الأربعاء، 25 مايو 2011

مقومات الرؤية الإسلامية كإطار مرجعي لعمل الإدارة التربوية الساعية للجودة الشاملة


مقدمــة.
- أولاً : نظرة الإسلام إلى "الألوهية".
- ثانياً : نظرة الإسلام إلي الكون.
- ثالثاً : نظرة الإسلام إلى الإنسان.
- رابعاً : نظرة الإسلام إلى "المعرفة والعلم".
- خامساً : نظرة الإسلام إلي الأخلاق .
- سادساً : نظرة الإسلام إلى المجتمع.
- خلاصـة.







الفصل الرابع

مقومات الرؤية الإسلامية كإطار مرجعي لعمل الإدارة التربوية الساعية

للجودة الشاملة

مقدمــة :
اتضح من الفصل السابق أن فلسفة إدارة الجودة الشاملة الغربية تُجسد معالم الثقافة التي نشأت فيها،حيث تأتي منسجمة مع التصورات الكبرى التي تقوم عليها تلك الثقافة،أي متوافقة مع المُناخ المجتمعي العام الذي تعمل فيه،ولذلك تؤتي ثمارها المرجوة في الأداء العملي من ناحية وفي تدعيم وترسيخ الثقافة نفسها من ناحية أخرى وعندما يأتي تطبيق فلسفةTQMفي غير مجتمعاتها وثقافتها،فإن الأمر لابد وأن يؤخذ بدرجة من الحذر والتريث ذلك لاختلاف الأطر الثقافية،وإذا كانت تلك المجتمعات التي يراد تطبيقTQMفيها هي المجتمعات العربية والإسلامية فإن الحذر يكون أكبر،ذلك لتميز المجتمعات الإسلامية بخصائص نوعية وأطر قيمية تختلف لحد كبير مع الثقافة الغربية.
إن العمل الإداري التربوي في المجتمع الإسلامي،لابد وأن يكون ذا مواصفات خاصة، تقوم على عقيدة الإسلام أساساً،وعلى العقلية الإسلامية الحرة بناءً،بحيث تصبح تلك الإدارة التربوية،إدارة إسلامية لمجتمع إسلامي لإعادة بناء الحياة إسلامياً،لتحقيق غايات ومقاصد الإسلام في النفس والمجتمع والكون كله.
وعندما يتفق الاعتقاد مع السلوك يأتي السلوك على شاكلته الصحيحة، ذلك لأن السلوك الإداري كغيره من أنواع السلوك صادر عن اعتقاد،"والفرق بين اعتقاد وأخر حدوث سلوكين مختلفين"([1])،أي أنّ السلوك الإداري الإسلامي له خصائصه المميزة عن غيره من أنواع السلوك الإداري.يقول"عماد الدين خليل" لقد بُنيت هذه العقيدة-الإسلامية–على حشد من القيم التصورية...تلتئم وتتداخل وتتكامل لكي تُشكل نسقاً عقيدياً،ما بلغت عشر معشاره أية عقيدة أخرى في العالم وضعية كانت أم دينية...وكما أن هذا النسق المحكم يمثل تطابقاً باهراً مع معطيات الفطرة البشرية في أصولها النقية الحرة...فإنه يمثل في الوقت نفسه تطابقاً مذهلاً مع معطيات العقل المحضة وتطلعاته وآفاقه. ([2])
ويؤكد "أحمد المهدي" أنَّ نجاح نظام التعليم يرتهن باتساقه مع ثقافة الأمة وهويتها الذاتية التي هي الهوية العربية الإسلامية…هذه الثقافة العربية الإسلامية قادرة على استيعاب كل جديد واقتباس كل مفيد،واستمرار الأخذ والعطاء الإبداعي من العالم وإليه،دون انغلاق أو تقليد غير رشيد.([3])
وبهذا فإن توضيح أسس إدارة الجودة الشاملة–الرؤية الإسلامية،لا يأتي إلا بعد توضيح مقومات وخصائص هذه الرؤية، وذلك لأن التصور هو الأصل الذي ينشأ عنه السلوك فينحرف بانحرافه أو يستقيم، وذلك أيضاً لأن كل الأنظمة الحياتية بما فيها الأنظمة التربوية الإسلامية ، إنما هي فروع تصدر عن ذلك التصور الكلي، ولا تفهم بدونه فهما صحيحاً عميقاً ومن ثم يأتي هذا الفصل ليحدد معالم بعض مقومات التصور الإسلامي التي تستند إليها الرؤية الإسلامية في العمل الإداري، وما تفرضه من متطلبات في البناء الإداري الإسلامي.
أولاً : نظرة الإسلام إلى "الألوهية" :
"أله" الهمزة واللام والهاء أصل واحد،وهو التعبُّد.فالإله الله تعالى،وسمِّى بذلك لأنه معبود،ويقال تألَّه الرجل:إذا تعبّد([4])،ويقال فلان يتألهُ:يتَعَبدُّ،وهو عابدُ مُتألِّهُ،والألوهية هي العبادة. ([5])
وقضية "الألوهية"هي محور ارتكاز الحياة البشرية كلها،لا يقوم لها بناء،ولا تستقيم لها حياة إلا إذا استقامت هذه القضية في نفوس الناس. ورسخت في ضمائرهم وصارت هي الأساس الذي يقوم عليه كل البناء…لذلك لم يكن مصادفة ولا اعتباطاً،أن أنفق القرآن ثلاث عشرة سنة كاملة في تقرير قضية واحدة أصيلة هي قضية الألوهية..وقضية الاعتقاد.([6])
وفي ذلك يقول "صاحب الظلال":أن القرآن المكي لم يتجاوز هذه القضية الأساسية إلى شيء مما تقوم عليها من التعريفات المتعلقة بنظام الحياة، إلا بعد أن علم الله –علام الغيوب– أنها استوقفت ما تستحقه من البيان،وأنها استقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان ، وذلك لأن الإسلام يقوم كله على قاعدة الألوهية الواحدة..كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير.([7])
والمنهج القرآني يزحم الشعور الإنساني بحقيقة الألوهية ويأخذ على النفس أقطارها جميعاً بهذه الحقيقة وهو يتحدث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته وآثار قدرته وإبداعه فتتمثل في الضمير البشري تلك الحقيقة،حقيقة الذات الخالقة لكل شيء.([8])
والله تعالى يشهد لنفسه بالألوهية،وكذلك يشهد له الملائكة وأولوا العلم بالألوهية،قال الله تعالى:]شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[(آل عمران:18)،ويقرر الله تعالى هذه الحقيقة لنبيه موسىu))،قال تعالى:]ِإنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي[(طـه:14)،ولنبينا محمد(r)،قال تعالى:]فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ[(محمد:19)،ويخبر الله عن نفسه بذلك فيقول:]هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ*هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ[(الحشر:22-23)،ويخبرها رسله عليهم الصلاة والسلام لأقوامهم،ويدعونهم إلى الاعتراف بها،وإلى عبادته تعالى وحده دون سواه،من ذلك:قول نوح لقومه:]يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[(الأعراف:59) ومثل نوح،هود وصالح وشعيب ما منهم أحد إلا قال:]يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[،وقول موسى لبني إسرائيل:]قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ[(الأعراف:140)،وقول يونس في بطن الحوت:]لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [(الأنبياء:87).([9])
والدعوة إلى الاعتقاد بوجود الله وألوهيته لم يكن مصدرها فقط الكتب المنزلة التي جاء بها الرُسل.حيث لابد أن يأتي الاعتقاد من مصادر "محايدة"،فكيف يعتقد الناس بالرسل قبل الاعتقاد بوجود الله،وفي هذا يقول "محمد عبده":"لقد اتفق المسلمون-إلا قليلاً ممن لا يعتد برأيه فيهم – على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوءات،وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله…فلا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله وبأنه يجوز أن ينزل كتاباً ويرسل رسولاً".([10])
لذلك كانت الفطرة البشرية مطبوعة على الإيمان،وكان العقل جواباً لرحاب الكون،وما فيه من تدبير ونظام،ولخلق الإنسان وما فيه من إعجاز وإتقان باحثاً عن اليد الفاعلة المدبرة الخالقة لهذا النظام.
والفطرة البشرية بها حاجة ذاتية إلى التدين وإلى الاعتقاد بإله،بل إنها حين تصح وتستقيم تجد في أعماقها اتجاهاً إلى إله واحد،وإحساساً قوياً بوجود هذا الإله الواحد([11])،والإنسان- حق لا يقبل المراء- يجب أن يؤمن ولا يستقر في وسط هذه العوالم بغير إيمان([12])،والعقل مزود بأدوات البحث والتنقيب،ومجهز بوسائل الإدراك والتمييز والاختيار.
لذلك كانت الدعوة إلى الاعتقاد بوجود الله وألوهيته، لم يعول فيها إلا على تنبيه العقل البشري وتوجيهه إلى النظر في الكون واستعمال القياس الصحيح،والرجوع إلى ما حواه الكون والترتيب وتعاقد الأسباب والمسببات ليصل بذلك إلى أن الكون له صانع واجب الوجود،عالم حكيم قادر،وأن ذلك الصانع واحد، لوحدة النظام في الأكوان.([13])
إن المنهج القرآني يتحدث عن وجود الله سبحانه وتعالى وقدرته وآثار هذه القدرة في صفحات الكون والحياة عامة،باعتبارها معرض لدلالة الصنعة على الصانع،حيث يخاطب القرآن الوجدان البشري بعظمة الصنعة الإلهية وجمالها وكمالها وتناسقها في هذا الوجود المشهود، قال الله تعالى:]أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ *وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ*تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ*وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ*وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ*رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ[(قّ:6-11).
وعلى هذا النحو يعرض المنهج القرآني حقيقة الألوهية متجلية في الحياة الإنسانية وأطوارها ووقائعها وكل أحداثها،قال الله تعالى: ]وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ*ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ*ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ*ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ[(المؤمنون:12-16)،واختلاف ألسنة الناس وألوانهم،وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والسعادة والشقاوة،وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه"([14]) ،قال الله تعالى:]وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [(الذريات:21).
وبالنظر في الكون والإنسان استطاع العقل البشري بما فيه من فطرة وحاجة تدفعه إلى التدين أن يصل إلى الاعتقاد بوجود إله،فمثلاً وصل قدماء المصريين إلى التوحيد،ولكن الناس منذ القدم تختلط رؤيتهم لصفات الله وأفعاله وكيفيات أفعاله وكيفيات تعلق مشيئته بالحوادث بالأباطيل والخرافات.([15])
لذلك كان التركيز في المنهج القرآني ليس مُنصباً على إثبات الوجود الإلهي،ولكنه منصب على وصف هذا الوجود بصفته الحقيقية وتعريفه بحقيقته للناس،وتصحيح ما علق به في تصوراتهم من انحرافات وتشويهات وأوهام وأضاليل. ([16])
إن المنهج القرآني يركز ابتداءً على التوحيد،وأن الله ذات واحدة متفردة لا نظير لها ولا شبيه،قال الله تعالى:]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[ (الإخلاص)،فذات الله ذات واحدة لا تتبعض ولا تندمج معها ذوات أخرى ولا تلتبس بها في صورة من صور الاندماج والتلبس،قال الله تعالى:]لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ[(الأنبياء:22).([17])
وكما أن الله هو"الإله"وحده،فهو وحده"الحي"الذي لا يدركه فناء ولا نوم،قال الله تعالى:]وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ[(الفرقان: 58)،وهو"العالم"وحده وإليه وحده العلم المطلق،قال الله تعالى:]عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً[(الجـن:26) وهو وحده القادر القاهر فوق عباده، الفعال لما يريد المطلق المشيئة بلا حدود ولا قيود،قال تعالى:]قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[(آل عمران: 47)،وهو وحده الرازق الكافل المتفرد بالرزق والكفالة،قال الله تعالى:]قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّه[(سـبأ: 24)([18]).
وما دام الله متفرداً بالألوهية وبالقوامة، فإن هناك عدة مقتضيات –مستلزمات– للإقرار العملي بهذه الحقيقة، تحقيقاً يترجم مظاهر الاعتقاد الصحيح بها إلى واقع حياتي شامل،ومنها:
· الاعتقاد الراسخ بأن الله واحد متفرد في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله لا شريك له في شيء من ذلك([19])،وأن يُثبتوا–المؤمنون–لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات،وينفوا عنه ما نفاه عن نفسه من مماثلة المخلوقات، فيخلصوا من التعطيل والتمثيل، ويكونوا في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل.([20])
· الإقرار بالعبودية لله وحده دون شريك، وألا يتخذ الناس بعضهم بعضاً من دون الله أرباباً لا نبياً ولا رسولاً، فكلهم عبيد لله([21])،قال الله تعالى:]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[(آل عمران:64)،وأن يُعبد الله بما أمر وشرع لا بغير ذلك من الأهواء والبدع، وذلك جماع الدين كما يقول "ابن تيمية":جماع الدين أصلان:أن لا يُعبد إلا الله،وأن لا يُعبد إلا بما شرع،لا يُعبد بالبدع. ([22])
· أن تشمل العبادة لله كل شاردة وواردة في حياة الإنسان وكل حركة وساكنه،قال الله تعالى ]قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[(الأنعام:162)،وأن يكون كل عمل يعمله الإنسان خالصاً فيه الوجهة والنية لله تعالى،قال تعالى:]الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً[(الملك: 2)،حيث سئل "الفضيل بن عياض"عن "أحسن العمل" فقال:أخلصه وأصوبه،فأما أخلصه:هو أن يكون لله وحده دون شريك،وأصوبه:أن يكون موافقاً لشرع الله وسنّة رسوله،وأن افتقاد أحد الشرطين دليل على عدم قبول الله العمل.([23])
· أن تحقيق العبودية لله وحده لا تكون كما أرادها الله إلا أن ترتفع راية:"لا إله إلا الله" كما كان يدركها العربي العارف بمدلولات لغته:لا حاكمية إلا لله،ولا شريعة إلا من الله،ولا سلطان لأحد على أحد، لأن السلطان كله لله([24])،فالله وحده خالق الكون وحاكمه الأعلى،وأن السلطة العليا المطلقة له وحده،وأن طاعة الله طاعة مطلقة تعد حقيقة أساسية لا يحق للإنسان أن يتخذ أسلوباً للعمل سواها([25])،وذلك لأن هذا الدين ليس عقيدة فقط،ولكنه عقيدة وشريعة–نظام– وليس دينا فحسب ولكنه دين ودولة.([26])
· أن يبحث الإنسان عن وجود الله في نفسه وفي آفاق الكون،حتى يتأله الله عن يقين صادق لا عن تقليد ومحاكاة،وفي ذلك يقول "محمد الغزالي" هناك من يؤمن بالله عن تقليد،ما أعمل فكراً ولا أدار بصراً–ما قيمة هذا الإيمان ؟ البعض رفضه،ولم يمنحه قيمة والبعض قبله على إغماض ولم يُعدَّ صاحبه كافراً.([27])
ويترتب على استقرار حقيقة الألوهية في أغوار النفس البشرية، والقيام بمقتضياتها وخصائصها الفاعلة في النفس والمجتمع العديد من الآثار أبرزها :
· أن رؤية حقيقة "الألوهية" في صورتها الكاملة الجميلة المريحة التي يجلوها المنهج القرآني ينشئ في القلب طمأنينة وأنساً وثقة بالله،كما ينشئ وضوحاً في الاتجاه واستقامة في المنهج،وتنقذ النفس من الحيرة بين شتى الآلهة والأرباب([28])،فيحقق ذلك للمسلم الشعور بالأمن والاستقرار،فالأمن هو جوهر الإيمان وأحد معانيه.([29])
· أن توحيد الألوهية يحرر الإنسان من كل خوف أو قلق،ويمنع عنه العبودية أو الانقياد والخضوع المذل لأحد من أهل الأرض ، وما ينشئه هذا التحرر من العزة والكرامة والرفعة([30])،ومن الطلاقة في التفكير والتعبير،والعمل والسعي الدءوب في الأرض،ومنه تأتي مرحلة الإبداع والبناء الحضاري.([31])
· أن الإنسان الذي يمتلئ حسه وضميره وقلبه وعقله وكينونته كلها بحقيقة الألوهية يصبح قوة فاعلة في هذا الكون،ويصبح ذا دور إيجابي في تحقيق غاية وجوده الإنساني،إن الإيمان بحقيقة الألوهية يجيء دائماً بمثابة"معامل حضاري" يمتد أفقياً لكي يصب إرادة الجماعة المؤمنة على معطيات الزمن والتراب،ويوجهها في مسالكها الصحيحة ويجعلها تنسجم في علاقاتها وارتباطاتها مع حركة الكون والطبيعة ونواميسها،فيزيدها عطاء" وقوة وإيجابية وتناسقاً،كما يمتد عمودياً في أعماق الإنسان ليبعث فيه الإحساس الدائم بالمسئولية ويقظة الضمير،ويدفعه إلى سياق زمني لا مثيل له لاستغلال الفرصة التي أتيحت له كي يفجر طاقاته،ويعبر عن قدراته التي منحه الله إياها على طريق "القيم" التي يؤمن بها والأهداف التي يسعى لبلوغها.([32])
· أن حقيقة "الألوهية" في هذه الصورة الناصعة المستقيمة الدقيقة لذات أثر قوى في تقويم العقل البشري وإنقاذه من ركام الأوهام والخرافات التي راكمتها شتى الوثنيات وإنقاذه كذلك من شتى التخبطات التي ضلت فيها الفلسفات...إن القرآن وهو يصحح صورة الألوهية في عقول البشر،كان يصحح في الوقت ذاته منهج التفكير العقلي بجملته،ويعلم الإنسان كيف يفكر تفكيراً صحيحاً، فيعتمد على عقله فيما هو من شئون هذا العقل ويستصحب دليل الوحي فيما وراء ذلك ليهتدي العقل بهذا الدليل القطعي،ولا يعتمد على الظن في قضية كبرى كهذه القضية.لذلك فالإسلام يصون الطاقة العقلية أن تتبدد وراء الغيبيات التي لا سبيل للعقل البشري أن يحكم فيها.([33])
· أن توحيد الألوهية يؤدي إلى تحقيق الوحدة والتماسك على مستوى الجماعة والمجتمع لأن توحيد الألوهية هو التزام في الوقت ذاته بتوحيد الوجهة ، فالمجتمع الذي يدين بالطاعة والعبودية لوجهة واحدة خالصة لا مجال فيه لتنازع الأهواء والرغبات،بل يصبح مجاله التآزر والوحدة في الكلمة والعمل . ويؤدي ذلك التوحيد أيضاً إلى إسقاط كل الانتماءات عن كاهل الإنسان غير انتمائه إلى ربه ودينه ، ويصبح ولاؤه ليس إلى أشخاص أو مؤسسات أو أحزاب ولكن انتماءه لله ودينه وما يتطلبه ذلك الانتماء من تبعات.([34])
· أن توحيد الألوهية يؤدي إلى تحقيق التكامل والشمول في تناول الظواهر البشرية والطبيعية،لأنها كلها صادرة عن إله واحد،فطبقاً لمفهوم التوحيد الذي يعني في أحد معانيه الوحدة والدمج،فلا سطوة للماديات على الروحانيات،أو للغيب على الواقع،أو للنظري على العملي،أو للديني على الدنيوي أو بالعكس،ذلك لأن الخالق المدبر للأمر كله واحد.([35])ويستتبع ذلك إلغاء الحواجز بين العلم والإيمان وبين العلم والعمل،والحواجز التي تفصل بين العلوم على اختلاف مشاربها ويؤدي إلى الترابط بين العلوم والمعارف استناداً إلى وحدة الواقع والمعرفة،ووحدة العالم ووحدة الطبيعة،والتي تدل جميعها على وحدانية الله.([36])
· أن توحيد الألوهية يعني وجود معيار مستقل عن البشر يؤمنون بصدقه وصلاحيته غير خاضع للزمان أو المكان مستقلاً عن الواقع بكل أبعاده سواءً البشرية أو الطبيعة،ذلك أن الحق في ظل حقيقة التوحيد واحد لا يتغير ولا يخضع للمصلحة،وإنما تحدده الشريعة الحاكمة النابعة من حقيقة التوحيد، أما في ظل غياب المعيار الإلهي تخضع الأمور للنسبية المطلقة،حين يرى كل إنسان أو كل مجتمع الحق قياساً على مصلحته.([37])
· أن القيم الأخلاقية في الإسلام تستمد من هذه الحقيقة الكبرى –الألوهية– إلزامها وإيجابيتها وفاعليتها:إلزامها لضمير الفرد اعتقاداً ولسلوكه عملاً–كما يحبه الله ويرضاه– كما تستمد ثباتها وعدم خضوعها لأية تصورات أو مقولات غير ربانية..ولهذا وذاك قيمته الإيجابية الكبرى في فاعليتها في واقع الحياة.([38])
ومن ثم كان هذا الإيمان–بالألوهية والربوبية–"مدرسة خُلقية وتربية نفسية تُملى على صاحبها الفضائل الخلقية وتملى عليه قوة الإرادة وسلامة النفس عند تطبيق تلك الفضائل ومحاسبة النفس والإنصاف منها إن قصّرت فيها.ولذلك كان الإيمان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق وعلم النفس عن الزلات الخلقية والسقطات البشرية.([39])
واستقرار حقيقة الألوهية في ضمائر أبناء الشعوب الإسلامية وفي فجاج عقولهم لهو المحك الذي يقاس عليه مدى قدرتهم على انتشال أمتهم من الوهن الحضاري القائم وإعادة سريان الروح في شريان حضارتهم وفي مجال العمل في إدارة وتسيير مؤسسات التعليم فإن استقرار حقيقة الألوهية في نفس الإدارة والمعلمين والطلاب، يدفعهم إلى :
- إخلاص العمل لله تعالى،وما ينشئه هذا الإخلاص من قوة دافعة تحث على الإنجاز المبدع والعمل المتقن .
- دوام مراقبة الله في السر والعلانية،وتعميق دور الرقابة الذاتية في أداء الأعمال والقيام بالمسئوليات.
- تحمل المسئولية الفردية والجماعية عن أداء العمل وما يتطلبه ذلك من التعاون والمشاركة مع الآخرين وأداء وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تساهم في تصحيح ومنع الأخطاء.
- مقايسة ومعايرة كل سلوك يصدر عنهم على ضوء الشريعة الإسلامية، بحيث تصبح الحاكمية المطلقة لله، وفي الوقت ذاته بناء معايير لكل عمل أو أداء تقيس مستوى جودته بحيث لا تُعارض ثوابت الشريعة.
- ممارسة حرية الرأي والنصح والتوجيه، وتعميق أسس الشورى في العمل التعليمي دون رهبة من سلطان أو خوف من طغيان.
- إطلاق العنان للعقل البشري للبحث والتنقيب والإبداع، ذلك في منطقة عمله، والاسترشاد بالوحي كدليل قطعي فيما وراء ذلك حتى تصان الطاقة العقلية من التبدد.
- إزالة الحواجز بين العلم والإيمان والعمل،وبين العلوم المختلفة،وتعميق النظرة إلى وحدة المعرفة،والعمل على تحقيق التكامل والاندماج بين العلوم والمعارف المختلفة، وبين أدوار الوحدات الإدارية المتنوعة.
- المحافظة على البناء الأخلاقي للمجتمع التعليمي،وتفعيل أخلاقيات الدين التي تتفاعل مع بعضها وتتشابك لتحقق أخلاقية العمل والإدارة التعليمية.
- توحيد الانتماءات والولاءات المتباينة في انتماء وولاء واحد يكون لله وحده وما يستتبعه ذلك من تبعات الوحدة والتماسك،والسعي الدءوب لتحقيق صالح المجتمع التعليمي الذي يحقق مقصود الدين.
ثانياً : نظرة الإسلام إلي الكون :
الكون وما فيه من آيات الله الناطقة برهان من البراهين الساطعة التي تقول بأن هذا الكون له مدبر يدبر أمره،وإليه يرجع الأمر كله وهو علي كل شيء قدير.([40])
وهذا الكون–كما يقرر المنهج القرآني–كون مخلوق حادث،وليس بالقديم الأزلي،كما أنه لم ينشأ من ذات نفسه..لقد خلقه الله تعالي خلقاً،وأنشأه إنشاءً بعد أن لم يكن،سواءً في ذلك مادة بنائه الأساسية أو الصورة التي ظهرت فيها.ولم يشارك الله تعالي أحد في خلق هذا الكون ولا في خلق شيء منه.سواء في ذلك مادته أو صورته،إن الله هو الذي أعطي كل شيء خلقه وأعطي كل شيء صورته،وأعطي كل شيء وظيفته([41])،قال الله تعالي:]اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[(الزمر:62)،وقال:]مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً[(الكهف:51).
وكما أن الكون مخلوق حادث،فهو أيضاً كون هالك فانٍ، فهو مخلوق لأجل مسمي،فإذا انتهي أجله هلك وذهب..هذا هو مصيره الأخير الذي ينص عليه قول الله تعالي:] كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه[(القصص:88)،وقوله:]مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً[(الروم:8). ([42])
والكون بين حدوثه وفنائه تشهد جميع مظاهره ومحتوياته تغير وحركة دائمة مستمرة حسب السنن والغاية المرسومة له من خالقه . فالعالم في صيرورة دائمة ، وليس هو بالعالم السكوني الجامد.فتيار التغير دافق سيال،خصوصاً فيما يتصل بالأوضاع الاجتماعية للإنسان([43])
والكون في التصور الإسلامي وحدة من غيب-غير محسوس-وشهود-محسوس-والكون المغيب هو الذي يسمي"عالم الغيب"،وهو عالم لا يدخل في حدود الكون المادي الذي يمكن أن تُدرك مكوناته بالحواس،ومن أمثلة هذا العالم:الروح،والملائكة،والملأ الأعلى.والكون المادي المحسوس يسمي"عالم الشهادة ".وهو عالم تشهده الحواس وتدركه العقول فتتجاوب مع ظواهره وتحاول اكتشاف([44])أسراره ومعالمه التي خفيت عنها بقدر رقيها واكتمال نضجها،ومن أمثلة هذا العالم:السماوات،والأرض،والجبال،والشمس،والقمر،والبح ار،والدواب والإنسان .
والعالم بهذا نوعان:عالم المادة،الواقع المادي المحسوس الذي يمكن إخضاعه حاضراً أو مستقبلاً للملاحظة والتجربة الحسية،وعالم الروح الذي هو عالم الخير والجمال والمثل العليا الذي يلوذ به الإنسان من وطأة الواقع المادي ليجد فيه أمنه النفسي وراحته النفسية وسعادته الحقيقية وغذاءه الروحي...والحياة الكاملة في الإسلام لا تتحقق إلا بالمادة والروح معاً.([45])
إن الحواس تتعامل مع الكون المادي-عالم الشهادة-تعاملاً كاملاً يشمل السمع والبصر وما يؤديان إليه من ملاحظة وقياس واستنباط وتجربة وتعلم واختراع واستغلال،والأفئدة التي تتعامل مع عالم الغيب،فتؤمن بالله وتتلقى عنه وتعمل بمقتضى وحيه...بلا تعارض ولا تنازع ولا شتات.([46])
أما العقل فتختلف وظيفته عند تعامله مع عالمي الغيب والشهادة،ففي حين لا يُترك للعقل أن يسبح فيما ليس للإنسان به علم من أحوال عالم الغيب،نظراً لعدم الفائدة المرجوة من الخوض في هذا العالم،قال الله تعالي:]وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً[(الإسراء:36)،تُترك للعقل الحرية الكاملة في أن يبحث في العالم المادي المشهود،ينقب عن أسراره ويبحث في أطواره سعياً لكشف المجهول منه،بهدف استثمار خيراته لتحقيق مهام الاستخلاف وعمارة الأرض([47])،قال الله تعالي:]قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[(يونس: 101).
والكون بكل ما فيه من عناصر وأجزاء يسير في حركة حسب سنن ونواميس معينة دقيقة وحسب علاقات منتظمة تدل علي وحدة التدبير والنظام،وتجعل ملاحظها ومُدركها يشعر أنه أمام تناسق مطلق وجمال معجز وتدبير محير،لا يملك معه إلا التسليم بوحدة المدبر([48])،قال الله تعالي:]مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ[(الملك:3) وقال:]صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء[(النمل:88)،أي صنع الله الذي أحسن وأحكم كل شيء صنعاً.([49])
والكون لا يخضع في حركاته وظواهره لحتمية آلية،ولكنه يخضع لمشيئة الله وقدرة.. والظواهر الكونية - ولو أنها ناشئة من طبيعة تركيب هذا الكون–إلا أنها هي الأخرى مدبرة،ومسيرة مسخرة تتحقق بقدر الله تعالي وتتوجه وفق مشيئته([50])،قال الله تعالي:]لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[(يّـس:40) والتناسق والتوافق في الكون لا يقفان عند حدود الدقة والانتظام والضبط،ولكن التناسق والتوافق فيه يتجهان إلى الكمال والجمال والحسن والزينة...إن عنصر الجمال مقصود قصداً في بناء الكون،وفي ظواهره وفي الحياة المبثوثة فيه،وإيقاظ حاسة الجمال في البشر مقصود كذلك قصداً في المنهج القرآني...ومن أجل هذا تتكفل عقيدة الإنسان الصحيحة الرفيعة في الإسلام،أن توقظ مشاعره إلى الجمال في الكون وفي الحياة المبثوثة فيه وإلى بدائع صنع الله في الكون والحياة([51])،قال تعالى:]بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض[(البقرة:117).
ولأن الوجود وحده متكاملة الأجزاء،متناسقة الخلقة والنظام والاتجاه،بحكم صدوره المباشر عن الإرادة الواحدة المطلقة الكاملة،كان مهيأ وصالحاً ومساعداً لوجود الحياة بصفة عامة ولوجود الإنسان بخاصة فليس الكون عدواً للحياة ولا عدواً للإنسان،وليست الطبيعة خصماً للإنسان يصارعه ويغالبه،إنما هي من خلق الله،وهي صديق لا تختلف اتجاهاته عن اتجاهات الحياة والإنسان،([52])قال الله تعالى:]وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَار*وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ[(إبراهيم:32-33) ،وقال تعالى:]هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ[(الملك:15) .
إن من شأن كل هذه الحقائق أن توحي إلى قلب المؤمن بالاطمئنان إلى هذا الكون الذي يعيش فيه وبالسلام معه ومع الأحياء...إن السلام الروحي ضروري للإنسان.وأولى مراحل السلام الروحي وأكبرها هي السلام مع الكون الذي يعيش فيه، والتعامل معه ومع كل شيء فيه بروح الصداقة والود وليس بروح التصادم والصراع "انتصاراً على الطبيعة"وقهراً لها وللسيطرة عليها كما في المدنيات الحديثة.([53])
ومن شأن هذه الحقائق أيضا أن تنبه المؤمن إلى ضرورة استثمار كل ما في الطبيعة، وأن يسعى في الأرض ويجد ويكد فيها مستخدماً كافة إمكانياته من أجل أن ينتفع بكل ما أودعه الله في هذا الكون من كنوز وخيرات،على الوجه الأمثل دون إسراف في استغلال تلك الخيرات ودون جور أو تعدي يُفسد جمال الطبيعة وصلاحها حتى يحقق بذلك مقام الخلافة في الأرض لتعميرها وتنميتها وترقيتها،قال الله تعالى:]وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ[(الأنعام:141) وقال تعالى:]وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[(البقرة:190).([54])
ومن شأن هذه الحقائق أن تجعل لفلسفة التمدن والعمران الإسلامي خصوصيتها بما تقوم عليه من توازن بين الجانب الروحي والجانب المادي،حيث لا صلاح للدين إلا بالدنيا،ومن ثم فصلاح الدنيا مطلب شرعي وضروري لصلاح أمور الدين،وهل يمكن أن يستقيم دين قوم لا يعملون ولا ينتجون ويعيشون في ضيق وفقر وحاجة.([55])
ومن شأنها أن تعود العقل على دقة النظر وانضباط الأحكام،إن الإسلام يدفع الإنسان دفعاً ويأمره أمراً أن يتفكر في خلق السماوات والأرض وأن يقتحم مجاهل الفضاء،كما يقتحم أغوار الأرض وأعماق المحيطات بحثاً عن الحقيقة([56])،لذلك كان المسلمون هم الذين وضعوا أساس المنهج التجريبي..متأثرين فيه بطبيعة الإسلام وبالأوامر القرآنية المتلاحقة بالتفكر والتأمل والتدبر في السماء والأرض وفي النفس،وبترجمة الفكر النظري إلى واقع عملي بدلاً من التحليق في آفاق الخيال.([57])
ومن شانها أخيراً أن توقظ في النفس البشرية حاسة الجمال وتدفعها إلى إقامة التناسق والنظام والدقة في كل فعاليات حياتها،حيث تتجسد قيم الجودة والإتقان في سلوكيات الناس وواقع حياتهم.
وتنعكس رؤية الإسلام وتصوراته حول حقائق الكون على رجل الإدارة المسلم،وذلك من خلال :
- ما توحيه هذه الحقائق للقلب البشري من تقوى الله الصانع والتوجه إليه في كل أمر ومراقبته.
- ما تتركه من "أمن نفسي" لديه،حيث يحيا في بيئة صديقة للإنسان لا تصارعه ولا يسعى لقهرها.
- ما تعود عليه العقل من دقة النظر والتأمل والبحث والتنقيب والمزيد من الإبداع والابتكار.
- ما تدفع به الإنسان نحو استغلال الإمكانيات على الوجه الأمثل دون هدر أو إسراف أو تقتير .
- ما تعوده عليه من حب الجمال وتنمية حاسة النظام والتناسق والرغبة في الإتقان والجودة في أداء عمله .
- ما تدفع به الإنسان نحو استغلال البيئة الاستغلال الأمثل وربط أنشطة التعليم باحتياجات البيئة وسوق العمل .
- ما تلفت نظره إليه من أن التربية السليمة إنما تتحقق عن طريق تفاعل الفرد مع الكائنات والأشياء المحيطة ومع البيئة العامة التي يعيش فيها،حيث لا تتأثر تربية البشر وأخلاقهم فقط بعوامل البيئة الاجتماعية بل تتأثر أيضاً بعوامل البيئة الطبيعية المادية.([58])
ثالثاً : نظرة الإسلام إلى الإنسان :
الإنسان هو محور العمل التربوي وصفته، ذلك لأن التربية عملية إنسانية تقوم على الإنسان،سعياً به للحياة الفاعلة في المجتمع الإنساني،ومن ثمّ فإن تحديد طبيعة وماهية الإنسان – سواءً كفرد أو في جماعة – يعد عصب أي نظرية أو عمل تربوي.
وعلى قدر مسايرة أنشطة التربية وآلياتها للطبيعة الإنسانية تكون قدرتها على تحقيق أهدافها([59])،لذلك فالإطار التربوي الإسلامي يجب أن يبدأ من تحديد صورة الإنسان كما يريدها القرآن الكريم والسنّة النبوية أساساً، لأنه يتوقف على تحديدها بدقة، تحديد النمط التربوي الذي يتم في ضوئه تربية هذا الإنسان وتحقيق النوعية التربوية التي تحقق مستوى الإنسان في القرآن والسنّة.([60])
الإنسان في تصور الإسلام هو ذلك الكائن المزدوج الطبيعة:المكون من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، ممتزجتين مترابطتين غير منفصلتين([61])،قال الله تعالى:]إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ*فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ[(صّ:71-72) .
لذلك فالإنسان فيه جانب الجسد وحاجاته المادية وما يتعلق به من الشهوات والسوءات والعورات التي تنزع بالإنسان إلى الطبيعة الطينية ، جنباً إلى جنب مع الإدراك والضمير والتسامي الذي يتعلق بالروح وبهذين الجانبين تتعلق حياة الإنسان دائماً بالصراع فيما بين تطلعات الجسد المادي الطيني وشهواته وحاجاته ، وتطلعات الروح وأشواقها من القيم والمبادئ.([62])
ومن ثمّ لا يكون الإنسان قبضة طين خالصة فيهبط كالجماد أو الحيوان ، ولا نفخة روح خالصة فيؤلّه أو يتأله ، إنما هو مزاج من الطين ونفخة الروح([63]) ، ولذلك فمن أعطى الجزء الطيني فيه غذاءه وريه مما أنبتت الأرض ، ولم يعط الجانب الروحي غذاءه من الإيمان ومعرفة الله ، فقد بخس الفطرة الإنسانية حقها وجهل قدرها، وحرمها ما به حياتها.([64])
والإنسان هو أكرم مخلوقات الله على الأرض، بل هو كائن من كائنات الملأ الأعلى،لا تعلو قيمة فوق قيمته–حتى الملائكة–قال الله تعالى:]وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[(الإسراء:70).وذلك لأن إنسانيته لم تتكون ولم تتشكل إلا بعد أن نفخ الله فيه من روحه،وكذلك بحكم المعجزة الإلهية الكبرى فيه وهي عقله،الذي وعى الأسماء كلها كما علمه ربه([65])،قال الله تعالى:]وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[ (البقرة:31)،وقال تعالى:]خَلَقَ الْإنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[(الرحمن:3-4)،وذلك إعداد له وتهيئة حتى يتولى خلافة الله في الأرض ليعمرها ويرقيها وفق منهج الله.
إن الإسلام منذ ظهوره قد مجد الإنسان ورفع شأنه،بإعلان أن الإنسان هو خليفة الله في أرضه قال تعالى:]إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[(البقرة:30)،فمكان الإنسان في القرآن الكريم هو أشرف مكان له في ميزان العقيدة وفي ميزان الخليقة التي توزن بها طبائع الكائن بين عامة الكائنات([66]).
وخلافة هذا الكائن–الإنسان–في الأرض مشروطة ومقيدة بعهد الله وميثاقه:أن يستقيم هذا الكائن على هداه ومنهجه وشريعته،وأن يُخلص العبودية له،وألا يدعي شيئاً من خصائص الألوهية،وأن يجعل سعيه كله لله الذي استخلفه في هذا الملك العريض،وأن يُحكّم منهج الله في ذاته وفي حياته.([67])
إن الإنسان لم يخلق لمجرد أن يأكل ويشرب ويتكاثر ويلهو،وإنما خُلق الإنسان لغاية أسمى وهي عبادة الله تعالى،قال الله تعالى:]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[(الذاريات:56)، فالإنسان لم يُخلق لنفسه وإنما خُلق لله تعالى..لمعرفته وعبادته وأداء أمانته في الأرض.([68])
وحتى يحقق الإنسان غائية خلقه على نحو ما أراد الله له،زوده الله بالإمكانات والخصائص التي تؤهله لذلك،يقول "سيد قطب" خصائص الإنسان وطاقاته واستعداداته كلها ملحوظ فيها وظيفته..وظيفة الخلافة في الأرض..ومقدرة بقدرها ومحدودة بمقتضياتها.([69])
إن الإنسان يولد مزوداً بالعقل والإدراك اللذين ميَّزه الله بهما ، ومن ضرورات العقل والإدراك وجود ملكة التفكير والتدبر والبحث والنظر،وتوليد الأفكار،وتصميم إبداعات العمران وإتقان الصنعة في حياته،واتخاذ دليل له في دروب الحياة،مما يعينه على فهم معنى الحياة وتحمل أعبائها ومسئولياتها.([70])
ولقد ترك الله تعالى للعقل حرية التجول في آفاق هذا الكون العريض ما شاء صاعداً إلى الأفلاك وهابطاً إلى الأرض،قال الله تعالى:]قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[(يونس:101)،وترك له التأمل في مكنونات النفس،قال تعالى:]وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ*وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ[(الذاريات:20-21)،وذلك حتى تستقر في نفسه حقيقة الألوهية والعبودية لله.وترك الله تعالى للعقل فرصة أن يبتكر ويخترع في وسائل الحياة وأمور الدنيا ما شاء،ما دام ملتزماً حدود الحق والعدل،قال الله تعالى:]وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا[(القصص:77)،وفي هذا قول النبي(r)في قصة تأبير النحلأنتم أعلم بأمر دنياكم)([71])
وكذلك ترك الله تعالى للعقل أن يستفيد من تجارب الآخرين،وينتفع بتراث السابقين،قال تعالى:]فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[(النحل:43)،وقال الرسول(r)الكلمة الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها).([72])
وبالإضافة إلى العقل والإدراك، وهب الله تعالى الإنسان الفطرة السليمة غير الملوثة بخطيئة أو المثقلة بذنب،قال الله تعالى:]فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ[(الروم:30)،وقال الرسول(r)ما من مولود إلا يولد على الفطرة)([73])،والفطرة هي معرفة الله وتوحيده.([74])وجعل الله فطرة الإنسان أكثر استعداداً للاستجابة لهاتف الإيمان فالإيمان حاجة فطرية،كما أنه حاجة عقلية لا يملك الإنسان أن يستغني عنها،وهي مركوزة في كينونته وهو مفطور عليها.([75])
وحتى يحقق الإنسان غاية خلقه وهبه الله تعالى أيضاً أدوات الإدراك والتدبر،قال الله تعالى:]وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[(النحل:78)،وفضلاً على إمكاناته الذاتية التي وهبها الله له،فقد سخر له الكون كله، قال تعالى:]وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه[(الجاثـية:13)،وجعل الله له الأرض ذلولا يمشي في مناكبها ويأكل من رزقه الذي سخره الله له،قال تعالى:]هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ[(الملك:15)،وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة،قال تعالى:]أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة[(لقمان:20)،كل ذلك حتى يكون الإنسان أهلاً للخلافة،وقادراً على عمارة الأرض والقيام بمقتضيات التكليف.
وحتى يحقق الإنسان أمانة التكليف،وهبه الله تعالى أيضاً إرادة وقدرة، ذلك لأن حرية الإرادة ليست في الواقع إلا عنصراً جوهرياً من كلّ لا يتجزأ،وهو الحرية الممنوحة للإنسان بمقتضى اطلاعه بحمل الأمانة...فكيف يتصور أن يتحمل الإنسان الرشيد تبعة التكليف إذا فقد الاختيار الذي هو شرطه.([76])
ولكن إرادة الإنسان تسير في فلك إرادة الله المطلقة في توازن دقيق، فالحرية المطلقة لدى الإنسان لا وجود لها،قال الله تعالي:]وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ[(الإنسان:30)،كما أن حريته لا يمكن أن تُلغي،لأن إطلاقها تحويل الإله إلي مجرد فكرة ساكنة عاجزة،وفي إلغائها إلغاء لاهتمامات الإنسان،إذن فليس الإنسان مجبراً علي طول الخط،ولا حرا علي طول الخط وإنما تجمع أفعاله بين إرادة حرة وجبر في توازن فلا إلغاء لوجود الإنسان ولا إيقاف لقدرة الله([77])،قال الله تعالي:]إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم[(الرعد:11).
إن الإسلام يُثبت للمشيئة الإلهية الطلاقة،ويثبت لها الفاعلية التي لا فاعلية سواها ولا معها،قال الله تعالي:]قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[ (التوبة:51).وفي الوقت ذاته يثبت للمشيئة الإنسانية الإيجابية،ويجعل للإنسان الدور الأول في الأرض وخلافتها،وهو دور ضخم يعطي للإنسان مركزاً ممتازاً في نظام الكون كله،ويمنحه مجالاً هائلاً للعمل والفاعلية والتأثير ولكن في توازن تام مع الاعتقاد بطلاقة المشيئة الإلهية.([78])
وهذه الإرادة الممنوحة للإنسان،تلقي عليه تبعة اختياره وتُحمِلَه مسئولية عملة،فالإرادة الحرة تلازمها المسئولية،والمسئولية تمثل الوجه الآخر لمنطلق الخلافة ومفهومها في تكوين العقلية الإسلامية([79])،حيث أن الإنسان ليس مخلوقاً عبثاً،وليس متروكاً سدي،إنما هو مسئول في الدنيا والآخرة عن أفعاله قال الله تعالي:]أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ[(المؤمنون:115)،وقال تعالي:]أَيَحْسَبُ الْإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً[(القيامة:36)
ولقد قرر الإسلام بوضوح وحسم المسئولية الفردية،مسئولية الإنسان عن نفسه،فلا يجوز في منطلق العدل الإلهي أن تحمل نفس وزر أخري،فكل نفس مسئولة عن عملها وحدها([80])،قال الله تعالي:]وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[(الأنعام: 164) وعندما يقرر الإسلام المسئولية الفردية ، لا يجعل الفرد مسئولا أمام الدين أو المجتمع فحسب ، بل يجعله مسئولاً أمام نفسه أيضاً ، فالإسلام يقرر مسئولية النفس عن ذاتها ، ذلك فالفرد المسلم يقف من نفسه موقف الرقيب ، يهديها إن ضلت،ويمنحها حقوقها المشروعة ويحاسبها إن أخطأت ويتحمل تبعة إهماله لها.([81])
وهنا يهتم الإسلام ببناء الضمير الخلقي الواعي المتفاهم مع النفس،والذي يُذّكرها باستمرار بأهداف الحياة العليا ، ويهتم ببناء هذا الضمير منذ الطفولة ، ويدع له تهذيب النفس والارتفاع بمشاعرها على أساس الغيرية ، وعلى أساس أن يقيم الإنسان من نفسه رقيباً على أعماله يزجره عن إيذاء غيره أو الاعتداء على حقوق الآخرين، ولو كان لا يحبهم،([82])قال الله تعالى:]وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[(المائدة:8).
وبالإضافة إلى المسئولية الفردية،قرر الإسلام المسئولية الاجتماعية، مسئولية الفرد عن جماعته التي ينتمي إليها وعن مجتمعه الذي يعيش فيه،قال(r)ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).([83])
وذلك لأن الإسلام عندما يُقر ويؤكد الكيان المستقل للفرد،يقرر أن المجتمع يستمد وجوده من كيان الفرد.والفرد يحقق ذاته من خلال التعامل مع المجتمع([84]).ويقرر أن نوازع التجمع مركوزة في فطرة الإنسان كنوازع الفردية سواء بسواء،ونوازع التجمع تبدي نفسها في شتى المستويات وفي شتى الأنواع([85])،قال الله تعالى:]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[(الحجرات:13)
ومن ثمّ فالنظام الصالح في الإسلام هو الذي يوازن بين دوافع الفرد ومصالحه، وبين ضفتيه المكونتين له،كفرد مستقل، وعضو في جماعة.([86])والإسلام بهذا يسعى إلى إيجاد "أمة وسطاً" لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة ولا تطلقه كذلك فرداً أثراً جشعاً لا هم له إلا ذاته..إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء ، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه . ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو ، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة المجتمع والجماعة،وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادماً للجماعة،والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق.([87])
والإنسان في الإسلام مكلف تكليفاً شخصياً بتغيير المنكر، سواء وقع عليه هو أم وقع على أي مسلم في أقصى الأرض طالما استطاع إلى ذلك سبيلاً،قال رسول الله(r)من رأى منكم منكراً فليغيره بيده،فمن لم يستطع فبلسانه،فمن لم يستطع فبقلبه،وذلك أضعف الإيمان)([88]) وبالإضافة إلى المسئولية الفردية عن تغيير المنكر تأتي المسئولية الجماعية،مسئولية الجماعة عن إقامة الحق ورفع الظلم، ومسئوليتها عن إقامة المجتمع النظيف الذي يقيم المعروف ويمنع المنكر،قال الله تعالى:]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[(آل عمران:104)،وقال الرسول(r)والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر،ولتأخذن على يد الظالم،ولتأطرنه على الحق أطراً،ولتقصرنه على الحق قصراً،أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض).([89])
والإسلام عندما يقرر تكاليفه على المسلم،فإنه يراعي فيها أن تكون كلها من الفطرة ولتصحيح الفطرة،لا تتجاوز الطاقة ولا تتجاهل طبيعة الإنسان وتركيبه،ولا تهمل طاقة واحدة من طاقاته لا تطلقها للعمل والبناء والنماء،ولا تنسى حاجة واحدة من حاجات تكوينه الجسماني والروحي لا تلبيها في يسر وسماحة وفي رخاء.([90])
وعندما يقرر الإسلام تكاليفه،فإنه يراعي أيضاً التفاوت الفطري بين الناس،فليس كل الناس على درجة واحدة من الطاقات والاستعدادات،فالناس مختلفون في طاقاتهم الفردية واستعداداتهم الجسمانية والفكرية والنفسية،لذلك قال الله تعالى:]لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا[(البقرة: 28).
إن اختلاف الاستعدادات بين فرد وفرد من هذا الجنس–البشري–سنّة من سنن الخالق لتنويع الخلق –مع وحدة الأصل والنشأة – لتقابل هذه الاستعدادات المختلفة وظائف الخلافة المختلفة المتنوعة.وما كان الله ليجعل الناس جميعاً نسخاً مكررة…على حين أن الوظائف اللازمة للخلافة في الأرض وتنمية الحياة وتطويرها منوعة متباينة متعددة…أما وقد مضت مشيئة الله بتنويع الوظائف فقد مضت كذلك بتنويع الاستعدادات. ليكون الاختلاف فيها وسيلة للتكامل([91])،قال الله تعالى:]وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ[(هود:118).
والإنسان في الإسلام بمقتضى الإرادة الممنوحة له ليختار بها ، وبمقتضى قدرته على الارتفاع والسمو بحاجاته ،قدرته على الهبوط بها ، بمقتضى ذلك يُترك في الأرض ليعمل ، ثم يجازي على عمله يوم الجزاء ثواباً كان أو عقاباً،قال الله تعالى:]وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[(الشمس:7-10).([92])

العمل المؤسسي معناه ومقومات نجاحه

عبد الحكيم بلال
لعل من أخطر ما تعانيه الأمة الإسلامية : غياب الروح الجماعية.

ولقد انعكس هذا الواقع على الفكر -كما للأخير انعكاس عليه- فصار من عللنا الفكرية : ممارسة التفكير بطريقة فردية، ومنها أيضاً : نمو التفكير في شؤون الفرد على حساب التفكير بشؤون المجتمع. وعليه : فإن الفقه المتعلق بشؤون الفرد وحركته وحقوقه وواجباته ظل أكثر نمواً من الفقه الذي يهم الجماعة، ففُصِّلت الفروض العينية، وبقيت الفروض الكفائية -والتي تصير عينية بالتقصير فيها- بقيت عند بعضهم عائمة..

كمسألة : كفاية الأمة في كل جوانبها..
وكمسألة : أهل الحل والعقد، وبيان تشكيلهم، ودورهم..
وبقيت الدراسات التي تتناول أبنية المجتمعات الإسلامية التاريخية ومشكلاتها وأطوارها محدودة؛ ونتيجة لذلك فقد رأينا سجل التاريخ حافلاً بالمآثر الفردية ضامراً في الأعمال الجماعية.

والسبب أن الوعي المدني لم يتم تنظيمه بشكل كافٍ، فهو بحاجة إلى المؤسسات المختلفة(1).

ولقد تأصلت فكرة الفردية اليوم، ثم تأزم الموقف حين ورث كثير من الدعاة إلى الله-تعالى- ذلك المرض من أمراض التخلف الحضاري، فلا تزال ترى اليوم كثيراً من التجمعات الإسلامية محكومة بعقلية الفرد، تعيش مركزية القرار، رغم ازدياد التحديات، وتوالي المحن، وتفاعل الأزمات.

ولئن كان بعض الدعاة في العقود الماضية يسعون إلى مجرد الانتشار الأفقي للدعوة، فإنه لا يقبل من أحد اليوم التفكير بعقلية تلك المرحلة؛ فلقد صارت الصحوة اليوم معادلة صعبة في الموازين العالمية، والخطر الأوحد أمام الأنظمة الغربية، بل نستطيع القول : إن كثرة الأتباع غير الواعين أصبح يمثل هاجساً للدعاة والمصلحين أنفسهم.

وعليه فلا بد من مراجعة أساليب العمل الدعوي اليوم. كما أنه من الضروري العناية بتنمية الفكر الجماعي، وأسلوب العمل المؤسسي المحكم الذي صار أسلوب القوة والتحدي في هذا الزمان، ويكفي برهاناً من الواقع أن الدول الكبرى في الوقت الحالي دول مؤسسية ليست مرتبطة ارتباطاً كلياً بالأفراد؛ فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً هي بجملتها مؤسسة ضخمة تضم في ثناياها عدداً هائلاً من المؤسسات مختلفة التخصصات، ولا تتغير استراتيجياتها الرئيسة بتغير أفراد حكوماتها إلا من منطلق جماعي.

وفي هذه المقالة : محاولة لتأصيل الفكر الجماعي، وبيان معنى العمل المؤسسي، وتحديد المراد به، ثم عرض شيء من مزاياه وفوائده، وبعض أسباب تقصير الدعاة في الأخذ به، ثم ذكر مقومات نجاحه. وما هذا الطرح إلا إثارة للموضوع؛ ليأخذ طريقه إلى حوار جاد(2).

نحو وعي أعمق للروح الجماعية :
إن تغيير واقع الأمة يتطلب في المستوى الأول تغيير النفوس، ومن عناصر ذلك التغيير : تعميق الفهم، وتجديد الفكر، وتصحيح المفاهيم التي من أهمها : مفهوم الفرد، والجماعة، وهو - بحمد الله - مفهوم في غاية الوضوح.
إن الفرد هو العنصر الأساس في بناء الأمة، ولكن شرط قيامه بدوره الأكمل هو تعاونه مع بقية أفراد الأمة.
والأمة التي يتعاون أفرادها هي أمة الريادة؛ لأن تعاونهم يضيف كل فرد إلى الآخر إضافة كيفية لا كمية، ومن ثم تتوحد الأفكار والممارسات من أجل تحقيق رسالة الأمة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي صحابته على الروح الجماعية، روح الأمة، كما ضرب مثلاً - للمجتمع - بقوم أقلَّتهم سفينة، إن أراد أحدهم خرقها وجب على الجميع الأخذ على يده، وإلا غرقوا جميعاً(3)؛ فالمسؤولية في بلوغ الريادة تقع على الأمة جميعاً في مقابل أمة الكفر.
والعودة بالناس إلى روح الأمة يستدعي إجراءات، أولها : فك الارتباط القائم بين العمل الإسلامي والأُطُر الحزبية الضيقة(4)؛ ليتقبل العمل الإسلامي الاستراتيجية الصائبة الموصلة إلى الهدف، سواء انبعثت من داخله أو خارجه.
وهذا يجرنا إلى الإجراء الثاني المتمثل في تنمية الصفات التي تحقق التفاعل بين الأفراد وتعميقها، كالأخوة، والشورى، والتواصي بالحق وبالصبر، والعطاء المتبادل، والقدرة على التجميع، مع موالاة الأمة، لا الحزب.
ولا بد في ذلك من تحقيق التوازن بين الروح الفردية والروح الجماعية، وهذه مهمة التربية المتوازنة التي لا تحيل الأفراد أصفاراً، وأيضاً لا تنمي فيهم الفردية الجامحة، بل توفر لهم المناخ المناسب لتنمية شخصياتهم، مع اختيار أساليب العمل التي تحول دون التسلط، وتنمي المبادرات الذاتية، وترسخ الشورى.
ويكفل كلَّ ذلك إجراءٌ ثالثٌ يحوِّل العمل من أسلوب المركزية في اتخاذ القرار وتطبيقه ومراقبة تنفيذه إلى أسلوب المشاركة التي تُحسِّن الأداء وتنمي الشخصية، فيلتقي نموها مع روح الفرد التي أثمرها التعاون فيزداد التفاعل وتتكامل الجهود.
إن الجماعة والتنظيم في الإسلام يعني كلٌ منهما : "التعاون" و "العلمية" أي تعاون الجهود في خطة يضعها العلم؛ فجوهر الجماعة وحقيقة التنظيم إنما هو التعاون بين المسلمين، والتكامل بين نشاطاتهم في طريق التمكين لشريعة الله، وإقامة دولة الإسلام، وإحياء الأمة الإسلامية"(5).

تعريف العمل المؤسسي :
كل تجمع منظم يهدف إلى تحسين الأداء وفعالية العمل، لبلوغ أهداف محددة، ويقوم بتوزيع العمل على لجان كبرى وفرق عمل وإدارات متخصصة : علمية، ودعوية، واجتماعية؛ بحيث تكون لها المرجعية وحرية اتخاذ القرار في دائرة اختصاصها... يعتبر عملاً مؤسسياً.
وليس المراد بالعمل المؤسسي العمل الجماعي المقابل للعمل الفردي؛ إذ مجرد التجمع على العمل، وممارسته من خلال مجلس إدارة، أو جمعية أو مؤسسة لا يجعله مؤسسياً، فكثير من المؤسسات والمنظمات والجمعيات التي لها لوائح ومجالس وجمعيات عمومية إنما تمارس العمل الفردي؛ لأنها مرهونة بشخص منها؛ فهو صاحب القرار(6)، وهذا ينقض مبدأ الشورى الذي هو أهم مبدأ في العمل المؤسسي.

مزايا العمل المؤسسي وفوائده (7) :
1 - تحقيق مبدأ التعاون والجماعية الذي هو من أسمى مقاصد الشريعة.
2 - تضييق الفجوة بين عمل الدعاة، وردم الهوة بينهم بتحقيق ذلك المبدأ، وتأسيس الأعمال المشتركة بينهم؛ فإن ذلك يقلل التصادم والنزاع، وهي الطريقة المتبعة بين الدول في تأسيس اللجان والمجالس المشتركة، وهو ما لم يشعر بعض الدعاة بأهميته وضرورته بعد(8).
3 - تحقيق التكامل في العمل، وذلك في عمل الفرد عزيز، فكثيراً مما يحصل من القصور في عمل الفرد يتلاشى في عمل المؤسسة؛ إذ المفترض حدوث التكامل باجتماع الجهود، والمواهب، والخبرات، والتجارب، والعلوم، مع التزام الشورى، والتجرد للحق.
وأيضاً : فإن العمل الفردي يصطبغ بصبغة الفرد، بينما المفترض أن يخلو العمل المؤسسي من ذلك(9).
4 - الاستقرار النسبي للعمل، بينما يخضع العمل الفردي للتغير كثيراً - قوة وضعفاً أو مضموناً واتجاهاً - بتغير الأفراد، أو اختلاف قناعاتهم.
5 - القرب من الموضوعية في الآراء أكثر من الذاتية؛ حيث يسود الحوار الذي يَفْرض قيامُه وضعَ معايير محددة وموضوعية للقرارات تنمو مع نمو الحوار، في حين ينبني العمل الفردي على قناعة صاحبه.
6 - دفع العمل نحو الوسطية والتوازن؛ إذ اجتماع الأفراد المختلفين في الأفكار والاتجاهات والقدرات يدفع عجلة العمل نحو الوسط، أما الفرد فلو توسط في أمر فلربما تطرف - إفراطاً أو تفريطاً - في آخر.
7 - توظيف كافة الجهود البشرية، والاستفادة من شتى القدرات الإنتاجية؛ وذلك لأن العمل المؤسسي يوفر لها جو الابتكار والعمل والإسهام في صنع القرار، بينما هي في العمل الفردي أدوات تنفيذية رهن إشارة القائم بالعمل، ويوم أن أعرض المسلمون عن هذا العمل خسروا كثيراً من الطاقات العلمية والعملية، فانفرد أصحابها بالعمل، أو فتروا عنه(10).
8- ضمان استمرارية العمل - بإذن الله تعالى - لعدم توقفه على فرد يعتريه الضعف والنقص والفتور، ويوحشه طول الطريق وشدة العنت وكثرة الأذى.
وللمثال : فقد كان من أقوى أسباب استمرار التعليم قوياً في الدولة الإسلامية - حتى في عصور الضعف السياسي - : قيامه على المؤسسات العلمية القوية التي تمدها الأوقاف، كما تمد سائر الجهود الدعوية والإغاثية - التي لم يُتجرأ عليها إلا في العصر الحديث - واليوم نرى استمرار المؤسسات الغربية قوية تساندها جمعيات كثيرة(11).
9- عموم نفعه للمسلمين؛ لعدم ارتباطه بشخصية مؤسسه، وهذا بدوره ينمي الروح الجماعية الفاعلة، ويحيي الانتماء الحقيقي للأمة، وهذا مكمن قوتها.
10- مواجهة تحديات الواقع بما يناسبها؛ فإن الأمة اليوم يواجهها تحدٍّ من داخلها، في كيفية تطبيق منهج أهل السنة مع الاستفادة من منجزات العصر، دون التنازل عن المبادئ(12)، كما يواجهها تحدٍّ من خارجها مؤسسي منظم؛ والقيام لهذا وذاك فرض كفاية لا ينهض به مجرد أفراد لا ينظمهم عمل مؤسسي، كما لا ينهض أفراد الناس لتحدي العمل المؤسسي في مجالات الحياة الاقتصادية، أو السياسية، أو الإعلامية، أو غيرها.
11- الاستفادة من الجهود السابقة والخبرات التراكمية، بعد دراستها وتقويمها بدقة وإنصاف وحيادية، وبذلك يتجنب العمل تكرار البدايات من الصفر الذي يعني تبديد الجهود والعبث بالثروات.

لماذا الإحجام عن العمل المؤسسي؟
ولسائل أن يقول : عَمَلٌ بهذه المزايا ما الذي حدا بالأمة اليوم أن تحجم عنه ؟

ويجاب : بأن للأمر خلفيات وأسباب ، منها :

1 - طبيعة المجتمعات الإسلامية المعاصرة عامة، وعدم ترسخ العمل المؤسسي في حياتها؛ لما اعتراها من بُعد عن الدين أدى إلى تأصل الفردية، وضعف الروح الجماعية، والحوار والمناقشة والمشاركة، ولما حلّ بها من تخلف حضاري أقعدها عن الأخذ بأسباب الفاعلية والنجاح، فأصابها التأخر وتبدد الطاقات.
2 - ضعف الملكة الإدارية لدى كثير من العاملين في الحقل الإسلامي، بسبب إهمال العلوم الإنسانية التي أفاد منها الغرب، وهذا مما ورثه العاملون عن مجتمعاتهم. وقد أدى هذا الضعف إلى الجهل بالعمل المؤسسي ومقوماته وأسباب نجاحه فتلاشت الخطط، وأغلقت دراسة الأهداف وإقامة المشاريع، وصار العمل مجرد ردود أفعال غير مدروسة أو عواطف غير موجهة (13).
3 - حاجة الدعوة إلى الانتشار، مع قلة الطاقات الدعوية المؤهلة؛ مما حدا بكثير من الدعاة إلى التركيز على الكم لا الكيف، والغفلة عن قدرة العمل المؤسسي على الموازنة بين الكم والكيف، وتحقيق أكبر قدر منهما.
4 - الخلط بين العمل الجماعي والمؤسسي، والظن بأن مجرد قيام الجماعة يعني عملاً مؤسسياً، في حين أن كثيراً من التجمعات والمؤسسات لا يصدق عليها حقيقة هذا الوصف؛ لانعدام الشورى، والمركزية في اتخاذ القرار.
5 - الشبهات العارضة التي يتذرع بها المانعون من العمل الجماعي، بحجة بدعيته؛ فأحجموا بذلك عن العمل المؤسسي انطلاقاً من هذه الشبهة.
6 - حداثة العمل الإسلامي المعاصر، فإنه إذا ما قورن عمره بعمر المؤسسات الغربية بان قصيراً جداً. يقال هذا لئلا تُهضم الحقوق، ولكي نقترب بالحديث من الإنصاف لهذه الصحوة المباركة؛ حيث نرى بوادر الاهتمام بالمجالات الإدارية أكثر من ذي قبل.

لكي ينجح العمل المؤسسي :
للتربية الإيمانية المتكاملة أكبر الأثر في بناء الطاقات، وتنميتها، واستثمارها استثماراً مناسباً، وهذا عماد العمل المؤسسي، ويمكن تفصيل المقومات اللازمة لنجاحه على النحو الآتي :
1 - توفر القناعة الكافية بهذا الأسلوب من العمل؛ بإدراك ضرورته، وخاصة في زمن القوة، وبمعرفة مزاياه وثمراته، وفهم مقومات نجاحه للوصول به إلى المستوى المطلوب.
2 - صدور القرارات عن مجالس الإدارة، أو اللجان ذات الصلاحية، حرصاً على خروجها من أدنى مستوى ممكن، لتكون أقرب إلى الواقعية وقابلية التنفيذ، ولا يجوز أن يكون المصدر هو الفرد أو المدير؛ فإنه يستمد صلاحياته - هو أيضاً - من المجالس، لا العكس، ويجب أن تملك المجالس واللجان صلاحية مراجعة قرارات المديرين ونقضها.
3 - أن تكون مجالس الإدارة أو اللجان غير محصورة في بيئة واحدة محكومة بأطر تنشئة وتربية وتفكير محددة مما يؤثر على طبيعة اتخاذ القرار، فوجود أفراد من بيئات مختلفة ضمن هذه المجالس يثري العمل المؤسسي بتوسيع أنماط التفكير وتعديد طرق التنفيذ(14).
4 - أن تسود لغة الحوار، حتى تتلاقح الآراء للخروج بأفضل قرار، وأيضاً حتى يخضع الرأي الشخصي لرأي المجموعة.
ويذكر هنا بالمناسبة :نزول النبي صلى الله عليه وسلم على رأي أصحابه في أحد،وخروجه من المدينة تلبية لرغبتهم، مع ميله للبقاء في المدينة، وتأييد رؤياه لرأيه(15)، وبعدما حصل ما حصل لم يصدر منه لَوْم لأولئك المقترحين للخروج.
5 - تحديد ثوابت ومنطلقات مشتركة للعاملين في المؤسسة تكون إطاراً مرجعياً لهم، توجه خطة العمل، وتناسب المرحلة والظروف التي تعيشها المؤسسة.
6 - التسامي عن الخلافات الشخصية، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، وهذا يتم بتحسين الاتصال والتواصل بين أفراد المؤسسة بعضهم مع بعض، وبينهم وبين سائر العاملين في الحقل الإسلامي.
وهذا أساس قوي للنجاح؛ ففي استفتاء لعدد من القياديين الناجحين اتضح أن الصفة المشتركة بينهم هي القدرة على التعامل مع الآخرين(16)، ولن يتم ذلك لأحد ما لم تتربَّ أنفسنا على العدل والإنصاف، ومعرفة ما لدى الآخرين من حق، ومحاولة فهم نفسياتهم من خلال نظرتهم هم لأنفسهم، لا من خلال نظرتنا نحن.
7 - الاعتدال في النظرة للأشخاص؛ فإنه في حين يصل الأمر لدى المنحرفين عن أهل السنة والجماعة في نظرتهم للأشخاص إلى حد الغلو والتقديس، فإنَّا نجده عند بعض أهل السنة - الذين سلموا من الغلو - بالغاً إضفاء هالة على بعض الأشخاص تؤثر في مدى استعدادهم لمناقشة رأيهم، أو احتمال رفضه مع بقاء الاحترام الشخصي، وهؤلاء يشكلون ضغطاً على العمل المؤسسي وتوجيهاً غير مباشر للآراء(17).
وكأن هذا ما أراده عمر - رضي الله عنه - حين عزل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - خشية تعلق الناس به، وربطهم النصر بقيادته(18).
8 - إتقان التخطيط، وتحديد الأهداف لتنفيذها، وتوزيع الأدوار، وهذا يتطلب مستوى جيداً في إعداد القادة والمسؤولين، وتدريب العاملين مع الاستفادة من كل الإمكانات، وتوظيف جميع الطاقات، بعد التعرف عليها جيداً(19).

والمهم هو التركيز في جداول الأعمال على المنطلقات والأسس والخطوط العامة، دون الانهماك في المسائل الإجرائية، والتي قد لا تحتاج إلا لمجرد قرار إداري أو إجراء تقليدي، ودون المسائل التي يكثر الجدل والخلاف حولها.

ولضبط الخطط، وإتقان تنفيذها، وبلوغ الأهداف، يراعى الآتي :
أ - الأناة في التخطيط ، والحماسة في التنفيذ(20) ؛ فالأول : لمراعاة القدرات والإمكانات، ومعرفة التحديات وحسن تقدير العواقب، وتحاشي مخاطر السرعة، والثاني : لاستباق الخيرات، وكسب الزمان، واغتنام الهمة، ومبادرة العزيمة.
ب - أهمية قيام المؤسسات بأداء أعمالها بأساليب علمية حكيمة تكفل استمرارها وأداءها لعملها على الوجه المطلوب، وحتى لا تتعرض لكيد الكائدين وأساليب المغرضين، ولا ينبغي أن يكون أهل النفاق أكثر حنكة منا؛ فكم نالوا أهدافهم من جمعياتهم وأعمالهم حتى بلغوا مناهم(21).اللهم ألهمنا رشدنا، وأعذنا من شر أنفسنا(22

مجلة البيان، العدد (143)،رجب1420،نوفمير 1999 .
------------------------------------------------------

الهوامش :

(1) انظر :مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي، د. عبد الكريم بكار، ص39.
(2) بعد إعداد هذه المقالة اطلعت على رسالة قيمة لما تطبع بعد بعنوان : العمل المؤسسي الإسلامي ودوره في التغيير الشمولي، د. سامي الدلال جزاه الله خيرا .
(3) انظر الحديث في البخاري، كتاب الشركة، باب (6)، 3/11.
(4) التي تحبس صاحبها في بوتقة ضيقة، فيحصر ولاءه في الحزب، ولايعرف الدعوة إلا بمفاهيمه، بغض النظر عن مدى التوافق مع الشريعة.
(5) انظر : مقالا بعنوان : روح الفريق والمبادرات الذاتية، لمحمد بدري، في مجلة البيان، العدد83، ص42.
(6) انظر : مقالا لعبد الله المسلم، مجلة البيان، العدد :118،ص18.
(7) انظر : مقال : لعبد الله المسلم، في مجلة البيان، العدد : 117، ص38.
(8) انظر : مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي، د.عبد الكريم بكار، ص 238.
(9) انظر :العمل الجماعي، د. عبد الوهاب الديلمي، ص 35.
(10) انظر : خواطر في الدعوة، محمد العبدة، ص165.
(11) انظر : خواطر في الدعوة، ص147.
(12) انظر : خواطر في الدعوة، ص37.
(13) انظر : البيان، العدد :110، ص4.
(14) الفكرة مقتبسة من : المسار، لمحمد الراشد، ص6266،فليراجع.
(15) كما في مسند أحمد : 3/351، وصححه الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي، ص269.
(16) انظر : دليل التدريب القيادي، ص142.
(17) انظر : مقالأ لعبد الله المسلم، في مجلة البيان، العدد :118،ص18.
(18) راجع البداية والنهاية، 8/115، وقد يوجه الأمر توجيها آخر، انظره في الفتاوي لابن تيمية : 28/256.
(19) انظر : مشكلات وحلول، للبلالي، ص183، ودليل التدريب القيادي، ص137 وما بعدها، والمسار للراشد، ص166167.
(20) انظر : مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي، د. بكار، ص162.
(21) انظر مقالا لعبد القادر حامد، البيان، العدد : 31،ص96.
(22) الموضوع بحاجة ماسة إلى إثراء، ويمكن الاستفادة فيه من كتب الإدارة، مثل : الخطوات الذكية، الإدارة، مثل :الخطوات الذكية، الإدارة بضمير، (مترجمة)، وتنظيم العمل الإداري في النظام الإسلامي،
د. محمد الأغبش


الثلاثاء، 10 مايو 2011

حقوق الإنسان


إن عبارة حقوق الإنسان التي أصبحت ترد في كثير من الكتابات، وتتردد في الخطابات والمنتديات، تتعلق بمجالات واسعة ليس من السهولة الإحاطة بها، وتحديد كل مضامينها، وهي مزيج من تعاليم الديانات السماوية، والتراكم الثقافي الذي أنتجه الفكر الإنساني عبر مراحل وأحقاب زمنية طويلة، قبل أن تتولى منظمة الأمم المتحدة تقنينها واعتمادها كإعلانات ومواثيق دولية، بدءا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دجنبر 1948.

والاهتمام بحقوق الإنسان بالمغرب وفق المعايير التي تحددها المواثيق الدولية، ليس وليد الثمانينات من القرن العشرين كما يزعم البعض، وإنما ترجع بذوره الأولى إلى مرحلة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال، وقد تأسست أول عصبة لحقوق الإنسان بمدينة تطوان، على يد أحد القادة الأوائل للحركة الوطنية بشمال المغرب وهو الحاج عبد السلام بنونة، وذلك سنة 1933، وبعد الاستقلال ارتبط الاهتمام بحقوق الإنسان بالنضال من أجل الدستور والديمقراطية، وبدأ هذا الاهتمام يتخذ مجراه المستقل عن النضال السياسي الديمقراطي، من خلال بعض الأنشطة الخاصة لهيئات المحامين، قبل ظهور مجتمع مدني متخصص مع تأسيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1972، وتأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979، والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان سنة 1988، وعرفت تلك المرحلة نشاطا متميزا لحركة الدفاع عن حقوق الإنسان، توج بإصدار الميثاق الوطني لحقوق الإنسان من طرف خمس جمعيات حقوقية سنة 1990، وتوالى فيما بعد تأسيس العديد من الجمعيات التي تهتم بحقوق الإنسان في شموليتها أو تختص بجوانب معينة منها، في إطار التوسع والديناميكية التي عرفها المجتمع المدني ابتداء من العقد الأخير من القرن العشرين.

وكان طبيعيا أن يتزايد الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان ببلادنا في أواخر الثمانينات بعد انهيار أنظمة الحزب الوحيد في أوربا الشرقية، وانعكاسات ذلك على كثير من البلدان العربية والإفريقية، حيث بدأ يتغير مضمون الخطاب الأيديولوجي بالتخلي عن المفاهيم المرتبطة بالمدرسة الماركسية، والتوجه نحو الثقافة الديمقراطية التي تقول بالتعددية الحزبية، وضمان الحريات الفردية والجماعية، وإقرار حق الجميع في المشاركة في الحياة السياسية وفي تدبير الشأن العام، والحق في الاختلاف مع الآخذين بزمام الأمور، وانتقاد سياساتهم وممارساتهم.

وعرفت سياسة تغييب الرأي المخالف للسلطة، وتهميش القوات الحية إفلاسا كبيرا من الناحية النظرية على الأقل، وأصبحت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تشكل مرجعية أخلاقية وسياسية معترف بها من طرف الدول والمنظمات القطرية والإقليمية والدولية، وتبوأ موضوع حقوق الإنسان موقع الصدارة في العلاقات الدولية، وأصبح معيارا للتعامل بين الدول، وذريعة تتخذها مجموعة الشمال لفرض الشروط في التعامل، وفي تقديم المساعدات لبلدان الجنوب، مستغلة ما تعانيه هذه الأخيرة من ضعف، أو غياب لضمانات حقوق الإنسان في أنماط أنظمتها، وتشريعاتها، وممارسة السلطة بها.

وكان من الطبيعي أن تؤدي التطورات المذكورة إلى تنامي الوعي لدى الشعوب بالقيم الأصيلة لحقوق الإنسان، وإدراك دورها في فرض احترام الكرامة البشرية، وحمايتها من أي اعتداء أو ممارسات مشينة، وأن تتنامى قناعة الشعوب بكون القيود على الحريات الفردية والجماعية، والتضييق على الطاقات الفكرية، والقدرات الإبداعية للإنسان، والانتهاكات التي تمس حقوقه الطبيعية، وتخدش كرامته الإنسانية، تشكل العرقلة الأساسية نحو تحقيق النمو الاقتصادي، والتقدم الاجتماعي، والتطور الحضاري.

وفي محاولة للتأقلم مع هذه التطورات الهامة، أصبحت عبارات الحقوق والحريات الأساسية،والكرامة الإنسانية والتعددية الحزبية،ودولة الحق والقانون،والديمقراطية...أدوات لتزيين الخطاب السياسي الرسمي في كثير من بلدان العالم الثالث، التي تتمسك في العمق بالرأي الواحد، ومظاهر الحكم المطلق، إما بكيفية مباشرة لغياب التعددية السياسية، وانعدام التمثيلية الديمقراطية، أو بكيفية غير مباشرة عن طريق تعددية شكلية مصنوعة، وديمقراطية مزيفة.



وفي المغرب، لوحظ أنه بعد تصاعد حدة الانتقادات الموجهة للمسؤولين، من طرف المنظمات المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان، على الصعيدين الوطني والدولي، وأمام الحملة الشديدة اللهجة التي نظمتها ضد حكومة المغرب في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، عدة هيئات دولية لحقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية، والفدرالية العالمية لحقوق الإنسان، وكذا بعض المؤسسات الرسمية في الدول الغربية، مثل التقارير التي تعدها وزارة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، كل ذلك جعل المسؤولين الحكوميين في بلادنا يضطرون للبحث عن المنهجية المناسبة لمواجهة الحملة الخارجية على الخصوص.

ومن المؤكد أن بعض الانتقادات الخارجية لم تكن بريئة، وكانت تتخذ من انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب ذريعة لقيامها بالفضح السياسي للحكم الذي كان سائدا في بلادنا، والذي تميز بما أصبح يعرف فيما بعد، " بسنوات الجمر والرصاص"، أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتحت ضغط تلك الانتقادات، ومن أجل تحسين صورة المغرب في المحافل الدولية، تم تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990،(1) وأحدثت وزارة مكلفة بحقوق الإنسان سنة 1993، وتم التصديق على العديد من المواثيق الدولية، وبدأت الحكومة تهتم بالتقارير التي تتدارسها اللجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، وصدر العفو الشامل عن عدد هام من المعتقلين السياسيين، كما وقع الاعتراف بوجود المعتقلات السرية مثل تازمامرت، وقلعة مكونة، وأكدز، ودرب مولاي الشريف، والكوربيس، بعد أن كان المسؤولون ينفون وجودها، وتقرر التعويض عن الاعتقال التعسفي بتلك المعتقلات الرهيبة، وتأسست لهذه الغاية لجنة التحكيم المستقلة، والتي حلت محلها بعد إعادة تنظيم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، هيئة الإنصاف والمصالحة؛ وفي نفس السياق، اتسع مجال ممارسة الحريات، ووقع انفتاح الحكم على المعارضة، وأدى ذلك إلى تأسيس ما عرف بحكومة (التناوب التوافقي) سنة 1998.




المقصود بحقوق الإنسان:

لقد تجنب واضعو نصوص مختلف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تحديد تعريف لهذه الحقوق، باعتبار أن الإعلانات والعهود تحدد المبادئ والأحكام العامة وتترك مسألة التعاريف وتحليل المضامين ودراسة الأهداف للباحثين وفقهاء القانون.

وكلمة ( الحق ) كثيرة التردد في اللغة المألوفة بين الناس، فيقال مثلا من حقه أن يفعل شيئا معينا، أو أن له الحق في التعبير عن رأيه، أو له حق ملكية عقار أو منقول، أو له الحق في أجر عن عمل قام به...

ويبدو أن فقهاء الشريعة الإسلامية، لم يهتموا بوضع تعريف للحق بمعناه العام في ضوء الأحكام الشرعية، ويرجح البعض أن السبب في ذلك يرجع لوضوح المعنى اللغوي لكلمة (حق)، ونقل ابن نجيم المصري الحنفي تعريفا لحق الملكية عن أحد الفقهاء بأنه "اختصاص حاجز" ويبين هذا التعريف أهم ميزة للحق بمعناه العام لأن " الاختصاص هو جوهر كل حق، وهو عبارة عن علاقة أو رابطة بين شخص وآخر تمنح صاحبها استئثارا على موضوعها(2) .

ولا يمكن أن نغفل بالنسبة للشريعة الإسلامية، أن (الحق) هو أحد أسماء الله الحسنى، الذي يجسد المفهوم المطلق والشامل للحق بالمعنى اللغوي، وقد يكون ذلك من بين الأسباب التي جعلت فقهاء الشريعة يعزفون عن وضع تعريف محدد للحق.

وجاء في "لسان العرب" لابن منظور أنه لا يوجد اختلاف كبير بين الدلالات المعجمية والمعاني المتداولة لمفهوم الحق، ويلتقي أحد المعاني المعجمية العربية لمفهوم الحق مع التمثل المعجمي الفرنسي الأساسي، حيث يفيد الحق (Le Droit) ما هو مستقيم ولا اعوجاج فيه، ويتسع هذا المفهوم في الاصطلاح الفرنسي ليكتسي أبعادا قانونية وأخلاقية، إذ يفيد تارة ما يقوم على برهان منطقي سليم، ويعني تارة أخرى ما يقوم على قاعدة أخلاقية أو قانونية..

وفي عصر الأنوار أصبح مفهوم الحق يعبر عن قيمة إنسانية، على أساسها تنبني كرامة الإنسان، وتنوع بعد ذلك تداول هذا المفهوم في جميع مناحي الحياة الإنسانية، وارتبط بمفاهيم فلسفية، كالعدالة والحرية والواجب... أي بالقيم التي بموجبها يمكن أن تتفاعل وتتحقق إنسانية الإنسان.

ويختلف فقهاء القانون في تعريـف الحق، فيعرفه عبد الرزاق السنهوري بأنـه «مصلحة ذات قيمة مالية يحميها القانون »(3)، وعرفه عبد الفتاح عبد الباقي بأنه« سلطة يقررها القانون لشخص يستطيع بمقتضاها أن يجري عملا، أو يلزم آخر بأدائه لمصلحة مشروعة »(4)، وعرفه جميل الشرقاوي بأنه « قدرة الشخص على أن يقوم بعمل معين، يمنحها القانون ويحميها تحقيقا لمصلحة يقرها»(5)، وعرفه محمد سامي مذكور بأنه «سلطة يقررها القانون لشخص معين، بمقتضاها يكون لهذا الشخص ميزة القيام بعمل معين»(6)، وعرفه الفقيه البلجيكي( دابان ) بأنه « ميزة يخولها القانون للشخص ويضمنها بوسائله، يتصرف بمقتضاها في مال يؤول إليه، باعتباره مملوكا أو مستحقا له»(7)، وفي المعاجم القانونية المتخصصة، يعرف الحق على وجه العموم بأنه ما قام على العدالة أو الإنصاف وأحكام القانون ومبادئ الأخلاق(8).

غير أن كل هذه التعريفات لا تخرج عن مفهوم الحق في القانون الخاص، وقد أورد سعيد محمد مجدوب تعريفا أوسع للحقوق حيث وصفها بأنها« مجموعة الحقوق الطبيعية التي يمتلكها الإنسان، واللصيقة بطبيعته، والتي تظل موجودة وإن لم يتم الاعتراف بها، بل أكثر من ذلك حتى ولو انتهكت من قبل سلطة ما »(9).وإذا كان هذا التعريف يتجاوز المفهوم الخاص للحق، فإنه يبقى محصورا في المدلول المستقى من القانون الطبيعي.

ومن التعاريف التي انصبت على حقوق الإنسان وما يتصل بها من حريات أساسية نذكر التعريف الذي وضعه (René Cassin) الحائز على جائزة نوبل للسلام سنة 1960، والذي يقول أن«علم حقوق الإنسان يمكن تعريفه كفرع خاص من فروع العلوم الاجتماعية، موضوعه هو دراسة العلاقات القائمة بين الأشخاص وفق الكرامة الإنسانية، مع تحديد الحقوق والخيارات الضرورية لتفتح شخصية كل كائن إنساني »(9)، وهناك تعريف أورده (Karel VASAK) جاء فيه أن « حقوق الإنسان علم يتعلق بالشخص، ولا سيما الإنسان العامل، الذي يعيش في ظل دولة، ويجب أن يستفيد من حماية القانون عند اتهامه، أو عندما يكون ضحية للانتهاك، عن طريق تدخل القاضي الوطني والمنظمات الدولية، كما ينبغي أن تكون حقوقه، ولاسيما الحق في المساواة، متناسقة مع مقتضيات النظام العام»(11)،

ومن التعاريف الأكثر استيعابا لمفهوم حقوق الإنسان يقول (Yves MADIOT): « موضوع حقوق الإنسان هو دراسة الحقوق الشخصية المعترف بها وطنيا ودوليا، والتي في ظل حضارة معينة تضمن الجمع بين تأكيد الكرامة الإنسانية وحمايتها من جهة، والمحافظة على النظام العام من جهة أخرى»(12)، ويقول أحمد الرشيدي أن « التعامل مع اصطلاح حقوق الإنسان والحريات الأساسية، يشير بصفة عامة إلى مجموعة الاحتياجات أو المطالب التي يلزم توافرها بالنسبة إلى عموم الأشخاص، دون أي تمييز بينهم لاعتبارات الجنس، أوالنوع، أو اللون، أو العقيدة السياسية، أو الأصل الوطني، أو لأي اعتبار آخر»(13).

ونحن نميل إلى اعتماد تعريف أكثر شمولية، وهو التعريف الذي وضعناه في كتابنا (حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق) الصادر سنة 1986 وهو أن اصطلاح حقوق الإنسان، يعني حرية الأشخاص على قدم المساواة، ودون أي تمييز بينهم لأي اعتبار، في التمتع بالمزايا التي تخولها لهم الطبيعة الإنسانية، وتقرها مبادئ العدالة، وفي تلبية حاجاتهم المختلفة، بما يتلاءم مع ظروف كل عصر، ولا يضر بحقوق الآخرين، والقانون هو الذي يبين الحدود الفاصلة بين حقوق الفرد وحقوق الآخرين سواء كانوا أفرادا أو جماعات.(14)

وتجدر الإشارة إلى أن منظمة الأمم المتحدة، درجت على وصف حقوق الإنسان باعتبارها تلك الحقوق المتأصلة في طبيعتنا البشرية، والتي بدونها يستحيل علينا أن نحيا كبشر(15).



حقوق الإنسان نابعة من طبيعة الكائن البشري:

وانطلاقا من المفهوم المتعارف عليه دوليا لحقوق الإنسان، فإن هذه الحقوق لاتنبع من سلطة تجود بها على الناس، أو تتوقف على الاعتراف بها من طرف الفئات الحاكمة، أو تضمينها في مواثيق دولية، أو في قوانين وطنية، وليست مجرد فلسفة، أو مطالب سياسية واجتماعية، أو تمنيات وآمال يحلم بها الإنسان، وإنما هي نابعة من صميم طبيعة الكائن البشري، ولصيقة بكيانه، بل إنها جوهر الوجود الإنساني، وليست المواثيق الدولية، والقوانين الوطنية إلا تعبيرا عن هذه الحقوق، وأداة لتنظيم التمتع الفعلي بها من طرف الجميع، وعلى قدم المساواة، ووسيلة لحمايتها من العبث والانتهاك، من طرف أي جهة كانت.

والحق في الشيء هو حرية ممارسته، وبالتالي فإن الحق متلازم مع الحرية، بل هو مرادف لها، فحق التعبير هو حرية التعبير، وحينما يقيد أو يسلب من الإنسان هذا الحق، تكون حريته في التعبير قد انتهكت(16).




الطابع الكوني لحقوق الإنسان:

وتتميز حقوق الإنسان بطابعها الكوني ، فهي ليست شأنا محليا، ولا تتقيد بالحدود السياسية للدول، أو المناطق الجغرافية للعالم، لأنها لا تتغير في أصولها ومبادئها، ولا في أنواعها ومجالاتها، بتغير البلدان أو القارات، وإنما ترتبط بطبيعة الكائن البشري أينما وجد، بل إن الاعتداء على حقوق الإنسان في بلد ما، أو في مناطق معينة من العالم لا يقتصر تأثيره السلبي على استقرار واطمئنان ذلك البلد، أو تلك المنطقة فقط، وإنما يعكر صفاء الحياة البشرية في جهات أخرى من أنحاء المعمور، ويمكن أن يشعل فتيل التوتر الذي قد يشتعل في العالم أجمع، وقد أظهرت الحرب العالمية الثانية، العلاقة الوثيقة بين المسلك العنيف لحكومة دولة معينة تجاه مواطنيها، والعدوان ضد الدول الأخرى، وأكدت أن احترام حقوق الإنسان من العوامل الأساسية للمحافظة على السلم والأمن الدوليين(17).




حقوق الإنسان كل لا يتجزأ:

وتتميز حقوق الإنسان بطابع الكلية، بحيث لا يمكن الفصل بينها أو تجزئتها، وما درج عليه الباحثون من تقسيمها إلى مجموعات تمثل ثلاثة أجيال، هو مجرد عمل أكاديمي لا يعني الفصل بين تلك المجموعات التي تبقى في مجملها مترابطة ولا تقبل التجزئة.

ويشكل كل من الجيل الأول والثاني، المجموعتين الرئيسيتين في منظومة حقوق الإنسان، وسنبين الارتباط الوثيق بينهما من خلال عرض أمثلة عن كل مجموعة منهما قبل أن نعرض للجيل الثالث الذي يتعلق ببعض الجزئيات التي فرضت ظروف الحياة المعاصرة أن تحظى باهتمام خاص.

ومما يندرج ضمن الحقوق المدنية والسياسية، أو ما يعرف بالجيل الأول نذكر على سبيل المثال: الحق في الحياة، والحق في السلامة الشخصية، والحق في المعاملة الإنسانية، والحماية من التعذيب، ومن الممارسات المُهينة، أوالحاطة بالكرامة، ومن الاعتقال التحكمي، والاحتجاز التعسفي، والحق في الشخصية القانونية، وحرية التنقل، والحق في مغادرة التراب الوطني والعودة إليه بحرية، والحق في المحاكمة العادلة في حالة المتابعة القضائية، والحق في عدم التدخل في خصوصيات الشخص، والحق في اعتناق آراء وأفكار خاصة والتعبير عنها، والحق في ممارسة الشعائر الدينية، والحق في الاختلاف مع السلطات الحاكمة وانتقادها بحرية، والحق في تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، والمنظمات النقابية، وحرية الانخراط فيها، وحرية التعبير والصحافة، وحق المشاركة في التجمعات السلمية، وحق المساهمة في تدبير الشأن العام، وحرية التصويت في الاستفتاءات والانتخابات، وعدم التمييز في التمتع بالحقوق والحريات، بسبب الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو الدين، أو الأصل العرقي، أو الوطني، أو الجاه والنفوذ، أو الانتماء السياسي أو النقابي...

أما الجيل الثاني الذي يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنه يشمل على سبيل المثال: الحق في العمل والأجر العادل، والحق في تكوين النقابات والانضمام إليها، وحق الإضراب، والحق في الضمان الاجتماعي، والحق في حماية الأسرة، وضمان النمو الطبيعي للأطفال، وحق هؤلاء في التربية والتعليم، والتنشئة الحسنة، والحماية من الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، وحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والسكن، والحق في التحسين المتواصل لمستوى العيش ، والحق في العلاج من المرض، والتمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية، والحق في متابعة الدراسة، والحق في الثقافة والتمتع بالفنون، وحرية البحث العلمي، والحق في الإعلام وتلقي المعلومات دون قيود، وحق الاستفادة من ثمرات التقدم...

وتصنيف حقوق الإنسان في الوثائق الدولية وفي الدراسات الأكاديمية إلى المجموعتين الرئيسيتين المشار إليهما لا يعني مطلقا أفضلية أو أسبقية مجموعة على أخرى، ولا يقصد منه تجزئة الحقوق والحريات الأساسية، لأنه لا غنى في حياة الإنسان كفرد وكعضو في المجتمع عن الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ذات الوقت، لأن كل واحدة من المجموعتين تشتمل على جوانب معينة في حياة الإنسان، وهي تتكامل في مجملها، وقد تمت الإشارة إلى المجموعتين معا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد في 10 دجنبر 1948 ، وحتى حينما ظهرت كل مجموعة ضمن عهد خاص، فإن كلا من العهد المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقع اعتمادهما في نفس اليوم وهو 16 دجنبر 1966، تأكيدا من المنتظم الدولي لتلازمهما، وعدم إمكانية تعويض إحداهما بالأخرى، أو منح الأسبقية لأي منهما على الأخرى.

وحينما كان العالم ينقسم إلى معسكرين يختلفان بكيفية جوهرية في نظاميهما السياسي والاقتصادي، كان الجدل يثور حول نوع الحقوق الذي يحظى بالأولوية، فيقول البعض أن الحريات الفردية والجماعية، كحرية الفكر والتعبير، وحرية الصحافة، وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات، وحرية النشاط السياسي والنقابي، هي التي تحظى بالأسبقية بالنسبة لحياة الإنسان، في حين كان البعض الآخر يرى أن الحق في التعليم والشغل والسكن اللائق والعلاج هي التي ينبغي أن تحظى بالأولوية، ولو كان ذلك على حساب الحريات الأساسية للجماعات والأفراد.

والواقع أن الاتجاهين معا كانا يجانبان الصواب، حيث يقوم كل منهما على تجزيء حقوق الإنسان، وتفضيل مجموعة منها على مجموعة أخرى، في حين أنها في جملتها تشكل كلا لا يقبل التجزئة، فلا مجال لتأجيل الحريات السياسية مثلا إلى ما بعد تحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي، كما أن الحقوق المدنية والسياسية تبقى عديمة الجدوى إذا لم تكن مقرونة ولو بالحد الأدنى من وسائل ومتطلبات الحياة الكريمة، كالتعليم والشغل والعلاج والسكن اللائق، فلا حرية لجائع، ولا كرامة لمن يعاني من الأمية والبطالة، أو يقيم في ظروف غير إنسانية، ولا حقوق لمريض لا يُؤَمن له العلاج، كما أنه لا يمكن تصور حياة كريمة مع الاستبداد والطغيان، ولا مجال لتحقيق أي تطور في مستوى حياة الإنسان مع مصادرة حرية الفكر والاجتهاد والإبداع.

وإن حرص عدد من الحكام في دول العالم الثالث على احتكار مواقع القرار والنفوذ، وعجزهم عن التوفيق بين إطلاق الحريات، وخلق النظام الملائم لتحقيق التنمية وتوزيع الثروات بكيفية عادلة، أدى إلى ترويج بعض الأفكار التي تنطوي على المغالطة، كالقول بأن حقوق الإنسان ليست سوى رفاهية فكرية ناتجة عن ظروف الحياة في المجتمعات الغربية المتقدمة صناعيا، والتي يتميز اقتصادها بوفرة الإنتاج، وبالتالي فإنه يكفي لمواجهة التخلف أن يوجد (مستبد عادل)، ومثل هذا القول لا يستند على أي أساس علمي أو منطقي، لأن الاستبداد يتناقض في جوهره مع العدل، وتؤكد تجارب الشعوب أن احتكار السلطة من طرف طبقة، أو الحكم الفردي المطلق، من شأنه أن يؤدي إلى الطغيان، والله سبحانه وتعالى يقول:"وإن الإنسان ليطغى"، كما أن الاستئثار بالحكم لا يقوم إلا على انتهاك أحد الحقوق الأساسية للإنسان، وهو حق المشاركة في تدبير الشأن العام، ولا يترك أي مجال للتمتع بالحريات السياسية، وينفي الحق في الاختلاف، مع العلم أن مصادرة هذه الحقوق والحريات، أو تقييدها في البلدان المتخلفة عموما، لم يؤد إلى أي تحسن في مستوى عيش الطبقات الشعبية، ولا إلى تحقيق التنمية، بل على العكس من ذلك، كان من نتائجه بصفة عامة، استحواذ فئات قليلة على مصادر الثروات، وتهميش إرادة الشعوب، وانتهاك حقوق الإنسان بجميع فروعها في تلك البلدان.

ويعد من قبيل المغالطة كذلك، القول بأن الحقوق المدنية والسياسية لا تحتاج لتدخل الدولة لحمايتها، لأنه من الواجبات الموضوعة على عاتق الدولة توفير حماية سلامة المواطنين، وضمان ممارستهم لحرياتهم، وتوفير الآليات الضرورية لاحترام حقوق الإنسان بإنشاء المحاكم، وضمان استقلال القضاء، والسهر على احترام القوانين، وضمان المساواة في تطبيقها.



ومن خلال ما تقدم يمكننا أن نستخلص بأن كل عمل على إقرار حقوق الإنسان، وضمان وسائل حمايتها، لابد وأن يأخذ بعين الاعتبار مبدأ الكلية وعدم القابلية للتجزئة، فلا مجال لتأجيل أو إلغاء أو تجاهل أي صنف أو فرع من الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، لأنها في مجموعها تشكل عناصر الكرامة التي هي صفة أصيلة في الإنسان، والكرامة إما أن تكون كاملة غير منقوصة، أو أنها لا تقوم لها قائمة.

وإذا كانت الحقوق لصيقة بطبيعة الإنسان، وتتجاوب مع حاجاته ومتطلبات حياته، فإنها لابد أن تتطور في جزئياتها بحسب تطور هذه الحاجات والمتطلبات، وبالتالي لا مناص من إغناء مفاهيمها، وتطوير آليات حمايتها، كلما ظهرت تحديات جديدة تهدد الإنسان في كينونته ووجوده، أو في سلامته الشخصية، أو تعوق تطوره ونموه الإنساني والاجتماعي، أو تحول دون تمكنه من المعرفة وتلقي المعلومات، أو تمس كرامته، أو تحد من حرياته، أو تقيد قدرته على الإبداع..

وقد ظهرت خلال السنين الأخيرة دعوات لإقرار حقوق قد يبدو أنها جديدة كالحق في السلم، والحق في البيئة السليمة، والحق في التنمية، وتندرج هذه الحقوق ضمن ما يعرف بالجيل الثالث لحقوق الإنسان، وإذا كان اعتماد المواثيق المتعلقة بهذه الحقوق جاء متأخرا بالنسبة للجيل الأول، حيث أن إعلان الحق في التنمية مثلا لم يعتمد إلا سنة 1986، فإن هذا الحق لا تخلو الإشارة إليه في مواثيق دولية سابقة بكيفية ضمنية، كميثاق الأمم للمتحدة الذي يرجع إلى سنة 1945، وهناك أيضا الإعلان العالمي حول التقدم والتنمية في المجال الاجتماعي الصادر سنة 1969.

وبصفة عامة يمكن القول بأن التطورات التي عرفتها البشرية تطلبت إبراز بعض الجوانب التي كانت مجرد جزئيات عند صدور الجيل الأول والثاني لحقوق الإنسان، والمواثيق التي شملت ما عرف بالجيل الثالث، ليست في الواقع سوى رد فعل على الظروف والمعطيات الجديدة، التي أصبحت تزخر بها الحياة المعاصرة، والتي تهدد حقوق الإنسان المعترف بها ضمن إعلان 10 دجنبر1948، وفي العهدين المتعلقين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فالحق في السلم هو تعبير عن رفض الحروب، وما تخلفه من ضحايا وآلام وخراب، وتمسك بالحق في الحياة، كما أن الحق في البيئة السليمة، يتجاوب مع طبيعة الكائن البشري، الذي يتضرر من التلوث، وتقتضي وقاية صحته البدنية والنفسية العيش في بيئة سليمة، والحق في التنمية يجسد الرغبة في التغلب على مشاكل التخلف، التي تمس كرامة الإنسان، تعوق حقه في التحسين المتواصل لمستوى عيشه، كما تعوق النهوض بحقوق الإنسان بوجه عام.

ومهما تعددت المواثيق الدولية التي تتناول مواضيع حقوق الإنسان في جزئياتها، ومهما تطورت آليات ووسائل الحماية الدولية منها والإقليمية والوطنية، فإن ذلك لا يمس بمبدأ الكلية وعدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة، لأن دراسة التفاصيل، والتعمق في الجزئيات لمواكبة الحاجات الجديدة، لا يمكن أن يؤدي لنفي الارتباط التكاملي بين كل الفروع والأجزاء التي تشكل في مجموعها جوهر حقوق الإنسان.




حماية حقوق الإنسان:

لقد سبق أن أوضحنا أن حقوق الإنسان ترتبط بطبيعة الكائن البشري، الذي خلق حرا ومكرما، والأصل هو أن يتمتع كل إنسان أينما وجد بحقوقه وحرياته الأساسية دون قيود أو حواجز، وأن تتوفر له ظروف الحياة الكريمة، غير أن الصراعات التي عرفتها البشرية منذ القدم، وطغيان الحكام وذوي النفوذ في شتى المناطق من العالم، ونزعة الهيمنة لدى بعض الدول العظمى، والتخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يشمل العديد من الدول، كل ذلك يهدد حقوق الإنسان، ويجعلها عرضة لانتهاكات متعددة الأشكال، الأمر الذي يحتم إيجاد الضمانات الكفيلة باحترام الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وتنقسم هذه الضمانات إلى نوعين: أحدهما يتعلق بالتدابير التي تتخذ على صعيد كل دولة، والنوع الثاني يتمثل في وسائل الحماية الدولية، ومن المفروض أن يكون هناك تكامل بين وسائل الحماية على المستويين الوطني والدولي باعتبار أن الهدف واحد وهو إقرار واحترام حقوق الإنسان بمفهومها الكوني.

1) الحماية الوطنية:

هناك عدة آليات لحماية حقوق الإنسان على المستوى الداخلي لكل دولة ومن أهمها نذكر على الخصوص:



أ) القوانين وفي مقدمتها الدستور الذي يسمو عن باقي التشريعات، التي لا يجوز أن تخرج عن المبادئ العامة التي يقرها، وعادة تنص الدساتير على أهم الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، حيث ترد أحيانا في صلب البنود الدستورية، كما هو الحال في دستور الولايات المتحدة الأمريكية، أو في مقدمة أو ديباجة الدستور كما هو الشأن بالنسبة للدستور الفرنسي والدستور المغربي، وهناك قوانين تضمن تمتع الأفراد والجماعات بحرياتهم، كحرية الفكر والتعبير والصحافة، وحرية تأسيس الأحزاب السياسية، والمنظمات النقابية، والجمعيات المدنية ذات الأهداف المختلفة، وحرية الانخراط فيها، وحرية تنظيم التجمعات في الأماكن العمومية، وهناك قوانين تتوخى ضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، كما توجد تشريعات أخرى لحماية بعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كحق الملكية، وحق القيام باستثمارات لتحقيق كسب مشروع، وحقوق الشغالين كالحق في الأجر العادل، والحق في الضمان الاجتماعي، وحق الإضراب...

ب‌) ولا يكفي أن توجد قوانين جيدة لحماية حقوق الإنسان، وإنما لابد من وجود سلطة قضائية نزيهة، ومستقلة عن كل السلطات، ومحصنة من أي تأثير، لتسهر على احترام القوانين، وحسن تطبيقها، وضمان مساواة الجميع أمامها.

ج) وإلى جانب آليتي التشريع والقضاء تقوم بعض الدول بإحداث مؤسسات خاصة، مثل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالمغرب، الذي تقابله اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان بفرنسا، ويتميز المغرب بإحداث وزارة مكلفة بحقوق الإنسان، في بداية التسعينات قبل أن تلغى سنة 2004، كما تم إحداث ديوان المظالم الذي يقابل مؤسسة (الوسيط) في بعض الدول.

وإلى جانب الآليات الرسمية، توجد بعض الجمعيات التطوعية التي تعمل في إطار المجتمع المدني، وتقوم بمهمة الدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وإثارة الانتباه للخروق، كما تساهم في التوعية بقيم حقوق الإنسان، وتوجد في المغرب عدة جمعيات من هذا القبيل، منها من يختص بحقوق الإنسان بوجه عام، ومنها من يختص بالدفاع عن حقوق بعض الفئات كالمرأة، والطفل، والمعاقين...

غير أن توفر آليات الحماية الوطنية المذكورة وغيرها، لا يمنع من وجود حالات لانتهاك حقوق الإنسان في كثير من الدول ومن بينها المغرب، والدول التي تترسخ فيها مقومات الديمقراطية تهيئ المناخ الأكثر ملاءمة لاحترام حقوق الإنسان، والمجال الأكثر خصوبة لنمو قيمها، وانتشار مبادئها، وتداول ثقافتها.



2) الحماية الدولية:

لقد بدأ الاهتمام الدولي بإيجاد الآليات الخاصة بحماية حقوق الإنسان على الصعيد العالمي، عندما أشرفت الحرب العظمى الأولى على نهايتها، وبرز هذا الاهتمام في ميثاق عصبة الأمم، ثم في ميثاق منظمة الأمم المتحدة التي خصصت حيزا هاما من مجالات اشتغالها لقضايا حقوق الإنسان، وذلك انطلاقا من الإيمان بكرامة الفرد وحريته، وبما للرجال والنساء، والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية (الفقرة 2 من ديباجة ميثاق الأمم المتحدة)، وأصدرت بعد ثلاث سنوات من تأسيسها، الوثيقة الرئيسية في منظومة حقوق الإنسان، وهي إعلان العاشر من دجنبر 1948، ولجعل المبادئ الواردة في الإعلان التزامات على عاتق الدول صدر العهدان الدوليان المتعلقان بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في 16 دجنبر 1966، والبرتوكولان الاختياريان الملحقان بالعهد الأول، ويتعلق أحدهما بالشكايات والتقارير التي يمكن لأي فرد أن يوجهها إلى لجنة حقوق الإنسان بمنظمة الأمم المتحدة، وقد اعتمد منذ البداية، والثاني يتعلق بمنع عقوبة الإعدام، ولم يتم اعتماده إلا سنة 1989 ، وبالإضافة إلى هذه المواثيق صدرت عشرات من الإعلانات والعهود التي تتناول حقوق الإنسان من شتى الجوانب، وتحدد الشروط والضمانات الكفيلة باحترامها، ومن المواضيع التي تشملها هذه الإعلانات والعهود، منع التمييز بجميع أشكاله، وخاصة التمييز العنصري، والتمييز ضد المرأة، وجرائم الحرب المرتكبة ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، وتحريم الرق والعبودية، ومناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية، أو المُهينة، أوالحاطة بالكرامة الإنسانية، وضمان المحاكمة العادلة، واستقلال القضاء، والمعاملة الإنسانية للسجناء، وضمان حقوق المرأة والطفل، وحقوق المهاجرين واللاجئين، وحقوق المعاقين، وحقوق كبار السن، والحريات النقابية، والحق في الإعلام، وحق الشعوب في السلم، والحق في التنمية...

وبالنسبة لأجهزة المنتظم الدولي، المهتمة بقضايا حقوق الإنسان، فإنه إلى جانب الدور الذي تضطلع به الجمعية العامة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، نذكر على الخصوص لجنة حقوق الإنسان، وهي الجهاز الأساسي الذي يعهد إليه بتحضير مشاريع الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان في العالم، وتقوم بتتبع أوضاع وقضايا حقوق الإنسان والمشاكل التي تطرح على الصعيد الدولي في هذا الشأن، كما تدرس التقارير التي تقدمها الدول حول الخطوات التي تنهجها في سياساتها الداخلية للنهوض بحقوق الإنسان.

وهناك لجن مرتبطة ببعض المواثيق الدولية، مثل لجنة محاربة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المحدثة سنة 1982، وتهتم بحقوق المرأة في إطار الاتفاقية المتعلقة بهذا الموضوع، والمعتمدة في 18 دجنبر1979، ولجنة مناهضة التعذيب والمعاملات غير الإنسانية والقاسية والحاطة بالكرامة، المحدثة سنة 1987 لتتبع القضايا التي تتناولها الاتفاقية الدولية المعتمدة في هذا الشأن سنة 1984، ولجنة حقوق الطفل التي تسهر على إعمال مقتضيات الاتفاقية الدولية المتعلقة بهذا الموضوع والمعتمدة سنة 1989.

وبالإضافة إلى اللجن التي تهتم كل واحدة منها بمواضيع معينة، هناك جهازان هامان وهما: مركز حقوق الإنسان الأممي، الذي يعد بمثابة سكرتارية تنسق بين مختلف أجهزة الأمم المتحدة المهتمة بحقوق الإنسان، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان التي أحدثت بقرار من المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد بفيينا سنة 1993، ولها صلاحيات هامة وواسعة في مراقبة كل الأنشطة الدولية التي تهم حقوق الإنسان.

وهناك أجهزة أممية أخرى يمكن أن تهتم بمواضيع لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بحقوق الإنسان، مثل منظمة العمل الدولية التي تهتم بحقوق الأجراء والحريات النقابية، ومنظمة اليونسكو التي تهتم بالحقوق الثقافية، كما تهتم بنشر ثقافة وقيم حقوق الإنسان على الصعيد الدولي.

وعلى الصعيد القاري أو الجهوي، تم إبرام اتفاقيات لحقوق الإنسان، وتعمل في إطارها لجان تتولى تتبع ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان في النطاق الجغرافي الذي تشمله الاتفاقيات المذكورة، وتتميز المنطقتين الأوربية والأمريكية، بتوفر كل منهما على محكمة جهوية لحقوق الإنسان، للفصل في المنازعات، وتقديم الاستشارات؛ وتجدر الإشارة إلى أن هناك تخلفا وتعثرا ملحوظين في هذا المجال على الصعيدين العربي والإفريقي، وعلى الصعيد الآسيوي لا يوجد حتى الآن جهاز إقليمي رسمي يهتم بحقوق الإنسان، غير أن هناك عدة منظمات غير حكومية تقوم بمبادرات وأنشطة في بعض المجالات ذات الصلة بهذا الموضوع.

ولا ينحصر الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان على المستوى الدولي في الأجهزة الأممية والجهوية التي تمثل الحكومات، وإنما هناك أيضا العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية المهتمة بهذه القضايا، ونذكر منها على الخصوص:



منظمة العفو الدولية:

التي ترجع فكرة إحداثها إلى سنة 1961 حينما نشر أحد المحامين مقالا في (الأوبزرفر) يعبر فيه عن اندهاشه لعدد المعتقلين في العالم بسبب آرائهم وأفكارهم، ويدعو للقيام بحملة دولية من أجل العفو، ومن أهداف هذه المنظمة:

ـ مساعدة المعتقلين من أجل الرأي، أو المواقف السياسية، الذين لم يستعملوا العنف ولم يحرضوا على استعماله.

ـ توفير الضمانات القضائية في المحاكمات السياسية.

ـ إلغاء عقوبة الإعدام.

ـ إدانة التعذيب والمعاملات اللا إنسانية والقاسية أو المهينة.

ويوجد المقر الرئيسي لمنظمة العفو الدولية بلندن، ولها فروع في العديد من الدول منها المغرب، وتنشر عدة مطبوعات منها التقرير السنوي الذي يرصد أوضاع حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم (18).

وهناك عدة منظمات دولية أخرى غير حكومية تهتم بحقوق الإنسان، مثل اللجنة الدولية للحقوقيين، التي يوجد مقرها بجنيف، والجمعية الدولية للحقوقيين الديمقراطيين، التي يوجد مقرها ببروكسيل، والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان التي يوجد مقرها بباريس، ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان (HUMAN RICHTS WATCH) التي يوجد مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالنسبة للوطن العربي يمكن أن نذكر اتحاد المحامين العرب، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان (19).

وعلى الرغم من وجود ترسانة هائلة من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وعدد هام من الأجهزة الأممية والجهوية المختصة بالموضوع في العالم، بالإضافة إلى المنظمات الدولية غير الحكومية التي ترصد الخروق، وتعمل على ضمان احترام حقوق الإنسان على الصعيد الدولي، فإن هذه الحقوق لا يمكن القول بأنها بخير، بل تتعرض للكثير من الانتهاكات، إما عن طريق الاحتلال المباشر والتنكيل بالشعوب، كما هو الحال في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق، أو تحت غطاء محاربة الإرهاب، كما حصل في أفغانستان، أو عن طريق تكريس نظام دولي غير عادل، وفرض نزعة الهيمنة على الشعوب المستضعفة من طرف القوى العظمى، وكثيرا ما تقف منظمة الأمم المتحدة مكتوفة الأيدي أمام غطرسة بعض الدول التي لا تجد حرجا في انتهاك الشرعية الدولية، مما يتطلب إعادة النظر في دور المنتظم الدولي وآليات اشتغاله، لضمان التوازن والتكافؤ بين الدول، وتسهيل إقامة السلام في كل مواقع التوتر في العالم، على أساس العدل والإنصاف، واحترام إرادة الشعوب، وحماية كرامتها وسيادتها داخل بلدانها، وليس على أساس المصالح الخاصة لبعض الدول العظمى.




هوامش:

1) أنظر عبد القادر العلمي، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، دراسة تحليلية مقارنة منشورة في جريدة (العلم) في ثلاث حلقات بتاريخ 28 يوليوز و4 و 11 غشت 1990.

2) محمد فتحي عثمان،حقوق الإنسان بين الشريعة والفكر القانوني الغربي،دار الشروق، الطبعة الأولى،1982،ص29.

3) أنظر إدريس العلوي العبدلاوي،أصول القانون،الجزء الثاني،نظرية الحق،ط 1، 1972 ص 45 .

4) عبد الفتاح عبد الباقي،نظرية الحق،ص 8 .

5) جميل الشرقاوي،دروس في النظرية العامة للحق،ص 27.

6) محمد سامي مذكور،نظرية الحق، ص 9 ـ 10.

7) إدريس العلوي العبدلاوي،م.س.ص39.

8)فتحي الدريني،الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده،ص 251 ،عمان دار البشير1997 .

9) محمد سعيد مجدوب،الحريات العامة وحقوق الإنسان،ص 9 .

10) أنظر :

VASAK Karel,Les Dimension Internationales des Droits de l’Homme,Paris,UNESCO,1978.

Voir aussi : BECET Jean Marie, et COLARD Daniel, Les Droits de l’Homme, Edission Economica, Paris,1982,p 9,10.

11) أنظر:م.س: VASAK Karel

12) MADIOT Yves, Droits de L’Homme et libertés publiques,Editions Masson, Paris,1976,p 19.

13) أحمد الرشيدي، حقوق الإنسان في الوطن العربي، دار الفكر،دمشق، 2002، ص22.

14) عبد القادر العلمي، حقوق اللإنسان بين النظرية والتطبيق، مطبعة الرسالة، الرباط 1986، ص:9.

15)الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، أسئلة وإجابات، نيويورك،1987،ص4.

16) أنظر كتابنا حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق، مطبعة الرسالة، الرباط، 1986، ص 9.

17) الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، مكتب الإعلام العام، نيويورك،1978، ص 16.

18) للاطلاع على التفاصيل يراجع كتابنا حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق، م.س.ص 57 و58.

19) أنظر المرجع السابق، ص 58و59.
منقول

مدخل إلى مشكلة الحقّ في الفلسفة الكانطية

بقلم: روزين شيخ موسى

مشكلة الحقّ مشكلة أبدية، لا تقتصر على البحث في العلاقات الإنسانية في جانبها التاريخي فحسب، بل تمتد لتتناول جوانب سياسية وأخلاقية وقانونية …، فهي بوصفها مشكلة إنما تحتضن كل تاريخ العلاقات الإنسانية من نشأة المجتمعات السياسية، وأصل الحكومات، ومشروعية السلطة السياسية، ومصدر الإلزام القانوني، وعلاقات الدولة بالأفراد، ومفاهيم الواجب والقانون والمسؤولية . فمشكلة الحقّ مشكلة فلسفية بامتياز، بحكم تداخلها وارتباطها الوثيق بالوجود الإنساني، وبماهية هذا الوجود الحرّ، وبطبيعة العلاقات الإنسانية.

وما بحث عمانوئيل كانط في مفهوم الحقّ إلا محاولة لإعادة بناء العلاقة ما بين الحق والقانون عبر توسط الواجب الأخلاقي فهدف كانط إنما هو تبيان الحقّ في ذاته من خلال «تفسير طبيعته وأصله الميتافيزيقي»(1)، في محاولة لحل مشكلة الفلسفة السياسية الحديثة المتمثلة في التعارض بين الشرعية والأخلاقية أي بين الحق) بوصفه حقاً قبلياً فطرياً جوهرياً لا يمكن المساس به و القانون بوصفه السلطة المشرعة لحقوق الأفراد في الحالة المدنية، ومن ثم البحث في الصلة بين الإلزام القانوني الوضعي و بين الحق والواجب الأخلاقي بوصفه حداً وسطاً بين الأخلاق نظرية الحقّ والسياسة الممارسة العملية للحقّ.
يبني كانط مذهبه الأخلاقي انطلاقاً من البحث في تصور الإرادة الخيرة في ذاتها عبر تصور الواجب فالإرادة الخيرة لا ترتبط بمنفعة أو ميل بل هي مستقلة عن أي فائدة أو أثر كما يصفها (كانط)« تلمع بذاتها لمعان الجوهرة مثل شيء يحتفظ في نفسه بكل قيمته»(2)، ومن ثم يفحص (كانط ) فكرة الواجب للاستدلال على خيرية الإرادة فاتفاق الفعل أو الميل مع الواجب إنما يكون نابعاً من شعور حقيقي بالواجب فقط منـزهاً عن أي ميل لتحقيق سعادته الذاتية فلا يقع تحت تأثير الميل الباطني ولا لموضوع خارجي. والواقع أن (كانط) يعرّف الواجب بأنه: «هو ضرورة القيام بفعل عن احترام للقانون»(3)، وهو ينشأ بدافع من العقل ومبادئه الحقة ووليد احترامه الكلي للواجب عينه .

أن مبدأ الإرادة والصورة القانونية العامة للأفعال، أي ما يسميه بـ"القانون في ذاته" إنما يكمن في المسلمة الأساسية لهذا القانون أو «الأمر الكلي للواجب»(4.)

وهكذا، فإنّ القانون في ذاته والصورة القانونية للأفعال إنما تستمد شرعيتها من الأمر الكلي (للواجب) المستند بدوره على الحق الطبيعي، فعبر تأكيد (كانط) على نظرية الحق في بعده الأخلاقي وممارسة الحق في بعده القانوني السياسي، إنما يعيد بناء العلاقة ما بين الحق والقانون على أساس التكامل : فكلاهما وجهان لعملة واحدة لا انفصال بينهما عبر توسط مفهوم الواجب المؤسس للقانون في الدولة .

إذ، ينطلق (كانط) في معالجته لمفهوم الحقّ من الحالة الطبيعية لا بوصفها فرضاً ذهنياً أو تاريخياً مؤسساً للحق المدني حيث العقد الاجتماعي الذي ينقل الأفراد إلى الحالة المدنية الوضعية بل باعتبارها «تساؤلاً أخلاقياً» (5)، شغل (كانط ) هو ( لما وجب ترك حالة الفطرة الأولى التي يعيش فيها الفرد الطبيعي)؟ بوصفه كياناً مستقلاً «خيراً وشريراً في آن واحد»(6)، في رغبة لامحدودة وحرية مطلقة لا متناهية دون حد أو قسر على إرادته. إن ( الحق ) في الحالة الطبيعية حق للأقوى فإرادة الفرد في نزاع دائم لنفي وإلغاء حقوق الآخر ولإرادته ولملكيته إذ يتم إقرار (الحق) بواسطة الحرب.

فـالحرب هي التي تحدد «ما هو لي وما هو لك»(7)، و الحق السائد في الحالة الطبيعية هو ما يسميه (كانط) بـ«الحق الخاص أي العلاقات القانونية الخاصة القائمة بين الأعضاء»(8) حيث لا ضمان لاستمرار الحق الخاص ولقسر إرادة الأفراد على الالتزام بقانون الطبيعة الحرية بوصفه «الحق الفطري الوحيد» (9) المؤسس للحرية الفطرية.

إن انتقال الأفراد للعيش في مجتمع الدولة هو بمثابة ضرورة تقتضيها طبيعته واستعداداته الفطرية مستفيداً من التعارض القائم داخل الحالة الطبيعية، وهذا ما دلل عليه (كانط) في كتابه "ميتافيزيقا الأخلاق" مميزاً بين قانون الطبيعة والقانون الوضعي العقلي المحدد لقوانين الأفعال والملكات الإنسانية «فمن ناحية انتمائه لعالم محسوس يخضع لقوانين الطبيعة (التنافر) وهو من ناحية انتمائه لعالم معقول يخضع لقوانين مستقلة عن الطبيعة غير تجريبية بل قائمة على أساس العقل وحده» (10).

إن هذا الانتقال لا يتم إلا عبر تخلي الأفراد عن الحرية الطبيعية المطلقة للانتقال من حالة القصور- ومن هنا التنوير العقلي عند كانط - إلى حالة يتم فيها «الإذعان لإلزام القوانين العامة»(11)، جاعلاً من العقل مصدراً وضمانةً للسلام بوصفه « المصدر الأعلى لكل تشريع أخلاقي» .

فبموجب هذا العقد الأصلي تتحد إرادة الفرد مع الإرادة الكلية لمجموع الأفراد المتعينة في دولة (القانون الوضعي المدني )، دون التنازل عن الحرية الفطرية للفرد بل الدخول في هيئة قانونية وضعية حامية لهذه الحرية. ففي الانتقال إلى الحالة المدنية العقلانية والأخلاقية تبدأ الذات بوعي إرادتها الحرة من خلال سنها للتشريع واحترامها لمبدأ القانون الكلي، بوصفه معبراً عن الحرية التي هي «الفكرة الوحيدة من جميع فكر العقل التأملي التي تعرف إمكانياتها معرفة بدئية وذلك لأن هذه الفكرة هي شرط القانون الأخلاقي الذي نعرفه»(12)، إن الحق الوضعي في الحالة المدنية ما هو إلا قانون الحرية المتمثل في الدستور الجمهوري الدستور الوحيد المجسد لمبادئ الحق الخاص العقد الأصلي والضامن للسلم ولأنه الدستور الوحيد الذي يعامل الفرد كقيمة أخلاقية يتمتع بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية استناداً إلى التشريع الوضعي بوصفه شرط تعين المواطنة في الدولة المدنية .

يرى (كانط)، إن استمرار حالة السلم بين الأفراد في الدولة المدنية إنما يتأسس على القوانين الأخلاقية المطلقة والضرورية بوصفه إلزاماً قانونياً يمارس على إرادة الفرد لا قسراً خارجياً على هذه الإرادة، بل باعتباره إلزاماً ذاتياً أخلاقياً نابعاً من شعور الفرد بالواجب الأخلاقي حيث الأخلاق ( نظرية الحق) تصبح بعداً أساسياً للسياسة فهو يقول : «لا ينبغي أن نطلب إلى الأخلاق تنظيم الدولة تنظيماً سياسياً صالحاً بل ينبغي أن نتوقع من النظام السياسي الصالح تثقيف الشعب تثقيفاً أخلاقياً صالحاً » (13).

هكذا، يعطي (كانط) لمفهوم الحق أهمية قصوى في مذهبه بوصفه توسطاً بين السياسة والأخلاق أي بين الممارسة العملية للقانون والحق وبين النظرية العامة للحق فبتعين مفهوم ( الحق) في الدولة ينتفي التصادم بين الأخلاق بوصفها ما ينبغي أن تكون وبين السياسة أي ما هو قائم، ويرى (كانط) أن خطأ الفلاسفة في تناولهم لمشكلة انقسام الذات بين ( الحق الطبيعي) و( الوضعي) و بين (الأخلاقية) إنما هو ناجم عن فهمهم لطبيعة الإلزام القانوني باعتباره قسراً خارجياً على الإرادة لا فعلاً نابعاً من إرادة الفرد ذاته.

وجه (هيغل ) أشد النقد لمذهب (كانط ) النقدي، إذ يرى أن فلسفته تقتصر على البقاء في دائرة الفكر التجريدي الذاتي والاستقلال الحر الصوري دون أن يستطيع إضفاء طابع الموضوعية على فكره، ففي معرض تعريف (كانط )، (لمفهوم الحق) يستند في تصوره للحرية على الاختيار الإرادي الذاتي الأمر الذي يجعل من تعين الحرية لديه تعيناً سلبياً مجرداً لا يتحدد بأي مضمون، فحتى في الجانب الايجابي لهذا التعريف المتضمن في الطابع الكلي للأمر الأخلاقي المطلق للواجب إنما يستند إلى تصور كلي صوري فارغ من أي مضمون أو معيار يحدد هذا التعين بوصفه مسوغاً لكل سلوك أخلاقي حر فهو قائم على فعالية ذاتية مجردة تؤسس للتناقض والجوازية

فـ (كانط )، برأي (هيغل) لم يخرج من دائرة الفكر التجريدي الذاتي . فتصوره للقانون الأخلاقي إنما يقتصر على الواجب الصارم بوصفه تعيناً ذاتياً داخلياً ومجرداً يتحدد بالامتناع عن القيام بفعل ما، فتعين (الحرية والحق) يطغى عليه الجانب السلبي للواجب القاسي دون أن يتعين موضوعياً، لذا فهو برأي (هيغل) بقي في دائرة الصورية والشكلية المجردة دون أن يميز الاختلاف الجوهري بين الأخلاق والأخلاقية الموضوعية بوصفها تضفي على (الحق والإرادة) تعينات أكثر تشخيصاً وواقعية، إذ يقول (هيغل) :«أما اللغة الكانطية، فتفضل استعمال كلمة أخلاقية، وكما تتحدد المبادئ العملية لهذه الفلسفة أيضاً، تحدداً كاملاً بهذا المفهوم، وتجعل من وجهة نظر الأخلاقية الموضوعية ذاتها مستحيلة، فإنها تلاشيها،وتحاول هدمها »(14).

هكذا يؤكد (هيغل)، أن (كانط) يبني على أساس فكرته عن الإرادة الذاتية والحرية الصورية (حق) الشخص أولاً بوصفه (حقاً) لإرادة حرة مستقلة، الأمر الذي يحيل جميع العلاقات الروحية إلى دائرة الشيئية فيقيم علاقات الزواج وعلاقات الدولة وحتى علاقات الحرب والسلام بين الدول على التعاقد الإرادي الذاتي لا بوصفه تعيناً (للحق) موضوعياً، إذ «إننا لا نستطيع إذن، أن ندخل الزواج في مفهوم العقد، أن هذا الإدخال مقرر لدى كانط، في كل بشاعته، كما ينبغي لنا أن نقول، كذلك، لا تقوم طبيعة الدولة على علاقات تعاقدية » (15).

بيد أن (هيغل )، على الرغم من ذلك لا ينكر فضل (كانط) في تأسيسه لمبادئ الإرادة الخالصة وتعيناتها المجردة في صورة واجب أخلاقي لكنه يبقى بوصفه واجباً من أجل (الواجب) فقط دون أن يخرج من دائرة الصورية والذاتية «فـالاعتراف، بالإرادة قد انتظر الفلسفة الكانطية، من أجل أن يكتسب أساسه المكين، ونقطة انطلاقه كذلك»(16).

من هنا، فـ (كانط ) يؤسس لحل يوفق بين (الشرعية القانونية ) أي إلزام الإرادة المتعينة بوصفها خيرة في ذاتها وحد على حرية الفرد المطلقة واستقلاله الذاتي وبين (الأخلاق) بوصفها (قوانين للحرية) وغاية تطلب لذاتها وضمانة للسلم بين الأفراد .

ومن المؤكد أن النتيجة التي توصل إليها كانط في دراسته للحق ما تزال تستحق مناقشتها والعودة إليها، والتعلم منها وخاصة في مجتمعات مل مجتمعنا الذي لم يعترف للفرد بعد حتى بحقوقه الطبيعية دع عنك الدرجات المدنية للحق والأخلاق والقانون.

الهوامش:

1 - لالاند : موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الأول، تعريب خليل أحمد خليل، بيروت / باريس، منشورات عويدات، ط1، 1996، ص305 .
2 - كانط عمانوئيل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، قدم لها وترجم عبد الغفار مكاوي، راجعها عبد الرحمن بدوي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980 ط 2، ص19.
3 - كانط عمانوئيل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، قدم لها وترجم عبد الغفار مكاوي، راجعها عبد الرحمن بدوي،القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980 ط 2، ص27.
4 - المصدر السابق : ص30 .
5 - أحمد : محمود سيد : دراسات في فلسفة كانط السياسية، القاهرة، دار الثقافة، 1988 ص30 .
6 - العراقي، سهام محمود : فلسفة كانط في التربية، الإسكندرية، مطبعة الجهاد، 1984 ص15 .
7 - المرجع السابق : ص6 .
8 - المرجع السابق : ص13 .
9 - المرجع السابق : ص32 .
10 - كانط عمانوئيل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، قدم لها وترجم عبد الغفار مكاوي، راجعها عبد الرحمن بدوي،القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980 ط 2، ص115 .
11 - كانط، عمانوئيل، مشروع للسلام الدائم، ترجمة عثمان امين، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، 1952، ص58 .
12 - كانط، عمانوئيل : نقد العقل العملي، ترجمة أحمد الشيباني، بيروت، دار اليقظة العربية، 1966 ص18.
13 - المصدر السابق : ص 78- 79 .
14 - المصدر السابق : ص 83 .
15 - المصدر السابق : ص121
16 - المصدر السابق : ص170 .

عن موقع الأوان

الخميس، 5 مايو 2011

سعار إعلامي ضد مسلمي أمريكا يقوده مردوخ

سعار إعلامي ضد مسلمي أمريكا يقوده مردوخ

ربنا يشفي
وربنا يهدي
وربنا يكفينا
وينصرنا
وينصر دينه
واجمعوا الاموال
وانفقوها في الصد عن سبيل الله
وفي الاخر
ستكون عليكم حسرة
وتغلبون!!!!!!!!!!!!!!!

الأربعاء، 4 مايو 2011

الثقافة العربية الحديثة: التيارات وتفكيك المقولات

بقلم : عبد الرحمن حللي المصدر : الملتقى الفكري للإبداع 2010-09-30
إن الكتاب إذ حاول فك أسر الثقافة العربية الحديثة من مقولات الحداثة وفكرة التقدم، فقد نجح في تفكيك معظم الأفكار التي تتبنى هذا النسق، لكن البديل الذي يطمح إليه لم يتبلور بعد، وإن بدا أحياناً وكأنه لم ينقطع، كما أن الشروط التي يضعها والخصائص التي يميز بها البديل النموذج إن حررت الثقافة العربية من أسرها فإنها ستنقلها إلى أسر آخر هو ما انتقاه من هذه الثقافة المتكاملة.

ثقافة في الأسر نحو تفكيك المقولات النهضوية العربية محمد عادل شريح دار الفكر ، 2008 ، 360 ص . قرنان من الزمان هما عمر عصر النهضة العربية الحديثة كما يؤرخ لها دعاتها، وقد مضت ولا يزال العالم العربي والإسلامي يعيش أسئلتها الأولى على اختلافها، وقد كثر التنظير حول أدبيات هذه النهضة وتاريخها ورموزها وإشكالياتها، لكن معظم ما كتب كان يأتي في سياق التقرير الذي يبحث من داخل نسق المنظومات الفكرية لخطاب النهضة، وكان كثير من هذه الكتابات يمارس جلداً للذات العربية والإسلامية، الحضارية والتاريخية والمعاصرة، بصيغ قادت إلى رؤى عدمية ونفاق يصنع من الآخر قديساً ومن الذات إبليساً عبر أقلام دأبت أن تكتب حسب الرواج في أسواق الفكر المعاصر، فيما كانت بالمقابل رؤى عدمية أخرى ذات خلفية سلفية رأت في خطاب النهضة مؤامرة وعمالة، وفي استخدام العقل جريمة، فاتخذت من تصنيف الخطاب الإصلاحي جواباً بحد ذاته عن إشكالاته التي كان يحاول الإجابة عليها. لم يدفع نقد خطاب النهضة ودراسات العقود الأخيرة حولها الفكر نحو معالجات صريحة وبناءة يمكن من خلالها تحقيب الرؤى الفكرية، وفتح آفاق جديدة للفكر المعاصر، إذ كانت تلك المعالجات مسكونة بهواجس دعاة النهضة أو من خلال الترصد لها، وما تقدمه هذه المقاربة، هو نمط جديد من نقد الخطاب النهضوي يسهم بقدر كبير في إعادة طرح أسئلة مركزية طالما لم يقف عندها كثيرون من دارسي الفكر المعاصر ودعاة الحداثة ومؤرخي النهضة، فتنبع أهمية هذه الدراسة من معالجتها أسئلة جوهرية يمكن من خلال تقييم الإجابة عليها وضع لبنات جديدة في البناء المعرفي المعاصر، فما يتم من المراكمة العشوائية للأجوبة عن أسئلة النهضة والإصلاح يجعلها مثار إشكال جديد يرجع بالقضايا إلى المربع الأول، لذلك فمن الأهمية بمكان في الدراسة النقدية لمقولات النهضة محاولة تفكيك المقولات والعودة بالقارئ إلى المقدمات التي تأسست عليها الثقافة العربية الحديثة، وهي ما أشار إليه الباحث في عنوان الكتاب:".. نحو تفكيك المقولات النهضوية العربية". السؤال الآخر الذي كان يحمل الباحث همه في ثنايا الكتاب، هو إبراز ما كشف عنه في سياق الحفر التاريخي في عصر النهضة وما قبله، وهو النسق الآخر الموازي لخطاب النهضة بل المناهض لمقولاتها، والذي يرى فيه الباحث البديل الحقيقي والاستمرار الطبيعي لنسق الثقافة العربية الإسلامية المتكاملة، إذ يرى أن رموز هذا النسق كانوا يدركون طبيعة المسار التاريخي للثقافة العربية ويدركون مخاطر التحولات التي ألجئت إليها عبر خطاب النهضة، بل يمكن القول إن الكتاب في معظمه يحمل رسالة هي إبراز هذه الرموز (اختار محمود شاكر ومصطفى صبري كأبرز علمين لها) وما قدمته من نقد لمقولات النهضة، واعتبر ما يمثلانه من ثقافة هو السياق الطبيعي للثقافة العربية الإسلامية، وهو الامتداد الوحيد لثقافة عمرها أربعة عشر قرناً، وإن كان لنا أن نسجل ابتداء تحفظاً على التعميم والمبالغة في هذا الجانب وجوانب أخرى، فينبغي ألا نغفل جدية محاولة الباحث في إبراز هذا الجانب من زاوية البعد النقدي لمقولات الفكر العربي الحديث وريث الخطاب النهضوي، ومن زاوية إبراز نسق مجهول في تاريخ الثقافة العربية الحديثة وما قبلها، وسأبرز هذين الجانبين في ثنايا مراجعة هذا الكتاب الذي قسمه المؤلف إلى ثلاثة فصول، تناولت الظروف التاريخية لتشكل الثقافة العربية الحديثة، والتيارات الأساسية لهذه الثقافة، ورؤيتها للخروج من الأزمة. ظروف تشكل الثقافة العربية الحديثة عالج الباحث في الفصل الأول ظروف التشكل التاريخية والمعرفية للثقافة العربية الحديثة، فناقش فيه المفاهيم والمصطلحات الأساسية لاسيما مفهوم الثقافة والمثقف، وخلص إلى أن الثقافة هي النشاط الواعي والمتقن الهادف إلى المعالجة والتقويم، وأن للثقافة مستويان، مستوى عميق يمثل المبدأ الثابت، وهو مفهومي بحت، يعبر عن رؤية للعالم، ومستوى آخر هو مستوى الممارسة الآنية التي تنسج الوجود بوحي من ارتباطها بمبادئها الأولى، وعلى هدي منها. ويضبط الباحث مجال دراسته بالثقافة العالمة التي تتمثل بالثقافة المكتوبة والجهد الذي تقوم به النخب الفكرية في عملية البناء الثقافي، ويلاحظ في هذا السياق الانقطاع غير المفهوم وغير المبرر بين الثقافة العالمة والثقافة الاجتماعية، بحيث تصبح هذه الثقافة العالمة معبرة عن مضامين فكرية لا تجد لها مصداقاً أو أرضية أو تفاعلاً في إطار الثقافة الاجتماعية، أو أنها تكون معبرة عن ثقافة مجتمع آخر. ويتوقف عند معالجة مالك بن نبي لمسألة الثقافة التي يرى أنها تنتمي إلى ذات السياق الذي طرحت فيه الإيديولوجية النهضوية العلمانية الحداثية مفهومها للنهضة، ولا يختلف إلا بطبيعة الخطاب الإسلامي الذي ميزه عن آخرين من مفكري النهضة، وبالمقابل يتبنى الباحث معالجة محمود شاكر للمسألة الثقافية، ويعتبر مفهوم (الثقافة المتكاملة) الذي طرحه شاكر مفهوماً مركزياً في دراسته، والذي يعني أن الثقافة هي مجموعة المعارف المكتسبة من البيئة المحيطة في مقتبل العمر إضافة إلى الموروث الفكري والممارسة الثقافية المستندة إلى المقدمات الأولى والموروث الحضاري، فثمة وحدة وانسجام يعبران عن رؤية ثقافية بنيت عليها حضارة الإسلام، ولم يكن التنوع في هذه الحضارة إلا نتاج الرؤية الثقافية الإسلامية للعالم على تنوعه واختلاف مظاهره. وبالمقابل يلاحظ انتشار منظور ثقافوي يعتبر أزمة الثقافة العربية تتمثل في عدم قدرتها على تجاوز إشكالية الحداثة، والتي جاءت مع الحملة الفرنسية على مصر، وهو توصيف يرسخ تقويماً متدنياً للذات يتحول إلى عامل مدمر للشخصية الفردية أو الجماعية، ويشل قدرتها على التأثير، فيدعو الباحث إلى تجاوز حالة "الندب الثقافي" التي يستثني المثقف نفسه منها، ويدعو إلى الإجابة عن السؤال الأهم: ما الذي منع الحداثة أن تنتصر في الثقافة العربية؟. ويدعو الباحث إلى إحياء "المثقف العضوي" بمعنى المنتمي إلى ثقافة الجماعة التي يمثلها ويدافع عنها ويعمل على تطويرها وإغنائها ويكون ممثلاً للثقافة العالمة، ولا ينقطع عن الثقافة الجماعية، في مقابل شريحة المثقفين (النخبة اللاعضوية) التي دخلت ساحة الفعل والتأثير والمحكومة بملابسات وظروف نشأتها في الغرب، حتى أصبح الإحساس بالانتماء يبدو لديها وكأنه يحد من شرط الحرية المطلقة التي يفترضها المثقف لنفسه، وأصبحت هناك ثوابت في الخطاب الثقافي العربي والإسلامي تتمثل بحتمية الحداثة الغربية وأن الدين إيديولوجية ماضية، والانتماء ينبغي أن يكون إلى ثقافة حداثية أو إنسانية أو عالمية، حتى تحول المثقف إلى عميل للحداثة وكائن مستتبع ثقافياً وسياسياً، لذلك كانت الهوية حجر عثرة في طريق مشروع المثقفين التغريبي الذي أطلقت عليه أسماء مختلفة: تنويري، تقدمي، علماني، تجديدي، نهضوي، . .، وتحولت الهوية إلى هاجس مرضي يراود خيال ثقافة مريضة. الزمن التقدمي ومفهوم عصر الانحطاط من الأفكار المركزية التي يؤسس عليها الباحث نقده نظرة المثقفين إلى الزمان ومكونات اللحظة التاريخية لميلاد الثقافة الحديثة، ويفكك بتوسع مفهوم عصر النهضة والتحقيب الزمني الذي أسس عليه وما تبعه من أحكام تاريخية ونظرة مستقبلية، فتكاد تجمع المصادر المؤرخة للفكر العربي على مفصلية عام 1798م (بدء الحملة الفرنسية على مصر) بين عهد الانحطاط وعهد النهضة، فارتبطت ولادة الثقافة العربية الحديثة بتغير حاد في فهم الزمان والحركة التاريخية، ودخل مفهوم الزمن التقدمي، المرتبط بفكرة التقدم التي تعني الحركة إلى الأمام مع قيمة مرتبطة بهذه الحركة، وصنعت الفكرة انقلاباً في مفهوم الزمان والتاريخ يتمثل في التخلي كلياً عن الرؤية الدينية للزمان، فالتقدم هو حركة العقل في التاريخ، وأصبح للزمن قيمة معيارية حاكمة متسلطة على الفكر، فالحقيقة والصواب والجيد هو ما سينجلي عنه الزمان، وفكرة التقدم مركزية غربية متأصلة، لكنها انتهت في الغرب وتعرضت للتفكيك من قبل مفكري ما بعد الحداثة، لكنها لازالت موجودة لعدم وجود البديل، وقد انتقلت إلى الثقافة العربية بيسر وسهولة، وعبر عنها بعبارات مثل الترقي والتمدن والتطور والتحضر، وأصبحت من أهم القضايا التي شغلت الفكر العربي الحديث، وأصبحت ذات بعد معياري، حتى رد محمود شاكر على دعاة هذه الفكرة بأن الزمن لا يكون علة إنشاء الحضارة إنما هو تبع للإنسان الحي. وتكمن خطورة الفكرة أنها آلت إلى إعادة تأسيس شاملة قائمة على النفي الشامل للذات واستجلاب بنية معرفية وقيمية ونفسية وسلوكية جديدة وزرعها بطريقة جراحية، وقد قامت مشاريع لذلك خلفت ركاماً من الأنقاض الثقافية دون أن تفلح في بناء أي شيء جديد، وكان من نتائج الرؤية التقدمية في الفكر العربي ربط مصير أفق الصيرورة التاريخية والحضارية للفكر العربي الحديث بأفق النموذج الحضاري الذي أنتج هذه الأيديولوجية (الحضارة الغربية)، وتحول أفعال كالتجديد والإبداع والتحديث إلى قيم بحد ذاتها بغض النظر عن محتواها، وتحول التراث والتقليد والماضي إلى قيم سلبية مرفوضة نفسياً ومعرفياً، واقتضى تبني الحداثة إدخال مقدماتها المعرفية المختلفة حتى القيم والمسلكيات الشكلية، وأخذت هذه المدخلات صفة الحاكمية على المجتمع والمعرفة بل وحتى على التراث، وأورثت انقساماً بين جموع الأمة وبين ثقافة النخبة، وتم التأسيس لحالة من الانقطاع المعرفي والتاريخي بين الماضي والحاضر نتيجة لتثبيت مقولتي الانحطاط والنهضة. ثم يشرع الباحث في تفنيد مفهوم عصر الانحطاط في التاريخ والثقافة العربية الحديثة، ويولي أهمية كبيرة لتفكيك هذا المفهوم، إذ إن مفهوم النهضة يستند كلياً عليه، وتستمد النهضة مشروعيتها التاريخية والفكرية من إثبات مقولة عصر الانحطاط الذي سبق عصر النهضة، وبالمقابل يستند التيار السلفي المتزامن مع عصر النهضة إلى نفس المفهوم على اعتبار أن ما قبله عصر انحطاط ديني، ففكرة عصر الانحطاط فكرة مريحة للجميع وتم تبنيها من دون نقاش، وترجع الفكرة إلى تبني الرؤية الغربية لفلسفة التاريخ والتحقيب الثلاثي المراحل، وقد تحول مفهوما الانحطاط والنهضة إلى مفهومين مركزيين في كل المنظومة الفكرية والثقافية العربية الحديثة، ويركز الدكتور شريح نقده لهذا المفهوم على تفكيك مجموعة من التعميمات ومراجعة كثير من المعطيات التاريخية ذات الدلالة ومدى صلتها بدعوى الانحطاط والمجال المدعى فيه. ففي سياق نقده أثر الانحطاط السياسي يدعو إلى فك الارتباط المباشر بين الحياة الثقافية والعلمية والحياة السياسية، ويستشهد لذلك بتأريخ الانحطاط السياسي بالقرن الثالث الهجري الذي لم يصنف بأنه عصر انحطاط، وكذلك بوجود حالات نهوض سياسي في عصور الانحطاط المدعاة كدول الزنكيين والأيوبيين والمماليك، ودحر العدوان الصليبي والمغولي، وفتح القسطنطينية. وفي نقد مفهوم عصر الانحطاط في الأدب العربي يرى أنه لا يستند إلى أي مبررات سوى تقليد المستشرقين، وهو مفهوم فندته الدراسات المتخصصة، ويستعرض أمثلة لأعلام عصر الانحطاط، أما الانحطاط كمفهوم فلسفي عقلي، الذي أسسه الجابري ويقصد به انحطاط العقل العربي وتخليه عن إنتاج وتطوير منظومات معرفية عقلية برهانية، فيلاحظ أن تباين المناهج لا ينفي وحدة الرؤية الشمولية، وأن ما جرى في مرحلة ما بعد الغزالي إنما هو ترتيب للمنظومات المعرفية لتأخذ كل واحدة منها مكانها الطبيعي ضمن سلم المعرفة. أما الانحطاط في العلوم الأساسية والتطبيقية فلم يتوقف عنده منظرو عصر الانحطاط، ربما لعدم افتراضهم وجود مثل هذه العلوم، بينما يشير المؤرخون إلى تطور كبير لهذه العلوم في عصر الانحطاط لاسيما بعد نضج واستقرار العلوم العقلية في القرن السادس؛ فثمة آلاف المخطوطات في هذه العلوم مهملة ولما تدرس، كما أحصي في المرحلة الممتدة بين (522هـ-1317هـ) ما يصل إلى 1615 عالماً في مجالات العلوم النظرية والأساسية والتطبيقية ممن كانت لهم مؤلفات، وتراث علمي بهذا الحجم لا يمكن اعتباره إرث انحطاط، وينتهي بعد استعراض نماذج من علماء هذا العصر، إلى التساؤل: ألم تكن هذه العلوم العربية الإسلامية المنطلقة من رؤية وفلسفة ومنهجية مغايرة، يمكنها أن تسهم في التأسيس لنهضة علمية عربية بسمات حضارية ومنهجية خاصة؟ وكأنه ينتهي إلى أن المسار التاريخي كان يمكن أن يؤول إلى نهضة تم إجهاضها بالغزو الغربي والحملة الفرنسية على مصر التي ادعيت بداية للنهضة الحديثة، فحرفت هذه الحملة المسار الفكري والتاريخي عن طريقه المعهودة، ويستشهد لذلك بكتاب "بيتر غران" الذي يبرهن على عدم أهمية حملة نابليون في التاريخ الثقافي لمصر. أما ظاهرة الشروح والحواشي والتعليقات في العلوم اللغوية والشرعية فيبررها باستقرار هذه العلوم وأن ذلك مسلك تربوي، كما أن استقرار هذه العلوم دفع البحث العلمي باتجاه العلوم التطبيقية، بل إنه يبالغ في التبرير بأن يعزو مسلك الشرح دون التأليف المباشر بأنه موقف أخلاقي منع العلماء الكبار من نسبة أي شيء لأنفسهم، بل ينتهي إلى أن الشروح والحواشي الكلامية العقدية الكثيرة التي أنتجت في عصر الانحطاط هي إلى يومنا هذا من أروع ما أنتجه العقل الإنساني على المستوى التربوي التعليمي(ص149)، ويختم هذا الفصل الأول بضرورة رفض الاستمرار في تثبيت مفهوم عصر الانحطاط، ويدعو إلى تجاوز ثنائيتي "النهضة" و "الحداثة"، من أجل إعادة كتابة تاريخنا الفكري والثقافي المعاصر، والقيام بمراجعة شاملة وتفكيك لمفهوم النهضة. التيارات الأساسية في الثقافة العربية الحديثة حاجة مفهوم النهضة إلى مراجعة وتفكيك لا يلغي وجود مفرزات ثقافية واجتماعية في مرحلة ما سمي عصر النهضة، والتي تتمحور في نظر الباحث حول ثلاثة تيارات رئيسة، أولها تيار الفكر النهضوي التقدمي والذي يضم رموز التأسيس كالطهطاوي وخير الدين التونسي إلى ابن باديس، ودعاة العلمنة كفرح أنطون، وأصحاب الدعوات الليبرالية كقاسم أمين، ورموز ومفكري المشاريع الأيديولوجية القومية والماركسية وغيرها كدارسي التراث، والجامع بين هؤلاء في نظر الباحث هو الصدور عن رؤية فكرية تاريخية واحدة هي الرؤية التقدمية للفكر والتاريخ، والإيمان بالغرب والحداثة، سواء استبطن الخطاب النهضوي هذه القناعة أم صرح بها مباشرة، وعبروا عن منهجية واحدة هي المنهجية الانقطاعية، ويستعرض سمات هذا التيار التي تمحورت تحت عناوين الاستلاب الحضاري وتغييب الهوية والتحريفية، واستيلاد مشاريع بديلة، وانتهاء بما يسميه بتسرطن الثقافة النهضوية الذي يمثل سلامة موسى نموذجه، ويعرض للمدرسة الإصلاحية والمشروع القومي العربي كنموذجين للفكر النهضوي التقدمي، ويصف هذا التيار بأنه الأكبر والأكثر تأثيراً في الثقافة العربية الحديثة (الثقافة العالمة)، ويقف وراء هذه الشهرة حقيقة ترجع إليها الإخفاقات الكبيرة التي أصابت المشروع النهضوي وموته، كونها تيارات فوقية لم تفلح في أن تستحوذ على عقول الجماهير. أما التيار الثاني فيسميه تيار الثقافة المتكاملة، ويصفه بأنه تيار الأصالة الفكرية والاستمرارية الحضارية، وينهل من رؤية معرفية إسلامية، وهو يمثل الواقع الثقافي كما تجلى في التاريخ، وهو تيار يلتزم بالأصول والحفاظ على الهوية ويطرح منهج التأصيل منهجاً معرفياً عبر رد المتغيرات التاريخية والمعرفية إلى أصولنا وكلياتنا الثقافية التي بلورتها التجربة المعرفية الخاصة عبر عقود طويلة. وقد جرى العمل على تغييب ووأد هذه الحالة الثقافية التي ظلت مستمرة ولم تخرج من ساحة الفعل والتأثير، وبقيت نتاجات هذا التيار فردية قام بها باحثون وأدباء ومثقفون متفرقون، ويضم هذا التيار علماء ومفكرين (أمثال الكوثري ومصطفى صبري ومحمود شاكر ومن المحدثين الندوي والبوطي والقرضاوي)، وأكاديميين في تخصصات متنوعة حافظوا على التراث، ودعاة وأئمة، وباحثين نقاداً التزموا خطاباً نقدياً تأصيلياً (أمثال المسيري وطارق البشري)، ويستعرض خصائص هذا التيار التي تنضوي تحت عناوين التمسك بالهوية الثقافية والرؤية التكاملية للثقافة العربية، والموقف المعادي للحضارة الغربية، والتأصيل في معالجة الشؤون الثقافية، ويختار من نماذج هذا الفكر التأصيلي محمود محمد شاكر، وشيخ الإسلام مصطفى صبري، مستعرضاً بالخصوص مواقفهما من الفكر النهضوي ورجاله. أما التيار الثالث فهو التيار السلفي، تيار الثقافة الاختزالية الانتقائية، وقد أنتجت هذه الثقافة رؤية ضيقة للعالم عاجزة عن إدراك الواقع الحديث بتشعباته المختلفة، وقد طور هذا التيار مفهوم البدعة وحوله إلى مفهوم رقابي شمولي على الفكر والثقافة، وألغت الرؤية السلفية إمكانية التعددية في الرؤى والمواقف، وظهرت حالة من الفرز تستند إلى مبدأ الولاء والبراء الذي تحول إلى مبدأ يحكم علاقة المسلمين بعضهم ببعض، وكان من آثار هذا التيار تعزيز التيار النهضوي الانقطاعي، والتقليل من شأن العقل وتعطيله بحجة الدفاع عن الوحي، وأخرجت الثقافة السلفية علم الكلام والتصوف من دائرة العلوم الإسلامية، كما أسست للصراعات البينية المذهبية والطائفية وفتحت الباب أما التكفير والتكفير المضاد. الخروج من أزمة الثقافة العربية الحديثة يلاحظ الباحث أن أكثر من يتحدث عن الأزمة هم ممثلو الفكر "النهضوي" على اختلاف مشاربهم، وتتمثل الأزمة في عجز النهضة عن تحقيق مشروعها، الذي ولد نتيجة صدمة الغرب أو الحداثة، واعتبار أن الخروج من الأزمة مرتبط بتبني هذه الحداثة إذ تمثل الإمكانية الوحيدة للتطور التاريخي، ويتطلب ذلك قطيعة مع الإرث التاريخي التراكمي، ويتكرر هذا المعنى بصيغة مختلفة عند منظري النهضة وفكرها، لكن الأزمة كما يرى الباحث ليست أزمة الثقافة العربية أو الإسلامية، إنما هي أزمة المثقف النهضوي الخاصة يسقطها ويفرضها على المجتمع والثقافة العربية، فالمثقف النهضوي هو وجه الأزمة وعنوانها وهو صورتها المتجسدة واقعاً في الثقافة العربية. وهذا التوصيف – فيما يرى- لا ينطبق على تيار الثقافة المتكاملة المرتبطة بجذورها العقدية والمعرفية، وهي الممثل الحقيقي لهوية الأمة الثقافية، وتبقى كذلك سبيلها للخروج من أزمة طال عمرها واستشرت في جسد الأمة. فالإنسان العربي البسيط عاش هذه الأزمة وتشربها وخرج منها بطريقته الخاصة بعفوية وبأشكال مختلفة، كالتحدي والاعتزال (البيئات المحافظة والمنغلقة) أو التحدي والمواجهة (العنف)، أو قبول الحداثة في تجلياتها الشكلية فقط والمفروضة في نمط الحياة في المدن مع المحافظة على العالم القيمي والهوية والعلاقات الاجتماعية (القطاع الأكبر من الجماهير العربية). لقد فشلت الحداثة في أن تكون نمطاً فكرياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً عاماًَ في بيئتنا العربية والإسلامية، وتحولت أزمة الثقافة النهضوية إلى أزمة عامة في الثقافة العربية الإسلامية، وتم ربط مفهوم النهضة بالحداثة لإملاء حتمية إجراء تعديل جذري في البنى الفكرية للثقافة العربية، وإعادة بناء التاريخ وفقاً للرؤية التقدمية، فتحولت الثقافة النهضوية التقدمية إلى أداة هدم وتدمير، فهي ثقافة الانقطاع. وبينما بنى التيار السلفي نموذجه الخاص للحياة العربية، فإن تيار الثقافة المتكاملة الذي لم يتبلور كلياً ولم تنضج معالمه بعد يعبر – كما يرى الباحث - خير تعبير عن الرؤية الثقافية الناضجة، إذ ينطلق من الإقرار بمرجعية الحياة العربية المتمثلة في مصادر التشريع العقدي والقانوني، والأخلاقي والسلوكي ممثلة بالكتاب والسنة، وينطلق في رؤيته للمستقبل من إدراك عميق للخصوصية الثقافية ويعمل على الحفاظ على الهوية. ويدعو الباحث إلى تعميق وتعزيز المنهج التأصيلي الثقافي، والتخلي عن عقيدة (التقدم) المهيمنة على الرؤية التاريخية، فالنهضة لا تتطلب قطيعة مع الذات والتراث إنما على العكس تتطلب تأكيد المقومات وتفعيلها، فلا حياة للإنسان بدون معتقد ديني، وغاية الوجود تختلف لدينا عن غاية الوجود التي حددها الغرب لنفسه، فيمكننا الحصول على ما هو من ضرورات الحياة من صناعات، ولا تتوقف النهضة على الصناعات الحديثة. فالخطوة الأولى نحو الخروج من أزمة الثقافة العربية تتمثل في إدراك الذات وتحديدها استناداً إلى ماهية الحياة العربية المتمثلة في الإسلام، ولا يمكن أن نجد الحل لدى الغرب لاختلاف الرؤية للعالم ولوصول التجربة الغربية على المستوى الفكري والمعرفي إلى نهايتها، والثقافة الإسلامية اليوم هي الوحيدة المؤهلة بين ثقافات الشعوب المختلفة لتحقيق النموذج الذي تزداد حاجة البشرية إليه، وتمثل العولمة فرصة لتحقيق عالمية هذه الثقافة إذا تحققت شروط ومقدمات لا بد من توافرها، لكن لا بد من بناء النهضة على الطريقة غير الغربية، والبدء بالإنسان القادر على صنع النهضة، وأن تعود الثقافة العربية على مستوى الفعل والتأثير لتكون امتداداً وتعبيراً عن عمقها الوجودي والقيمي، وبناء النموذج الحضاري ليس انقطاعاً عن العالم بل ينبغي الانفتاح على الغرب والتفاعل معه بكل جرأة وشجاعة بعد أن نكون ذوات مكتملة. هل تفكيك مقولات النهضة يخرج الثقافة من الأسر لقد أشرت في المقدمة سابقا إلى أهمية الأسئلة التي شرع الباحث في معالجتها، بل ومحورية الإجابة عليها في البناء الثقافي المعاصر، ولهذا الاعتبار رأيت أهمية المراجعة والنقد، وقد وفق الباحث إلى حد كبير في نقد وتتبع مقولات الفكر العربي المعاصر والكشف عما تستبطنه من رؤى تحول دون تحولها إلى ثقافة اجتماعية، لكن الذي أعاق جوانب كثيرة في معالجته هو منطق الاصطفاف الذي صدرت عنه هذه المعالجة، فالرصد والتتبع والنقد والتفكيك كان يمكن أن يكون أكثر دقة وشمولاً وحيادية لو أن الباحث لم يقف طرفاً في المعالجة، فتبنيه لما سماه تيار "الثقافة المتكاملة" حال دون نقد هذا التيار نقداً كان يمكن أن يسهم في تطويره وتقديمه بعلمية وانسجام أكبر، كما جعله يتبنى مقولات الرموز التي انتقاها والتي لا تعبر بدقة عن المفهوم الذي قدمه للثقافة المتكاملة، فهاجم المدرسة الإصلاحية من منطلقات من تبنى رؤيتهم، وتعسف في إرغام مقولاتهم على الانتساب إلى مفهوم التقدم، بينما تكشف التفسيرات التي حاول تأويلها لاستخدام محمد عبده لمفهوم السنن كي يصنف هذا التصنيف، أنه كان ينتمي في تأويلاته هذه إلى تيار في الثقافة المتكاملة، ففهم محمد عبده للسنن كما أوله الدكتور شريح هو فهم معتزلي، وكونه رأى في اختيار هذا التأويل تناسباً مع مقولات العلم في عصره لا يعني انتسابه إلى مقولة الزمن التقدمي، وتأويلاته للمعجزات وغيرها إن كشفت عن تأثره بعلوم عصره لا تعني تبنيه مقولة تجعله يرى في الدين آفة أو أنه ينتمي إلى ثقافة الانقطاع، ودعم هذا التصنيف له برسائل أخفيت أو كانت مجهولة من تاريخه أو أحداث ومقولات نقلها خصومه، فضلاً عن كونها لا تصلح علمياً لأن تكون مستنداً وتقدم على أنها تعبر عنه مقابل مئات الصفحات من النصوص الصريحة التي كتبها معبراً فيها عن رؤاه، فإنها مقولات وأحداث إن صحت وفهمت كما يراد من توظيفها فينبغي أن تفهم في سياقها أو ينظر إليها في ضوء التطور التاريخي أو التحولات الفكرية التي يمر بها أي مفكر، أو تفهم في ضوء نصوصه الأخرى، وبالتالي فتصنيف المؤلف للمدرسة الإصلاحية ضمن تيار الحداثة والانقطاع لا تدعمه الحجج التي قدمها مختصرة ومتعسفة في التأويل، كما أنها تستند إلى مقولات من اصطف إلى جانبهم، وهذه الملاحظة لا تلغي وجود بعض رموز الإصلاح ممن يمكن أن تنطبق عليه دعواه، لكن لا ينبغي التعميم بهذا الشكل على جميع الرموز. وقد انعكس تعميمه أيضاً في تصنيفه الثلاثي للتيارات التي سادت الثقافة العربية الحديثة، والتي يمكن للمدقق أن يجد رموزاً تنتمي إلى جميعها، ففي هذا التصنيف تعميم وشمولية تظلم كثيراً من الرجال والشخصيات، على اعتبار أن تصنيفه يحمل تقييماً حاداً وفرزاً يحكم بالسلبية المطلقة أو الإيجابية المطلقة، فليس كل من دعا إلى الإفادة من الحضارة الغربية والتفاعل معها قد تبنى رؤاها، وليس كل من انتمى إلى الثقافة المتكاملة تبنى عداء الحضارة الغربية، وليس كل من انتمى إلى التيار السلفي كان بالصورة التي رسمها الباحث، بل إن هناك من الشخصيات المهمة من يجمع بين ميزات إيجابية موجودة في التيارات الثلاثة التي ذكرها، على أنه لم يذكر إيجابية واحدة لغير التيار الذي تبناه، كما لم يلحظ سلبية واحدة في تيار الثقافة المتكاملة. ورغم أن الباحث أدخل الفلاسفة على اختلاف مذاهبهم، والمذاهب الفقهية والكلامية على تنوعها في التاريخ الإسلامي ضمن مفهوم الثقافة المتكاملة إلا أنه لم يقبل في العصر الحديث التيار الإصلاحي كجزء من هذه الثقافة المتكاملة، والتساؤل المطروح: أليست التيارات الفلسفية في التاريخ الإسلامي كانت تمثل تياراً يدعو إلى قطيعة وأفكار لا تقل خطورة عن قطيعة دعاة الحداثة اليوم، ومن ثم تم تكفيرهم من قبل الإمام الغزالي وبعض المتكلمين؟ بينما لم يكفر رموز الثقافة المتكاملة من المحدثين رجالَ الإصلاح رغم نقدهم الشديد لهم؟ فمن هو الأولى بأن يصنف ضمن تيار الثقافة المتكاملة؟. إن وجود روح حضارية ورؤية إسلامية للعالم حكمت الثقافة الإسلامية عبر التاريخ قضية لا يمكن القفز عليها، لكنها لا تلغي أنساقاً في هذا التاريخ كانت تحمل مشاريع لا تقل خطورة على الثقافة الإسلامية عن مشاريع الحداثة اليوم، وقد تم احتواؤها عبر هذا التاريخ، فهل نفيها اليوم يمكن أن ينسجم مع مفهوم الثقافة المتكاملة؟، دون أن يعني ذلك الإقرار بطرحها وإشكالياتها. لقد تفاعلت الثقافة الإسلامية مع العالم عبر التاريخ، وكان كل احتكاك مع ثقافة جديدة يترك أثراً ويخلق تيارات قد تتطور إلى القطيعة، والأمر نفسه هو الذي حدث في القرنين الأخيرين، فالصدمة بالغرب وجدت، والعالم الإسلامي كان في مرحلة تفكك، والهوة كانت واسعة، وإن لم يكن ثمة انحطاط شمولي بالصورة التي رسمت فالفارق كان شاسعاً، وطبيعي أن تختلف درجات التفاعل مع هذه الصدمة، ولو انتظر المثقفون بناء الذات كشرط للانفتاح والتواصل مع الغرب، والذي وضعه الباحث، لكان العالم الإسلامي اليوم أكثر بعداً عن الثقافة المتكاملة اليوم، فلم يكن ثمة خيار غير اتخاذ موقف ما وقد تنوعت هذه المواقف، لكن خيار الانكفاء على الذات كان خياراً فيه الكثير من العدمية، وخيار التبني الكامل والاستسلام للصدمة كان خياراً تدميرياً أيضاً. وبالعودة إلى "الثقافة المتكاملة" فقد ترددت في الكتاب بين أن تكون تياراً ممتداً في عمق التاريخ ولم يغب عنه لحظة، وأنه تيار يمتلك الوضوح في الموقف من صدمة الحداثة، وبين أن تكون تياراً لم يكتمل بعد وتم تغييبه ولم تتضح معالمه، هذه المراوحة في وصف هذا التيار تؤكد وجود تعميم في تصنيف التيارات الثلاثة في الثقافة التي ترددت في الكتاب بين أن توصف بأنها "الثقافة العربية" أو "الثقافة الإسلامية" أو "الثقافة العربية أو الإسلامية"، كما غابت عن الكتاب رموز مهمة لاسيما في السياق الإسلامي، ولا يبرر هذا الغياب احترازات الباحث في ضبط اختياراته، ففي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لم يكن ثمة فصل جغرافي بين العالم العربي والإسلامي لاسيما في الشأن الثقافي، فالتواصل كان مستمراً، فشخصيات مثل: النورسي والقاسمي ومحمد إقبال وغيرهم كثير لم يوجد لهم ذكر في الكتاب، ولهم رؤى قد يستعصي تصنيفها في أي من التيارات، بينما حضر من هو أقل منهم أهمية بكثير، كما صنف ضمن تيار الثقافة المتكاملة من يتبنى مقولات المدرسة الإصلاحية ودعاة التجديد لكنه قدم نقداً للمقولات الحداثية في الوقت نفسه، فالمسيري مثلاً تتنازعه التيارات الإسلامية والعلمانية في آن واحد، وله من المقولات ما لا يرضى عنه التياران، فبأي معيار يمكن تصنيفه. إن تفكيك مقولات المنظومات الفكرية لاسيما مقولات النهضة والإصلاح والفكر المعاصر تعتبر مدخلاً علمياً للبناء الثقافي والنهضة الحقيقية، لكن هذا التفكيك لا يخرج الثقافة من أسر الثقافة الغربية إذا تم من نسق آخر لثقافة أسرت ضمن منظور مغلق لا يعترف بالتحولات القسرية التي آلت إليها المعرفة، ويرى في عداء الحضارة الغربية سمة من السمات التي تميز الثقافة المتكاملة النموذج؛ فتاريخ هذه الثقافة المتكاملة كما يعرفها الباحث لم تكن في الأسر الذي يكرهها عليه، إذ أن نماذج هذه الثقافة في العقدين الأخيرين أوسع وأرحب مما اختاره الباحث، وثمة نماذج للثقافة المتكاملة قدمت رؤى عميقة للإشكاليات التي شغلت العالم الإسلامي في عصرها، وكان حري بالباحث ألا يعمم رؤية النماذج التي عرضها على ثقافة عمرها قرون هي تاريخ المسلمين. وبالجملة، فإن الكتاب إذ حاول فك أسر الثقافة العربية الحديثة من مقولات الحداثة وفكرة التقدم، فقد نجح في تفكيك معظم الأفكار التي تتبنى هذا النسق، لكن البديل الذي يطمح إليه لم يتبلور بعد، وإن بدا أحياناً وكأنه لم ينقطع، كما أن الشروط التي يضعها والخصائص التي يميز بها البديل النموذج إن حررت الثقافة العربية من أسرها فإنها ستنقلها إلى أسر آخر هو ما انتقاه من هذه الثقافة المتكاملة.