي قد فعلوه معك يحل هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا والشيخ ينهاهم ويزجرهم فلما أكثروا في القول قال لهم إما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله فإن كان الحق لي فهم في حل منه وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولا تستفتوني فافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء قالوا فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم قال هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه قالوا فتكون أنت على لباطل وهم على الحق فإذا كنت تقول إنهم مأجورين فاسمع منهم ووافقهم على قولهم فقال لهم ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين ففعلوا ذلك باجتهادهم والمجتهد المخطىء له أجر))( ).
- ومن كلامه رحمه الله فيمن آذوه، في رسالة كتبها لأصحابه:
(( فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد بكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي الذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم فلو كان الرجل مشكورا على سوء عمله لكنت أشكر كل من كان سببا في هذه القضية لما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه وأياديه التي لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم ))( ) .
- ومن مواقفه لما مات أحد أعدائه:
قال ابن القيم
:
(( وكان بعض أصحابه الأكابر يقول : وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه.
وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال : إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام فسروا به ودعوا له وعظموا هذه الحال منه فرحمه الله ورضى عن ))( ) .
فلو اطلع من يدعون تقليده على اقواله وفتاويه التي تعبر عن روح الاسلام ووسطيته لما حصل كل ما حصل من سفك لدماء المسلمين لمجرد انه يخالفه في الرأي وكذالك لو اطلع من يتهم هذا الرجل بالتكفير والتشدد لأنصفوه.
موقف ابن تيمية مع مخالفيه:
فهذه كلمات تجلي لنا موقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أعدائه ومخالفيه ، الذي جاهدهم بكل ما أوتي من قوة عقلية وعلمية، لكن لننظر كيف كان يعاملهم مع ما هم عليه من بدع ، وما قاموا به تجاهه حيث بدعوه وفسقوه وكفروه وأحلوا سفك دمه؟ محاولته إطفاء الفتنة التي كانت بين الحنابلة والأشاعرة:قال رحمه الله : (( والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة. وأنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين وطلبًا لاتفاق كلمتهم وإتباعا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله ، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة وبينت لهم أن الأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد - رحمه الله -ونحوه، المنتصرين لطريقه، كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه.
ثم قال: وكنت أقرر هذا للحنابلة وأبين أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي ومال إلى طريقة ابن كلاب وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم))( ).
وقال في الفتنة التي كانت بينه وبين ابن مخلوف:((وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة كل خير وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه ولا أعين عليه عدوه قط ولا حول ولا قوة إلا بالله هذه نيتي وعزمي مع علمي بجميع الأمور فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين ولو كنت خارجا لكنت أعلم بماذا أعاونه لكن هذه مسألة قد فعلوها زورا والله يختار للمسلمين جميعهم ما فيه الخيرة في دينهم ودنياهم ولن ينقطع الدور وتزول الحيرة إلا بالإنابة إلى الله الإستغفار والتوبة وصدق الإلتجاء فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله))( ).
- وقال في مقابلته لرسول نائب السلطان في سجنه في مصر : (( ولكن هذه القصة ضررها يعود عليكم؛ فإن الذين سعوا فيها من الشام أنا أعلم أن قصدهم فيها كيدكم وفساد ملتكم ودولتكم وقد ذهب بعضهم إلى بلاد التتر وبعضهم من قيم هناك فهم الذين قصدوا إفساد دينكم ودنياكم وجعلوني إمامًا بالتستر لعلمهم أني أواليكم وأنصح لكم وأريد لكم خير الدنيا والآخرة، والقضية لها أسرار كلما جاءت تنكشف، وإلا فأنا لم يكن بيني وبين أحد بمصر عداوة ولا بغضًا وما زلت محبًا لهم مواليًا لهم: أمرائهم ومشائخهم وقضاتهم))( ).
- موقفه لما عرض عليه السلطان قتل بعض القضاة الذين أفتوا بقتل ابن تيمية، لكلامه في الصفات ولرده على ابن العربي وأمثاله:
قال بعض أصحاب شيخ الإسلام : (( وسمعت الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله يذكر أن السلطان لما جلسا(يعني السلطان وشيخ الإسلام) بالشباك أخرج من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله واستفتاه في قتل بعضهم قال ففهمت مقصوده وأن عنده حنقا شديدا عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك أما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم قال فكان القاضي زيد الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك ما رأينا أتقى من ابن تيمية لم نبق ممكنا في السعي فيه ولما قدر علينا عفا عنا)) ( ).
موقفه من ألأذرعي أحد مخالفيه قال رحمه عن ذلك:
((وكان من مدة لما كان القاضي حسام الدين الحنفي مباشرا لقضاء الشام أراد أن يحلق لحية هذا الأذرعي وأحضر الموسى والحمار ليركبه ويطوف به فجاء أخوه عرفني ذلك فقمت إليه ولم أزل به حتى كف عن ذلك وجرت أمور لم أزل فيها محسنا إليهم ))( ) .
وقفه لما قام عليه بعض مقلديه مع أهل البدع الذين وضربوه وآذوه:
(( رجل فيما بلغني إلى أخيه الشيخ شرف الدين وهو في مسكنه بالقاهرة فقال له إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه فقال حسبنا الله ونعم الوكيل وكان بعض أصحاب الشيخ جالسا عند شرف الدين قال فقمت من عنده وجئت إلى مصر فوجدت خلقا كثيرا من الحسينية وغيرها رجالا وفرسانا يسألون عن الشيخ فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس وقال له بعضهم يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا .
فقال لهم الشيخ لأي شيء قال لأجلك فقال لهم هذا ما يحق ، فقالوا نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس، فقال لهم هذا ما يحل قالوا فهذا الذي قد فعلوه معك يحل هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا والشيخ ينهاهم ويزجرهم فلما أكثروا في القول قال لهم إما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله فإن كان الحق لي فهم في حل منه وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولا تستفتوني فافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء قالوا فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم قال هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه قالوا فتكون أنت على لباطل وهم على الحق فإذا كنت تقول إنهم مأجورين فاسمع منهم ووافقهم على قولهم فقال لهم ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين ففعلوا ذلك باجتهادهم والمجتهد المخطىء له أجر))( ).
- ومن كلامه رحمه الله فيمن آذوه، في رسالة كتبها لأصحابه:
(( فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد بكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي الذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم فلو كان الرجل مشكورا على سوء عمله لكنت أشكر كل من كان سببا في هذه القضية لما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه وأياديه التي لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم ))( ) .
- ومن مواقفه لما مات أحد أعدائه:
قال ابن القيم
:
(( وكان بعض أصحابه الأكابر يقول : وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه.
وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال : إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام فسروا به ودعوا له وعظموا هذه الحال منه فرحمه الله ورضى عن ))( ) .
فلو اطلع من يدعون تقليده على اقواله وفتاويه التي تعبر عن روح الاسلام ووسطيته لما حصل كل ما حصل من سفك لدماء المسلمين لمجرد انه يخالفه في الرأي وكذالك لو اطلع من يتهم هذا الرجل بالتكفير والتشدد لأنصفوه.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)