الفصل الخامس والثلاثون من كتاب درر
الآداب ومحاسن ذوي الألباب
مولانا
السلطان العالم العادل المجاهد المرابط المؤيد الملك المنصور
أبي
المعالي تقي الدين محمد بن شاهنشاه بن أيوب. رحمه الله.
بسم
الله الرحمن الرحيم
القول
في أهل الذمة وما ورد في الكتاب العزيز والشريعة المطهرة من النهي عن اختيارهم وتبيين
قبح آثارهم.
قلنا:
أما ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم الذي: (لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من
خلفه، تنزيل من حكيم حميد) فصلت / 42، فذلك شيء لا يحصيه عدد، وإن طال به الأمد، بل
نختصر منه على اليسير.
وما
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضى الله عنهم أجمعين، والخلفاء
الراشدين والأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون.
فنبتديء
بمدح هذه الأمة، وما أسبغ الله عليها من النعمة، والحث على اتباع الإسلام، والقيام
114و
/ بفرائضه، والعمل بالأحكام إن شاء الله تعالى.
قلنا:
اعلم أن الأمة الإسلامية أفضل الأمم، ومناقبها جمة، وهي عند الله خير أمة، كما قال
تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)
آل عمران / 110.
قال
معاذ بن جبل رضى الله عنه: هذه الآية مدحة لم يكن الله تعالى؛ ليمدح بها قوما ثم يعذبهم
بعدها أبدا، وإن الله جل وعلا كما جعلهم خير أمة جعل لهم خير نبي محمد صلى الله عليه
وسلم.
وقال
صلى الله عليه وسلم: " لا شرف أعلى من الإسلام وكفاهم فخرا على جميع البشر شرفا
وعلوا به على أهل البدو والحضر.
بعثة
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال
الله تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) آل عمران / 164.
والله
تعالى شرف دين الإسلام وعظمه وقضى بالسعادة الأبدية لمن انتحاه
114و
/ ويممه وفضله على كل شرع سبقه ودين تقدمه، فنصره الله وخذلها، ونبهه وأخملها ورفعه
ووضعها، فقال وهو أصدق القائلين: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في
الآخرة من الخاسرين) آل عمران / 85.
وقال
تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة
/ 3.
وقال
تعالى: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران
/ 102. ومثل هذا في القرآن العزيز كثير.
ومعلوم
أن اليهود والنصارى موسومون بغضب الله ولعنته والشرك به والجحد بوحدانيته، وقد أمر
الله تعالى للمسلمين في أم الكتاب أن يدعوا ويرغبوا إليه في أن يهديهم سبيل
المؤمنين ويبعدهم من هذين الفريقين الكافرين فقال: (اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط
الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) الفاتحة / 6،7. والمغضوب عليهم
اليهود، والضالون النصاري.
114ظ
/ فقال تعالى في اليهود: (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من
الناس وباءوا بغضب من الله، وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله
ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) آل عمران / 112.
وقوله
تعالى: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان)
المائدة / 64.
ثم
جمع بين الفريقين ونهى سبحانه وتعالى عن الاستعانة بهم والميل إليهم فقال: (ىاأيها
الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم
فإنَّه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) المائدة /
51.
وقال تعالى: (لقد كفرَ الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)
المائدة / 73.
وقال تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) هود / 18. فجعلوا
ملعونين كاليهود.
واما ما ادعوه يهود خيبر من وضع الجزية عنهم بعهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك لم يصح لما جاء في الخبر وورد في التواريخ والسير،
وأن خيبر لم يكن افتتاحها صلحا فيكتب لهم عهدا، وإنما كان فتحها عنوة، فلما ذكروا
أنهم أعرف بسقي نخلها ومصالح أرضها جعل لهم نصف الارتفاع على حكم أجرة العاملين، فأقروا
على ذلك.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لأخرجن اليهود والنصارى
115و / من جزيرتي، حتى لا يبقى فيها إلا مسلم، فأجلوا حينئذ
عنها.
كذلك أجلوا يهود فدك عنها.
وكان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهم وهو آخر
ما تكلم به، وفي رواية أخرى أنه قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا
الوفد كما كنت أجيزه ".
وبإسناد
عن عبد الرحمن بن غنم، قال: كتبنا إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، حين صالح نصارى
الشام،كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا
كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا
سألناكم الأمان، لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا: أن
لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولنا، ديرا ولا كنيسة ولا قلبة ولا صومعة راهب. ولا نجدد
ما خرب منها. ولا نحيي ما كان منها في خطط المسلمين. ولا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد
من المسلمين في ليل أو نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل وأن ننزل من نزلها
من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم.
115ظ
/ ولا نؤوي في منازلنا ولا كنائسنا جاسوسا. ولا نكتم غشا للمسلمين. ولا نعلم أولادنا
القرآن. ولا نظهر شركا. ولاندعوا إليه أحدا. ولا نمنع من ذوي قراباتنا الدخول في الإسلام
إن أرادوه. وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم في مجالسنا إذا أرادوا الجلوس. ولا نتشبه بهم في شيء
من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر. ولا نتكلم بكلامهم. ولا نتكنى
بكناهم. ولا نركب السرج. ولا نتقلد السيوف. ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا
ولا ننقش على خواتيمنا بالعربية. ولا نبيع الخمور وأن نجزَّ مقادم رؤوسنا. وأن نلزم
زينا حيث ما كنا وأن نشد زنانيرنا على أوساطنا. ولا نظهر صلباننا على كنائسنا ولا كتبنا
ولا نجلس في شيء من
طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا. ولا نرفع
أصواتنا مع موتانا. ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم. ولا
نجاورهم بموتانا. ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين.
116و
/ ولا نطلع عليهم في منازلهم.
قال
الراوي: فلما وقف عمر بن الخطاب على الكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحدا من المسلمين شرطنا
لهم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا. وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا عن شيء مما شرطناه
لكم، وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق
" والسلام.
وبالإسناد
عن واصل قال: أسر غلام من بطارقة الروم - وكان غُلَاماً جميلاً
- فلما صاروا إلى بعض خلفاء بني أمية؛ فسماه بشيراً، وأمر به إلى الكتاب؛ فكتب وقرأ
القرآن وروى الشعر والأحاديث وحج. فلما بلغ أتاه الشيطان فوسوس إليه وذكَّره النصرانية
دين آبائه؛ فهرب مرتدًا من دار الإسلام إلى أرض الروم؛ الذي سبق عليه في أم الكتاب.
فأتي به ملك الروم فسأله عن حاله، وما كان فيه، وما الذي دعاه إلى الدخول في النصرانية؟
فأخبره برغبته فيه. فعظم في عين الملك؛ فرأسه وصيره بطريقًا من بطارقته وأقطعه قرى
كثيرة؛ فهي اليوم تسمى:
116ظ
/ قرى بشير.
وكان
من قضاء الله وقدره أنه أسر في ذلك الحين ثلاثون رجلاً من المسلمين؛ فلما دخلوا على
بشير، سائلهم رجلاً رجلاً عن دينهم، وكان فيهم شيخ من أهل دمشق يقال له: واصل؛
فساءله بشير مثل أصحابه، فأبى الشيخ أن يرد عليه شيئاً؛ فقال له بشير: ما لك لا تجيبني؟
قال
الشيخ: لست أجيبك اليوم بشيء!
فقال
بشير للشيخ: إني سائلك غدًا فأعِدَّ جواباً، وأمره بالانصراف.
فلما
كان من الغد بعث بشير؛ فأدخل عليه الشيخ.
فقال
بشير: الحمد لله الذي كان قبل أن يكون شيء، وخلق سبع سماوات طباقا بلا عون كان معه
من خلقه؛ فيا عَجَباً لكم معاشر العرب حين تقولون: {إنَّ مثل عيسى عند الله كمثلِ
آدم خلقه من ترابٍ، ثم قال له كن فيكون} آل عمران / 59!.
فسكت
الشيخ؛ فقال له بشير:
ما
لك لا تجيبني؟ فقال: كيف أجيبك وأنا أسير في يديك؛ فإن أجبتك بما تهوى أسخطت عليَّ
ربي، وهلكت في ديني، وإن أجبتك بما لا تهوى خفت على
117و
/ نفسي؟
فأعطني
عهد الله وميثاقه أنك لا تغدر بي ولا تبغ بي باغية سوء، وأنك إذا سمعت الحق انقدت
إليه.
فأعطاه
العهد والميثاق.
فقال
الشيخ: أما ما وصفت من صفة الله تعالى؛ فقد أحسنت الصفة. وما لم تبلغ أكثر، والله
أعظمُ وأكبر مما وصفت؛ ولا يصف الواصفون صفته.
وأما
ما ذكرت من هذين الرجلين؛ آدم وعيسى فقد أسأت الصفة! ألم يكونا يأكلان الطعام ويشربان
ويبولان ويتغوطان وينامان ويستيقظان ويقومان ويفرحان ويحزنان؟
قال
بشير: بلى.
قال:
فلمَ فرقتم بينهما؟
قال
بشير: لأن عيسى بن مريم عليه السلام كان له روحان اثنتان في جسد واحد: روح يعلم بها
الغيوب وما في قعر البحار، وروح يُبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي بها الموتى.
قال
الشيخ: روحان اثنتان في جسد واحد؟ ! !
قال
بشير: نعم.
قال
الشيخ: فهل كانت القوية تعرف موضع الضعيفة منهما أم لا؟
قال
بشير: قاتلك الله يا شيخ! ماذا تريد أن تقول
117ظ
/ إن قلت: إنها لا تعلم؟ وماذا تريد أن تقول، إن قلت: إنها تعلم؟
قال
الشيخ: إن قلت إنها تعلم، قلت: فما يغني عنها قوتها حين لا تطرد آفات الصليب عنها؟
وإن
قلت: إنها لا تعلم، قلت: فكيف تعلم الغيوب ولا تعلم موضع روح معها في جسد واحد؟! فسكت
بشير!
قال
الشيخ: أسألك بالله! هل عبدتم الصليب مثلاً لعيسى بن مريم أنه صلب عليه؟
قال
بشير: نعم.
قال
الشيخ: فهل صلب برضا منه أم بسخط؟
قال
بشير: هذه أخت تلك! ماذا تريد أن تقول؟
إن
قلت: برضى منه، قلت: ما نقمتم؟
أعطوا ما سألوا وأرادوا؟
وماذا
تريد أن تقول؟ إن قلت: بسخط.
قال
الشيخ: إن قلت: برضا منه. قلت: لا يصح أن يكون ذلك، وإن قلت: بسخط. قلت: فلم تعبدون
ما لا يمنع نفسه؟
ثم
قال الشيخ لبشير: نشدتك بالله! هل كان عيسى يأكل الطعام ويشرب ويصوم ويصلي ويبول ويتغوط
وينام ويستيقظ ويفرح ويحزن؟
قال:
نعم.
قال
الشيخ: فلمن كان يصوم ويصلي؟
قال:
لله عز وجل.
قال
الشيخ: والله ما ينبغي لمثلك يا بشير أن تعيش في
118و
/ النصرانية!
قال بشير: أراك يا شيخ قد تكلمت الكلام، وأنا
صاحب سيف، ولكن غدًا آتيك بمن يخزيك الله على يديه!
ثم
أمره بالانصراف.
فلما
كان من غد، بعث بشير إلى الشيخ، فلما دخل عليه إذا عنده قس عظيم الجثة.
قال
له بشير: إن هذا رجل من العرب له علم وعقل وأصل في العرب، وقد أحب الدخول في ديننا؛
فكلمه حتى تنصره.
فسجد
القس لبشير وقال: قديماً أتيت إلىَّ بالخير، وهذا أفضل مما أتيت إليَّ.
فأقبل
القس على الشيخ فقال: أيها الشيخ! ما أنت بالكبير الذي قد ذهب عقله، وما أنت بالصغير
الذي لم يستكمل عقله، أدن مني غدًا أغطسك في المعمودية غطسة تخرج منها كيوم ولدتك
أمك!
قال
الشيخ: وما هذه المعمودية؟
قال
القس: ماء تقدَّس.
قال
الشيخ: من قدَّسه؟
قال
القس: قدسته أنا والأساقفة قبلي.
قال
الشيخ: فهل كان لكم ذنوب؟
قال
القس: نعم؛ كثيرة.
قال
الشيخ: فهل يقدس الماء من لا يقدس نفسه ؟
قال:
فسكت القس؛ فقال: إني لم أقدسه أنا !
قال
الشيخ: فكيف الصفة فيه؟
118ظ
/ قال القس: إنما كانت سُنَّة من عيسى بن مريم.
قال
الشيخ: فكيف كان الأمر؟
قال
القس: إن يحيى بن زكريا أغطس عيسى بن مريم عليها السلام بنهر الأردن غطسة، ومسح برأسه
ودعا له بالبركة.
قال
الشيخ: واحتاج عيسى إلى يحيى ليمسح رأسه ويدعو له بالبركة؟! فاعبدوا يحيى، فيحيى خير
لكم من عيسى إذن؟
قال:
فسكت القس.
قال:
فاستلقى بشير على فراشه وأدخل كمه في فِيه وجعل يضحك؛ وقال للقس: قم أخزاك الله، دعوتك
لتنصَّره، فإذا أنت قد خُجلت وكدت أن تُسلم!
قال:
ثم إن الشيخ بلغ الملك خبره؛ فبعث إليه وأحضره؛ فقال: يا هذا بلغني أنك ثلمت ديننا.
فقلب
الشيخ: إنَّ لي ديناً أحبه، ولم أجد بدًا من الذبِّ عنه.
قال
الملك: وهل في يدك حجج؟
قال
الشيخ: نعم! إن شاء الله تعالى. ادع إلي من شئت يحاججني؛ فإن كان الحق معي؛ فلا تلومني
في الذبِّ عن الحق؟ وإن كان الحق في يديك، رجعت إليك.
فدعا
الملك برجلٍ هو عظيم النصرانية؛ فلما دخل عليه سجد له الملك ومن عنده أجمعون.
قال
الشيخ: أيها الملك، من هذا؟
قال
الملك: هذا رأس النصرانية، هذا الذي تأخذ النصرانية دينها عنه.
قال
الشيخ: فهل له من ولد أم هل له من زوجة؟
قال
الملك: ما لك أخزاك الله! هذا أزكى وأطهر من أن يدنس بالنساء، هذا أزكى وأطهر من 119و
/ من أن ينسب إليه الولد، هذا أزكى وأطهر من أن يدنس بدم الحيض.
قال
الشيخ: فأنتم تكرهون لآدمي يكون منه ما يكون من بني آدم من الغائط والبول والنوم والسهر،
وتزعمون أن رب العالمين سكن في ظلمة البطن وضيق الرحم ودنس الحيض ؟
قال
القس: هذا شيطان من شياطين العرب رمى به البحر إليكم؛ فأخرجوه من حيث جاء.
فأقبل
الشيخ على القس، فقال: عبدتم عيسى بن مريم أنه لا أب له؛ فهذا آدم لا أب له ولا أم،
خلقه الله عز وجل بيده
وأسجد له ملائكته؛ فضموا آدم إلى عيسى حتى يكون إلهان اثنان!؟
وإن
كنتم عبدتم عيسى لأنه أحيا الموتى؛ فهذا حزقيل تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل،
لا ننكره نحن ولا أنتم، مرَّ بميت فدعا الله عز وجل فأحياه له حتى كلمه؛ فضموا أيضاً حزقيل مع عيسى
حتى يكون لكم ثالث ثلاثة!؟
وإن
كنتم إنما عبدتموه لأنه أراكم العجب، فهذا يوشع بن نون قاتل قومه، حتى غربت الشمس؛
فقال لها: ارجعي بإذن الله؛ فرجعت اثني عشر برجًا؛ فضموا يوشع بن نون مع عيسى حتى
يكون لكم رابع أربعة؟!
وإن
كنتم إنما عبدتموه لأنه عرج إلى السماء، فهؤلاء ملائكة الله عز وجل مع كل نفس اثنان
بالليل واثنان بالنهار يعرجون إلى السماء، فلو
119ظ
/ ذهبنا نعدهم لالتبس علينا عقولنا واختلط علينا ديننا وما ازددنا في ديننا إلا تحيرا!؟
ثم
قال: أيها القس: أخبرني عن رجل حلَّ به الموت، ألموتُ أهون عليه أم القتل؟
قال
القس: القتل أهون عليه.
قال:
فلم لا قتل عيسى أمه ليكون أهون عليها؟ فإن قلت: إنه قتلها؛ فما برَّ أمه من قتلها!؟
وإن قلت: إنه لم يقتلها؛ ما برَّ أمه من عذبها بنزع النفس ؟ !
قال
القس: اذهبوا به إلى الكنيسة العظمى، فإنه لا يدخلها أحد إلا تنصر!
قال
الملك: اذهبوا به.
قال
الشيخ: لماذا يذهب بي ولا حجة لكم علي؟
قال
الملك: لن يضرك، إنما هو بيت من بيوت ربك عز وجل، ويذكر فيه اسمه.
قال
الشيخ: لا بأس بذلك.
فذهبوا
به؛ فلما دخل الكنيسة، وضع أصبعيه في أذنيه ورفع صوته للأذان؛ فجزعوا من ذلك جزعا شديداً
وضربوه وجاؤوا به إلى الملك؛ فقالوا: أيها الملك! قد وجب عليه القتل!
فقال
له الملك: لم أحللت بنفسك القتل؟
فقال:
أيها الملك، إلى أين ذهبوا بي.
قال:
ذهبوا بك إلى بيت من بيوت ربك، لتذكره!
قال:
دخلت إليه وذكرته فيه بلساني العربي وعظمته بقلبي، وإن كان كل من يذكر الله في كنائسكم
يصغر دينكم؛ فزادكم الله صغارا !
قال
الملك: صدق، ولا سبيل لكم عليه.
قالوا:
أيها الملك! لا نرضى حتى
120و
/ نقتله.
قال
الشيخ: إنكم متى قتلتموني، فبلغ ذلك ملكنا وضع يده في قتل الأساقفة والقسوس، وخرب
الكنائس وكسر الصلبان ومنع النواقيس.
قال:
وهل يفعل ذلك؟
قال:
نعم! ولا تشكوا في ذلك!
ففكروا
في ذلك؛ فتركوه.
قال
الشيخ: أيها الملك! هل عاب أهل الكتاب على أهل الأوثان؛ لأنها من عمل أيديهم ؟
قال:
نعم.
قال:
هذا أنتم تعبدون ما عملتم بأيديكم، وهو الذي في كنائسكم؟ فإن كان في الإنجيل؛ فلا
كلام لنا فيه، وإن لم يكن في الإنجيل، فلم تشبه دينك بدين أهل الأوثان؟
قال
الملك: صدق؛ هل تجدون في الإنجيل؟
قال
القس: لا.
فقال
الملك: فلم تشبه ديني بدين أهل الأوثان؟
فأمر
الملك بنقض الصور من الكنائس؛ فجعلوا ينقضونها ويبكون.
فقال
القس: إن هذا الشيطان من شياطين العرب رمى به البحر إليكم؛ فأخرجوه من حيث جاء؛ ولا
تدعوه في أرضكم؛ فيفسد عليكم دينكم؛ فوكلوا به من أخرجوه إلى بلاد الإسلام.
وأما
سبب الغيار على أهل الذمة:
فذلك فيما روي عن خالد بن عطرفة أمير الكوفة أنه
جاءته امرأة نصرانية وكانت أسلمت، فذكرت أن زوجها يضربها على الإسلام وأقامت بذلك
بينة، فاحضرها وفرق بينها وبينه وضربه، فشكاه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فأشخص
خالد فسأله عن ذلك، فقص عليه القصة.
فقال
له عمر رضى الله عنه: الحكم ما حكمت به.
ثم
كتب إلى الأمصار يجزوا نواصيهم ولا يلبسون لبس المسلمين ليفرق بينهم وبين المسلمين
في اللبس والزي، وليوسموا بالغيار وشد الزنار، وأن لا يغيروا من أسمائهم وكناهم ما
لا يجوز لهم الشرع، ولا يسوغ التغافل عنهم لأن في ذلك وهنًا على الإسلام، ولا يمكنون
من ركوب شيء من الخيل والبغال ولا سلوك مدافن المسلمين ولا وطيء مقابرهم، ولتكن توابيت
موتاهم مشدودة بحبال الليف مكشوفة غير مغطاة، وليمنعوا من حمل موتاهم على الرقاب بل
يجروا على التراب، ولا تبيض قبورهم ولا ترفع عن الأرض، ثم أخذوا الناس على حدوده.
وذكر
أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما: إن المال قد كثر وليس
يحصيه إلا الأعاجم فاكتب إلينا بما ترى.
فكتب
إليه: لا تدخلوهم في دينكم، ولا تسلموهم ما منعهم الله منه، ولا تأمنوهم على أموالكم،
وتعلموا [الكتابة] فإنما
هي للرجال. وهذا
121و
/ كلام فيه ما فيه، وذلك في سنة سبعة عشر للهجرة.
وكتب
عمر رضى الله عنه إلى سائر عماله: أما بعد فإن من كان قبله كاتب من المشركين فلا يعاشره
ولا يؤازره ولا يجالسه ولا يعتضد برأيه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر
باستعماله، ولا خليفته من بعده. وكتابي آمر فيه بما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأنه عما نهى عنه، فلينته إلى ما رسم فيه، وليحذر من تجاوزه وتعديه.
وقيل:
دخل أبو موسى الأشعري على عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم
وجلس، وقال: أيؤذن لكاتبي أمير المؤمنين بالدخول فقال عمر: ولم لا يدخل معك أجنب هو؟
فقال: لا ولكنه نصراني، فتغير وجه عمر رضى الله عنه، وقال: أتتخذ على المسلمين كاتبا
ذمياً يستحل دماءهم وأموالهم، هلا اتخذت حنيفيا مسلماً يأمر بالعدل والإحسان.
فقال:
لى كاتبته وعليه وزره.
فقال عمر رضى الله عنه: يجب عليك أن لا تقربه إذ
أبعده الله، ولا تعزه إذ أذله الله، ولا تكرمه إذ أهانه الله، ولا تحبه إذ أبغضه
الله، عملًا بقوله تعالى: (ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل
121ظ
/ ما يشاء) الحج / 18.
وكتب إلى أبي هريرة رضى الله عنه: أما بعد فإن للناس نفرة
من سلطانهم، فأعوذ بالله أن يدركني وإياك، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، فإذا حضرك
أمران أحدهما لله والآخر للدنيا فآثر هيبتك من الله، فإن الدنيا تنفذ والآخرة تبقى،
وعد مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وافتح بابك وباشرهم، وباعد عن أهل الشرك وأنكر أفعالهم،
ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك، وساعد على مصالح المسلمين بنفسك، وإنما
أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقل حِمْلاً.
وقال أبو هريرة: لما ولي عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمر
بهدم كل كنيسة استجدت بعد الهجرة، فلم يبق إلا ما كان قبل الإسلام، وجهز عروة بن محمد
صنعاء اليمن وهدم الكنائس بها، وصانع القبط على كنائسهم بمصر وهدم بعضها.
وكتب عمر بن الخطاب كتاباً ونفذه خلفه وكان من نسخته: وأن
لا يجدد في بلاد الإسلام بيعة ولا كنيسة ولا يتشبه بأهل الذمة، أو بشيء من ملابسهم،
ولا يتسمى بأسمائهم ولا يتكني بكناهم، ولا يركب أحد منهم بسرج ولا يتقلد بسيف وأن
يجزوا شعورهم على ما عرف من زيهم وأن لا يظهروا صلبانا ولا يوقدون في طرق المسلمين
122و / نيرانا، ولا يضرب لهم بناقوس ولا يرفعون أصواتهم
في الطرق ولا يفتحون كنيفا ولا يتخذون من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، ولا ترفع
منازلهم ولا يساوى بنيانهم، وإذا دخلوا الحمام، يكون في رقابهم خواتيم رصاص أو جرس
من نحاس، والمرأة تشد في وسطها جرس من نحاس، وإذا خرجت في نهار كان إحدى خفيها أسود
والآخر أبيض، ويركبون الحمر بالليف، ولا يتصدرون المجالس ولا يبدأون بالسلام، ويلجئون
إلى أضيق الطرق وأن يجعل الإمام عليهم أميناً يكتب أسماءهم وحلاهم، وإن زنا أحد منهم
بمسلمة برئت منه الذمة.
وقال عبد الرحمن بن عثمان رضى الله عنه: اجتمع العلماء بعد
عمر رضى الله عنه أنه متى نقض الذمي عهده بمخالفة شرط من هذه الشروط المأخوذة عليهم،
فالإمام مخير بين القتل والأسر والاسترقاق.
فلو شاهد عمر رضى الله عنه النصارى واليهود في زماننا هذا
وأدرهم تعلوا على أدر المسلمين وعلى مساجدهم، وما استجدوا من الكنائس، وما يدعون به
من النعوت مثل الرشيد والسديد والمعتمد والمرتضى والمؤتمن والأمين إلى غير ذلك؛ لأنكر
هذه البدعة ولم يترك لها في ملة الإسلام سمعة.
فلعل أن يدركها
همة عالية وعزمة سامية من أحد ملوك الإسلام، فيكشف عن المسلمين هذه الغمة ويعتمد ما
أمر الله تعالى في أهل الذمة.
والله اعلم، والحمد
لله أولاً وأخرا باطناً وظاهرا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم
الدين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق