الأربعاء، 16 نوفمبر 2011

عودة الوعي بقيمة تصاوير المخطوطات العربية الإسلامية

أسعد عرابي /فنان تشكيلي وباحث في الفن العربي الإسلامي من أصل لبناني مقيم في باريس منذ العام 6791. تراجعت النظرة الاستشراقية حول مفهوم الصورة في الفن العربي الإسلامي مع إطلالة القرن العشرين, وهي النظرة التي كانت لقرون تجد في المناظر الروحية والألوان الموسيقية الرهيفة تجديفاً فنياً يخالف ذوق مبادئ البرتي في عصر النهضة الايطالي، بخاصة إن بعض فناني المعاصرة الرواد من أمثال هنري ماتيس اخذوا ينهلون من نواظمه البصريةـ الصوتية، وذلك اثر تواتر معارض «المنمنمات» ورسوم المخطوطات بين لندن وباريس. ويقول هنري ماتيسفي في مذكراته عن هذه المعارض أنها كانت بمثابة عودة الوعي اللوني بالنسبة إليه وان «الفن الإسلامي هو الوحيد الذي يقتصر في قوة التعبير على اللون واللون وحده». وهكذا نشأت «الوحشية» وتيارات «ما بعد الانطباعية» (مثل الأنبياء وأطياف التعبيرية اللونية في ألمانيا والنمسا وبلجيكا). والواقع إن فضولية هذه الدهشة تعود إلى القرن السابع من العهد المغولي ـ وذلك اثر الاكتشاف الاستعماري الهولندي لثقافة آسيا الوسطى. وهكذا أصبح التصوير التشخيصي العربي الإسلامي في مركز تيارات المعاصرة والحداثة، مثله مثل الرولو الطاوي (الصيني) والاستامب الياباني ورسوم المخطوطات الهندوسية والإشارات «الشامانية». وصل هذا التأثير إلى بول كلي وبابلو بيكاسو وسواهما، ولا زلنا نحن ورثته الشرعيين في غفلة عن مصداقيته، نضع رأسنا في رمال احابيس الحلال والحرام، ولا نستقي من ذاكرته التلفيقية سوى التعاويذ والحروف والطربوش والبابوج والدلاية والمشاهد الاطلالية الفولكلورية، التي تستدر النحيب المفتعل على الخواء والتصحر الثقافي الصوري. لا شك في أن الهجمة الاستعمارية والصهيونية على التراث التصويري محقت القسم الأعظم من مخطوطاته المصورة، وزورت تاريخها. لنتخيل حجم الإخفاء من غياب أربعة قرون منها، ابتداء من منتصف القرن الثامن (بداية وصول الورق السمرقندي) وحتى أواخر القرن الثاني عشر، حتى لنكاد لا نعرف من هؤلاء سوى العباسي البغدادي محمود بن سعيد الواسطي، الذي تخصص في رسوم مقامات الحريري والمخطوطة بأكثر من مئة لوحة محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس، منجزة العام 1237 أو 1238م. أي قبل إهلاك هولاكو لمكتبات بغداد بعشرين عاماً، عندما اغرق دجلة بلون مدادها قبل نقله ألفاً منها إلى عاصمته سمرقند. لم يبق من ذكر هؤلاء إلا النزر اليسير ما بين مصر والشام على غرار المصري والجزري وابن دانيال. من المثير للأسف الغياب المطلق لرسوم هذه المخطوطات في المتاحف العربية ما خلا القليل منها في دار الكتب المصرية ومؤخراً في مقتنيات المتحف الإسلامي في الكويت وذلك رغم الإشارات المتواترة لهذه الصناعة وصنّاعها في الفترات الفاطمية المملوكية والأيوبية من خلال معاجم السير والتواريخ. تصوير المخطوطات في آسيا الوسطى علينا إن ننتظر قروناً عدة بعد زلزلة مكتبات بغداد حتى نشهد نهوض صناعة المخطوطات ورسومها في آسيا الوسطى المسلمة، إي ما يشمل اليوم خرائط إيران وجزءاً من العراق وأفغانستان وباكستان وأجزاء من أذربيجان وتركستان وصولاً حتى أناضول العثمانيين ما بين قونية واسطنبول. وعلى رغم إن المصائب التترية ـ المغولية التي ابتليت بها محترفات هذه المناطق (بخاصة هيرات وتبريز) لا تقل تدميراً عن نظائرها في بغداد ودمشق فإن الهجمة الثقافية الاستعمارية كانت اخف وطأة مما عانته ذاكرة رسوم المشرق العربي، وهو ما يؤكده الازدهار النسبي في شيوع نماذجها في المتاحف والطباعات الزاهية. وإذا كان اسم الواسطي يمثل الاستثناء البغدادي الذي تسرب من مساحة التظليل والتقييم فإن شهرة بهزاد اليوم عالمياً لا تقارن به، على رغم إن الأول اسبق من الثاني بأكثر من قرنين. فقد خُصص لأعمال بزهاد الغزيرة ولمدرسة هيرات ما لم يخصص من الدراسات والكتب والمطبوعات لسواهما. وإذا كان بزهاد يستحق هذه الشهرة فإن العديد من الباحثين والجماليين يعتبرونه من دون مغالاة من أعظم المصورين في تاريخ الإنسانية، على رغم إنهم لم يكشفوا بالقدر الكافي إسراره المهنية، باعتباره القُطب النقيب الأول والعارف المعلم الذي خرّج أسماء لامعة من مريديه وتلامذته من أمثال شيخ زاده وعلي مظفر, نقل عديد منهم عقائده الروحية في الرسم والتلوين إلى المحترفات المغولية ثم العثمانية، وعرفنا بفضله اسم أستاذه ميراك ومنافسه المتأخر سلطان محمد. سلطان التصوير: بزهاد تقع بين دفتي تاريخ ميلاد بزهاد في هيرات العام 1465 ووفاته العام 1535م في تبريز ابرز الإحداث التشكيلية (نشوء المحترفات المحلية) المرتبطة بالإحداث السياسية، والارتباط عضوي في هذا المقام لان العائلات الحاكمة هي التي ترعى فن الكتاب وتتسابق على تأسيس دور العلم ودائرة الحكمة (نموذجها الذي أسسه المأمون للترجمة) والمكتبات العامة. يقع تاريخه ضمن العهدين التيموري والصفوي، ولكنه عمل تحت حماية الكثير من السلالات السنية والشيعية من تركمان ويزبك إلى ايرانيين فرس، إلى مغول وتيمورلنكيين. لكن اسمه ارتبط بمؤسس الدولة الصفوية الشيعية (الدولة الوطنية الايرانية الأولى) إسماعيل شاه (وكان سابقاً بعهده التيموري حسين بقراو وزيره المتنور مير علي شيخ نواوي)، فبعد التماع نجمه في هيرات وتأسيسه لمدرستها وتيارها الغني المعروف، يطلبه إسماعيل شاه في العام 1510م إلى تبريز وبمرسوم تاريخي كتبه بعد فترة العام 1522م محفوظ في متحف طوب قابو يصبح فيه بزهاد مسؤولا عن المحترف الملكي للمكتبة السلطانية بشتى صناعتها من موضبي صناعة صفحات الرسم بالألوان، هي التي لا يقدر على غلاء صباغاتها إي فنان خاصة مادة اللازورد والذهب. بزهاد النخبوي أسس كمال الدين بزهاد لفن تشخيصي تعبيري نخبوي (ثقافي)، موازياً لنصوص كبار الشعراء الملحميين الذين يكتبون بالفارسية من مثال سعدي وحافظ وجامي والعطار والرومي، كان متأثراً مثلهم بالعرفانية الصوفية والطريقة النقشبندية، وإذا صوّر الداعية ماني ذلك المصور الذي عاش في القرن الثالث وكان يعتمد قوته في الرسم والتلوين في نشر دعوته فإن بزهاد لم يكن يحب مقارنته به بسبب تربيته الصوفية، لذلك فهو بعيد عما يدعيه المستشرقون من استبطانه للثنوية الزرادشتية أو المزدكية المنوية، بخاصة انه كان على صراع مرير ومخفي مع التقاليد البوذية «الطاوية» المحمولة مع «روليهات» الصين من قبل المغول الخانيين والتيموريين (أبناء تيمورلنك) وذلك لسبب القرابة القبائلية بين هؤلاء وحكام الصين سواء الذين حكموا بكين في البداية قبل عائلة إيوان أو الذين انقلبوا عليهم وهم عائلة مينغ، والاسمان يعبران عن أسلوبين صينيين متمايزين في تصوير الطبيعة، وضمن منظور تقصب «الشامان» لهيئة الصخور والمياه باعتباره اصل الكون، واعتبار الفراغ نفسا قدسيا من الواجب عدم إرهاقه بأثقال اللون والرسم والتفاصيل. وبسبب قوة شخصيته فقد كان لا يُذعن لسلطة الخطاطين في إخراج صفحات الرسم، بل انه زعزع تقاليدهم لصالح تفوق الرسم، وعزل الكتابة في مستطيلات متواضعة المساحة مزروعة داخل الفراغ. كما اخترع صيغة الصورة العارية عن الكتابة كالتي تفترش صفحتين متقابلتين، أو أنها تُرسم خارج المخطوطة ثم تلصق في مكانها. لعل أهم تطور ابتدعه بزهاد هو استبدال الفراغ «الطاوي» الصيني الأحادي اللون بالفراغ التنزيهي الذي يعتمد على توزيع شطرنجي للون، محاولاً عبر احواله الشطية والوجودية الاتحاد بالموسيقى الصوفية ورفع الحدود بين عقيرة اللون وصوته البصري. تبدو ألوانه بالغة الإشعاع (مثل ألوان السيراميك المزجج) مبعثرة في بؤر متباعدة ومعزولة، تعوم في فراغ فلكي معراجي هادئ اللون، بما يسمح بترصيع التركواز (الفيروز) أو العقيق أو اللازوردي أو الذهبي، وإثارة الحوار الرهيف بين الألوان المتكاملة والمسطحة دون ظل أو منظور أو حجم، يزداد عدد الأشخاص مقارنة برسوم الواسطي، ويزداد الفراغ بالتالي رحابة وعمارة هندسية داخلية، لدرجة تبدو فيه السطوح الزخرفية وجدر العمائر البلاطية وكأنها ملصقات تجريدية. ترسّخ منظور عين الطائر (السيمورغ أو العنقاء) الذي ندعوه «بعين وحدة الوجود» والاقتصار الزهدي على بعدين، أقول ترسّخ المعنى التنزيهي في حين يعتمد المشهد الصيني الوصفي على المعنى التشبيهي، تزداد العناصر إطلاقا بهجرتها من باطن الصفحة إلى الهامش، إي من المكان الفرضي المهندس إلى المكان المطلق، بما يشبه دور المحراب كبرزخ متوسط بين عالم الملكوت والناسوت واللاهوت. عرف بزهاد بشجرته الرمزية الخريفية التي يزرعها في شتى التصاوير (ذات الأوراق الشاحبة أو الجمرية القانية)، كما عُرف بأفضلية الطوبوغرافية الهندسية البلاطية الحضرية بحيث تبدو الشخوص وكأنها عرائس معلقة بها. وهنا نعثر على حيوية العلاقة بين الشكل المكوّر لثوب الفتاة وتعارضه مع الخطوط المتعامدة للباب، كما إن حدة ميلان بعض الخطوط الأساسية (مثل المشربية أو السجادة) يمنح للفراغ حيوية شطحية. ويتعامل بزهاد مع العالم المرسوم على أساس انه ورقة أو جدار مسطّح أو مرآة، ويضاعف بالتالي من إبعاد رموزه الباطنية، فلوحة «يوسف وزليخة» المعروضة في المكتبة الوطنية في القاهرة والتي تمثل زليخة وهي تمسك بتلابيب يوسف اقرب إلى القزمين العائمين في فراغ متاهي مهندس بالأبواب السبعة المغلقة مع أدراجها المائلة. لا يمكننا بالنتيجة إن نعوّل على توقيع بزهاد المتواضع ذي العبارة الشهيرة «عمل العبد بزهاد»، لأنها كثيراً ما تكون امهاراً رسمياً لمحترفه، بخاصة في تبريز. فقد وهن نظره وفقدت أنامله ثباتها مع تقدمه في العمر واقتصر على مراقبة الرسم والتلوين والإشراف عليه، ناهيك إن عدداً من الصناع المتأخرين كانوا يزورون توقيعه طلباً للالتحاق بأسطورة شهرته. لكن التمييز يبدو سهلاً بقدر ما هو يسير تميز واستقلال شخصية رسوم بزهاد، بخاصة مقارنة بأعمال المصورين الذين استمروا في استسهال استثمار العناصر المنقولة عن التقنية الصينية (بخاصة الروليهات الموجودة في تبريز وسواها)، ومن هؤلاء سلطان محمد وأكثر من ذلك المتأخرين من أمثال محمد سياح قلم ومحمدي. ويقول البعض إن اصل هذا الأخير صيني. يحاول المستشرقون إثارة الفرقة بين اتجاهات محترفات الفن الإسلامي على أساس قومي، وذلك بالإلحاح على تسمية كل ما هو رسوم كتب «بالمنمنمة الفارسية»، فإذا كان لكل إقليم محترفاته وخصائصه الثقافية فإن البعد الروحي التصوفي يجمع الجميع في حالات وجدية ورمزية واحدة، حتى ليبدو أن عزلها نوع من تقسيم ما لا يقبل القسمة سواء أكانت الخطوط المرفقة بالنسخي العباسي ام بالنص تعليق الفارسي. المصدر: موقع النور . http://www.annoormagazine.com/mag/ar/167/thakafa/thakafa_02.asp

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

ابن طفيل الأندلسي



هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي: من قبيلة قيس المعروفة. وكان يسمى كذلك الأندلسي القرطبي أو الإشبيلي. أطلق عليه علماء النصارى في القرون الوسطى " أبو باسر" Abubacer وهو تحريف لأبي بكر. ومن المحتمل أن يكون ابن طفيل قد ولد في العقد الأول من القرن الثاني عشر الميلادي في وادي آش على بعد أربعين ميلاً في الشمال الغربي لغرناطة. ولا نعرف شيئاً عن أسرته أو تعلمه. وليس من الصواب أن نقول، كما قال بعض المؤلفين، إنه كان تلميذ ابن باجه؛ لأنه يقرر في مقدمة قصته الفلسفية أنه لم يتعرف إلى هذا الفيلسوف. وقد زاول ابن طفيل في أول أمره الطب في غرناطة، ثم أصبح كاتب سر والي هذا الإقليم.
وفي عام (549هـ/1154م) أصبح أخيراً (558-580 هـ/1163-1184م) طبيب السلطان الموحدي أبي يعقوب يوسف، ويقال إنه وزر لهذا السلطان كذلك. ويرى ليون جوتييه Leon Gauthier أنه من المشكوك فيه أن ابن طفيل نال لقب الوزارة، إذ لم يرد ذلك إلا في نص واحد، أضف إلى ذلك أن البطروجي وهو أحد تلاميذه لم يقرن اسمه إلا بلفظ القاضي فقط. ومهما يكن من شيء فإن ابن طفيل كان دائماً ذا تأثير كبير على هذا السلطان، وقد استغل هذا التأثير في اجتذاب العلماء إلى البلاط، مثال ذلك أنه قدم الشاب ابن رشد إلى السلطان.
وقد وصف المؤرخ عبد الواحد المراكشي هذه المقابلة اعتماداً على رواية ابن رشد نفسه، تلك المقابلة التي أظهر فيها أمير المؤمنين دراسة واسعة بالمسائل الفلسفية. كما أن ابن طفيل هو الذي حبب إلى ابن رشد – تلبية لرغبة الخليفة – شرح كتب أرسطو، ذكر ذلك أبو بكر بندود تلميذ ابن طفيل، وهو يقول كذلك، "وكان أمير المؤمنين أبو يعقوب شديد الشغف به والحب له، وبلغني أنه كان يقيم في القصر عنده أياماً ليلاً ونهاراً لا يظهر".
ولما طعن فيلسوفنا في السن، حل ابن رشد محله في الطبابة للخليفة عام 578هـ، ومع ذلك فقد ظل ابن طفيل محتفظاً بمحبة الخليفة أبي يعقوب. وبعد وفاة الأخير عام 580هـ، احتفظ بصداقة ولده أبي يوسف يعقوب وتوفي ابن طفيل عام 581هـ (1185 –1886م) بمراكش، وحضر الخليفة بنفسه جنازته.
وابن طفيل هو مؤلف القصة الفلسفية المعروفة "حي بن يقظان" التي تعد من أعجب كتب العصور الوسطى. وسنفصل كلام عنها فيما بعد. ولا نعرف له غير هذه القصة إلا القليل. فقد كتب رسالتين في الطب، وكانت بينه وبين ابن رشد مراسلات حول كتاب الأخير "الكليات".
ويظهر أنه كان لابن طفيل آراء مبتكرة في علم الفلك، كما يفهم من أقوال البطروجي المنجم ومن كلام ابن رشد في شروحه الوسطى على كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، (الكتاب الثاني عشر). وحاول البطروجي أن يجرح نظرية بطليموس الخاصة بفلك التدوير Epicycles وبالفلك الخارج المركز، ويقول في مقدمته إنه يتبع في ذلك آراء ابن طفيل.
وقصة "حي بن يقظان" الفلسفية التي نشرها بوكوك Pococke بعنوان Philosophus Autodidactus، تعرف أيضاً باسم "أسرار الحكمة الإشراقية". وليست هذه الفلسفة في حقيقتها سوى فلسفة المدرسة الأفلاطونية الجديدة في أشد صورها صوفية (انظر مادة "إشراقيون").
وقد عرض ابن طفيل في كثير من المهارة هذه الفلسفة على مراحل متدرجة، متخذاً لذلك إنساناً قصصياً موهوباً قادراً على التفكير وجد منذ طفولته في جزيرة مقفرة. وهناك استطاع بقوة عقله فقط أن يميط اللثام عن الفلسفة، وأسس لنفسه مذهب الأفلاطونية الجديدة في صورته الإسلامية. وسمي ابن طفيل هذا الإنسان، وهو رمز للعقل، "حي بن يقظان" أي ابن الله، وتظهر في نهاية هذه القصة شخصيتان هما: سلامان وأسال، لهما أيضاً دور رمزي في هذه القصة.
وقد ظهرت في المصنفات الفلسفية من قبل أسماء "حي" و"سلامان" و"أبسال" أو "أسال". إذ كتب ابن سينا قصته المرموزة "حي بن يقظان" وهي القصة التي نالت شهرة كبيرة في العصور الوسطى والتي قلده فيها ابن عزرا. وينسب الجوزجاني إلى ابن سينا فيما أحصى له من كتب رسالة عن قصة سلامان وأبسال وقد أثبت نصير الدين الطوسي رواية لهذه القصة، كما جعلها الشاعر الفارسي المعروفة بـ"جامي" موضوعاً لإحدى منظوماته المشهورة.
ويختلف شأن سلامان وأبسال في هذه المؤلفات المختلفة ولكنه دائماً رمزي، وهو يمثل بصفة عامة العقل في نضاله مع العالم المادي. وسلامان في أشعار جامي أمير يافع، أما أبسال فهي ظئره التي تصبح معشوقته فيما بعد. وأبسال أيضاً امرأة في إحدى القصص التي ذكرها نصير الدين الطوسي، كما أن سلامان وأبسال شقيقان في قصة أخرى له، وهما عند ابن طفيل ملك ووزير. ويقال إن حنين بن إسحاق قد نقل إحدى هذه القصص عن اليونانية. على أنه يحتمل جداً أن هذه القصص كلها ترجع إلى أصل أسكندري.
ونحن نلخص فيما يلي قصة ابن طفيل: بدأ المؤلف كتابه بمقدمة أعطانا فيها إلمامة طريفة عن تاريخ الفلسفة الإسلامية. وهو يمتدح في هذه المقدمة أسلافه من الفلاسفة وخاصة ابن سينا وابن باجه والغزالي. ثم يبين أن غرض الفلسفة – كما يرى متصوفة العصور الوسطى – هو الوصول إلى الاتحاد بالله، أعني الوصول إلى حالة من البهجة والمكاشفة لا يعرف المرء فيها الحقيقة بطريق القياس العقلي، وإنما يعرفها بالحدس. ثم يأخذ بعد ذلك في سرد قصته: ولد ولد من غير أب في جزيرة مقفرة، أو قل إن أميرة من أميرات الجزر المجاورة ألقت به في أليم فحمله التيار إلى هذه الجزيرة، وهنا يناقش المؤلف بالتفصيل النظرية القائلة بإمكان التولد الذاتي عن طريق تخمر الطين في درجة حرارة معتدلة. ثم تولت ظبية إطعام الطفل وأصبحت أول معلميه، ولما شب الطفل قليلاً لاحظ أنه عاري الجسد أعزل من السلاح على خلاف ما كان يلقاه من حيوان، فغطى جسده بأوراق الشجر وتسلح بعصا، وأدرك منذ تلك اللحظة فضل يديه، ولما أصبح صياداً تقدمت أساليبه الصناعية فاستعاض عن أوراق الشجر بلباس من جلد نسر – ولما أسلّت الظبية التي ربته وأصابها المرض، أهمه ذلك، وأخذ يبحث عن سبب ما لحقها من آفة. وشرع لهذا في دراسة نفسه حتى تنبه إلى ما عنده من حواس. وظن أن الآفة قد تكون في صدر الظبية، فرأى أن يشق بين أضلاعها بحجر حاد، وعرف من هذه التجربة القلب والرئتين، كما أعطته أول فكرة عن شيء خفي قد فارق الجسد وهو الذي يكوّن الذات أكثر من الجسد. ولما بدأ الفساد يدب في جسد الظبية، عرف حي من الغربان كيف يواريه التراب.
واكتشف "حي" النار صدفة، إذ انقدحت نار في أجمة من احتكاك أغصانها، فأتى بقبس منها إلى مأواه وعمل على إبقائه مشتعلاً. وقد جعله هذا الكشف يفكر في أمر هذه النار وفي الحرارة الحيوانية التي أحس بها في الأحياء، فأخذ في تشريح حيوانات أخرى. ولم يقف تفننه عند هذا الحد، بل اكتسى بجلود الحيوانات وتعلم غزل الصوف والقنب وصنع الإبر، واهتدى إلى البناء بما رأى من فعل الخطاطيف، واستعان بجوارح الطير في الصيد له، وانتفع ببيض الدواجن وصياصي البقر... إلخ. وهذا الجزء من القصة عبارة عن دائرة معارف شيقة للغاية مرتبة ترتيباً يشهد لمؤلفها بالبراعة والحذق.
وتطورت معارف حي بن يقظان حتى أصبحت فلسفة: فبعد أن درس النبات والمعادن وخواصها ووظائف أعضاء الحيوان أخذ يصنفها في أجناس وأنواع، فقسم الأجسام إلى خفيفة وثقيلة؛ وعاد إلى درس الروح الحيواني الذي رآه في القلب، ثم توصل إلى فكرة النفس الحيوانية والنفس النباتية، وقد بدت له الأجسام صوراً تصدر عنها أفعال. فأخذ يبحث عن عناصرها الأولية حتى اهتدى إلى العناصر الأربعة.
ولما فحص الطين توصل إلى فكرة الهيولى وتراءت له الأجسام على أنها هيولى في صور مختلفة. وشاهد تبخر الماء فتنبه إلى فكرة تحول الصور بعضها إلى بعض، وعرف أن كل ما يوجد لا بد له من علة فاعلة. وهكذا ارتقى إلى فكرة فاعل لهذه الصور بوجه عام، وقد بحث عنه أولاً في الطبيعة ولكنه وجد أن جميع ما فيها عرضة للتحول والفساد، فاتجه بنظره حينئذٍ إلى الأجرام السماوية.
وانتهى حي إلى هذا النظر على "رأس أربعة أسابيع من منشئه" أي عندما بلغ ثمانية وعشرين عاماً من عمره. وبدأ منذ ذلك الحين يتأمل السماء، وتساءل: أهي ممتدة إلى غير نهاية؟ ولكنه عرف بطلان هذا الرأي فتصورها كروية. ولاحظ ضرورة وجود أفلاك خاصة بالقمر وغيره من الكواكب، وتخيل السماء حيواناً كبيراً، كما أدرك وجوب اعتبار فاعل الكل غير جسم، واعتبار محرك هذا العالم خارجاً عنه إذا كان قديماً. ثم أخذ يمعن النظر في فكرة الله، فتوصل إلى استنتاج صفاته من النظر في صفات الكائنات الطبيعية: فالله – كما بدا له – قادر عاقل عليم رحيم... الخ. ولما عاد إلى تأمل نفسه انتهى إلى أنها غير فانية، واستنتج من ذلك أن لذته لا بد أن تكون في مشاهدته للموجود الكامل. والوصول إلى هذه اللذة لا يتأتى إلا بمحاكاة الجواهر السماوية، أي بأن يأخذ نفسه بالرياضة والمجاهدة. وعند ذلك انقطع حي إلى حياة كلها تأمل حتى بلغ "رأس سبعة أسابيع من منشئه" أي تسعة وأربعين عاماً.
وعند ذاك هبط "أسال" من جزيرة مجاورة، وهو رجل شديد الإيمان بدين منزل. وما إن تفاهم الرجلان، حي وأسال، حتى أدركا أن ذلك الدين إن هو إلا عين العقيدة الفلسفية التي انتهى إليها حي. ووجد أسال في تلك الفلسفة التي تعلمها على هذا الرجل الناسك، تفسيراً سامياً لدينه وللأديان المنزلة بوجه عام، وتمكن أخيراً من إقناع حي باصطحابه إلى الجزيرة المجاورة ليبسط فلسفته لملكها "سلامان" الذي كان أسال وزيره وخليصه. ولكن فلسفته لم تفهم هناك رغم ما بذله من الجهود التي ذهبت أدراج الرياح. فرجع حي وأسال إلى الجزيرة المقفرة ووهبا حياتهما للتأمل الخالص، بينما ظل الناس يعيشون بالرموز والصور الخيالية.
وهكذا تحدد هذه الأسطورة العجيبة في وضوح موقف الفلسفة الصوفية من الدين.
وقد كلف المسلمون كلفاً شديداً بهذه القصة، ونقلت إلى لغات عدة، كما نقلها إلى العبرية وشرحها موسى بن قربون عام 1349 وقد امتدحها الفيلسوف ليبنتز وكان قد قرأ طبعة بوكوك Pococke لهذه القصة.

الأحد، 13 نوفمبر 2011

التحقيق بين حداثة المصطلح وأصالة العلم


د. فيصل الحفيان
لم يعرف العرب والمسلمون «التحقيق» مصطلحاً شائعاً يتردد محمَّلاً بدلالته التي نعرفها اليوم. وما عَنى به بعض الباحثين أنفسهم من تتبع لفظ «تحقيق» في المعاجم والمصادر لتلمس المعنى الاصطلاحي للفظ ومحاولة التقريب بين معناه السياقي ومعناه اليوم، ليس ذا بال، فالمصطلحات ليست هي العلم، لا تطبيقاً ولا تنظيراً، وما هي إلا رموز أو عناوين يصطلح عليها بين جماعة في مرحلة، فإذا ما جاءت جماعة أخرى في مرحلة جديدة فلا مشاحة عليها في أن تتفق على رمز أو عنوان مختلف. لكن ذلك لا يعني أن العرب المسلمين لم يستخدموا القواعد والأصول التي تندرج تحته بدءاً من تحقيق عنوان النص وتوثيق نسبته الى صاحبه، وانتهاءً بالتقديم للنص وشرح خطوات العمل فيه، وتكشيفه (فهرسته)، مع بعض الفروق والاختلافات العرضية التي لا تضير شيئاً.
وقد لا يجادل كثيرون في هذا الذي قلنا: العرب المسلمون عرفوا التحقيق قواعد وأصولاً، لكن كثيرين - بالتأكيد - يجادلون في أنهم فكروا نظريّاً في الأمر، وألفوا فيه، إذ إن التفكير النظري والتأليف مرتبطان في أذهانهم بالاستشراق في القرن العشرين، وبالجهود التي قام بها نفر من الباحثين العرب المسلمين ابتداءً بعبدالسلام هارون وصلاح الدين المنجد في منتصف القرن الماضي.
والحق أن التراث العربي الإسلامي أسس نظريّاً لعمليات نقل العلم وحركته بغرض ضبطه وتفسيره، وقد دار هذا التأسيس في فلك العلوم والمعارف العربية والإسلامية جميعاً، وبخاصة علوم القرآن والحديث واللغة والشعر، وتجلى في إشارات تنظيرية في مباحث ضمن كتب هذا العلم أو ذاك، بل إنهم تجاوزوا الإشارات إلى مؤلفات مستقلة وإن ارتبطت بالعلوم، وبخاصة علم الحديث الشريف، ولربما استقلت حقلاً معرفيّاً، قد يصَحّ أن نطلق عليه «علم التربية» أو «آداب العلم». ففي التراث مجموعة من الكتب التي تتحدث عن آداب العالم والمتكلم، والمفيد والمستفيد، وتقييد العلم... ونستطيع أن نعد مجموعة من الكتب المهمة تدل دلالة واضحة على مدى النضج الذي وصلوا إليه في هذا المجال، من مثل «الإلماع في معرفة أصول الرواية وتقييد السماع» للقاضي عياض (ت544هـ)، و «الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد» لبدر الدين الغزي (ت984هـ) و «المعيد في أدب المفيد والمستفيد» للعلموي (ت981هـ)، و «مقدمة ابن الصلاح» (ت643هـ). فهذه الكتب (وغيرها) نظّر أصحابها لمسائل كثيرة، من مثل المقابلة بين النسخ أو المعارضة، وإصلاح الخطأ، وضوابطه، ومعالجة السقط، والأماكن المُثلى لإثباته، والزيادة واصطلاحاتها، وتشابه الحروف ووسائل التفرقة بينها حتى لا تختلط... الخ.
نحن مدينون في شأن التفكير النظري في التحقيق والتأليف فيه، في العصر الحديث، لثلاثة رجال، وهم وفق الترتيب التاريخي: المستشرق الألماني برجستراسر، والأستاذ عبدالسلام هارون، والدكتور صلاح الدين المنجد، لأنهم هم الذين فتحوا الباب من جديد، واحتشدوا للتنظير في مسائل التحقيق عن وعي مسبق، بعد القطيعة التي عاشها العرب المسلمون مع تراثهم عموماً، ومع تراثهم في التحقيق تطبيقاً وتنظيراً خصوصاً.
قدم الثلاثة إسهاماتهم في أواسط القرن الماضي، وتحديداً بين الثلاثينات والستينات منه، فقد ألقى برجستراسر محاضراته في الجامعة المصرية في العام الدراسي 1932-1933، ونشر هارون كتابه «تحقيق النصوص ونشرها» عام 1954، كما نشر المنجد «قواعد تحقيق المخطوطات» في مجلة «معهد المخطوطات العربية» (1955). وعلى رغم أن برجستراسر كان الأسبق، فإن محاضراته - كما هو معروف - لم تنشر إلا بعد 37 عاماً من إلقائها (عام 1969)... نشرها تلميذه محمد حمدي البكري تحت عنوان «أصول نقد النصوص ونشر الكتب القديمة».
وثمة مفارقات تشير إلى المناخ الذي ساد هذه المرحلة المبكرة من البدايات (الجديدة) يحسن أن نلفت إليها، فمَن يقرأ كتاب المستشرق الألماني يقع بين الفينة والأخرى على ما يشعره بأن الرجل يرى الفضل كل الفضل في ما يكتب لتراثه وجهود أبناء جلدته في مجال نقد النصوص القديمة ونشرها، ما يعد قرينة على أنه لم يكن يعرف ما قدَّمه العلماء العرب المسلمون قديماً، أو أنه غَضَّ النظر عنها، ومَن يطلع على كتاب هارون لا يشعر بتلك الصلة الوثيقة مع التراث، وكأنه لم يرجع إلى ما كتب فيه، ولا أدل على صدق هذه الملاحظة من النظر في إحالاته في هوامشه، فليس فيها ذكر لأي من الكتب القديمة المهمة التي أشرنا إليها، كما أن مقدمته لكتابه ليست فيها إشارات تدل على تأصيله لما يكتب، مما قد يوحي بأنه هو الذي ابتدع هذا العلم غير المسبوق، وهو ما صرح به في طبعة تالية لكتابه في سياق الخلاف المعروف عند المتخصصين بينه وبين د. المنجد، فقد أخذ عليه هذا الأخير في مستهل ما كتبه في «قواعد تحقيق المخطوطات» عدم رجوعه إلى ما كتبه المستشرقون في مجال التحقيق، فردَّ عليه بما معناه أنه مدحه من حيث أراد القدح فيه، بأن أقرَّ له بأنه وضع علماً جديداً من تلقاء نفسه، وكأنه أغفل - كما سبق أن فعل برجستراسر - جهود العلماء العرب المسلمين القدامى. وفي السياق نفسه اعترف (هارون) بأنه عَلِمَ بأن برجستراسر ألقى محاضرات في الجامعة المصرية قبل نحو عشرين عاماً، لكنه لم يتمكن من الاطلاع عليها، وهذا غريب.
فالمسافة بين دار العلوم التي كان هارون أستاذاً فيها، والتي تتبع الجامعة نفسها، وبين كلية الآداب ليست بعيدة، والمحاضرات ألقيت على مدى عام على مجموعات من الطلبة، ولن يعجزه أن يصل إليها.
وإذا كان هارون لم يطلع على برجستراسر، ولم يستقص ما جاء في التراث، فإن المنجد كان اعتماده كليّاً على المستشرقين،
وهو ما صرَّح به بقوله: «وقد استقيناها من نهج المستشرقين الألمان، ومن خطة جمعية غيوم بوده، ومن قواعد المحدثين القدامى في ضبط الروايات، ومما نُشر في هذا الموضوع من قبل. أفدنا من ذلك كله ومن العقبات التي مرت بنا أثناء نشرنا عدداً من المخطوطات القديمة».
على أن هذا الذي نقول لا ينفي أننا - كما قلتُ - مدينون لهؤلاء الثلاثة من جهة فتح الباب من جديد لهذا النظر المستقل في التأسيس للتحقيق، وأيضاً من جهة أنهم وضعوا أسساً لم يخرج عنها أحد ممن كتب بعدهم. وأخيراً من جهة أن ما قاموا به كان بمبادرات منهم، أعني أن الفضل يعود إليهم، وهم أفراد، لا إلى مؤسسات، ما يعني أن التفكير النظري في التحقيق بدأ فرديّاً، لا مؤسَّسيّاً، حتى المنجد الذي كان مديراً لمعهد المخطوطات وضع قواعده بصفته باحثاً، لا بصفته مديراً لمؤسسة.
وعلى أية حال، فإن لدينا مجموعة من الملاحظات نوردها على هامش كلامنا السابق:
أولاها، أن محمد مندور الناقد المعروف كان له قبل هارون والمنجد (عام 1944) إسهام، جاء بين يدي بحث نقدي له لكتاب قوانين الدواوين لابن مماتي نشره على جزءين في مجلة «الثقافة» (العددين 277، 280) ثم أعاد نشره في كتابه «في الميزان الجديد» في العام نفسه (1944).
وثانيتها، أن المجمع العلمي العربي في دمشق (مجمع اللغة العربية اليوم) ساق في مقدمة الجزء الأول من «تاريخ دمشق» الذي أصدره عام 1951، مجموعة من قواعد التحقيق التي اعتمدها في تحقيقه للتاريخ، وكانت هذه محاولة أسبق من هارون والمنجد أيضاً.
وثالثتها، أن مجمع اللغة العربية المصري نشر أيضاً القواعد التي اعتمدها في تحقيق «الشفاء» لابن سينا، وصدَّرها مقدمة الكتاب، وجاء ذلك بقلم الدكتور إبراهيم بيومي مدكور رئيس المجمع في ذلك الزمان.
سقنا هذه الملاحظات لنقول إن عمل برجستراسر كان أسبق منها وأكمل، وأنها لم تكن مقصودة قصداً وإنما جاءت لخدمة نشر كتب، وهو ما يميز عمليْ هارون والمنجد، وإن خلط هارون - كما انتقده المنجد - بين موضوعات التحقيق وغيره من العلوم المساعدة، وإن جاءت قواعد المنجد في صورة لائحة، تفتقر إلى أفق الدرس والتحليل، مما يشير إلى أن عمله في معظمه إنما هو صياغة جديدة (مقنّنة) لما اطلع عليه من قواعد المستشرقين في أثناء دراسته في باريس، وإن كانت صياغة محكمة كان لها أثرها في ضبط عمل المحققين في البلاد العربية والإسلامية.
منقول من موقع معهد المخطوطات

















التحقيق بين حداثة المصطلح وأصالة العلم


د. فيصل الحفيان
لم يعرف العرب والمسلمون «التحقيق» مصطلحاً شائعاً يتردد محمَّلاً بدلالته التي نعرفها اليوم. وما عَنى به بعض الباحثين أنفسهم من تتبع لفظ «تحقيق» في المعاجم والمصادر لتلمس المعنى الاصطلاحي للفظ ومحاولة التقريب بين معناه السياقي ومعناه اليوم، ليس ذا بال، فالمصطلحات ليست هي العلم، لا تطبيقاً ولا تنظيراً، وما هي إلا رموز أو عناوين يصطلح عليها بين جماعة في مرحلة، فإذا ما جاءت جماعة أخرى في مرحلة جديدة فلا مشاحة عليها في أن تتفق على رمز أو عنوان مختلف. لكن ذلك لا يعني أن العرب المسلمين لم يستخدموا القواعد والأصول التي تندرج تحته بدءاً من تحقيق عنوان النص وتوثيق نسبته الى صاحبه، وانتهاءً بالتقديم للنص وشرح خطوات العمل فيه، وتكشيفه (فهرسته)، مع بعض الفروق والاختلافات العرضية التي لا تضير شيئاً.
وقد لا يجادل كثيرون في هذا الذي قلنا: العرب المسلمون عرفوا التحقيق قواعد وأصولاً، لكن كثيرين - بالتأكيد - يجادلون في أنهم فكروا نظريّاً في الأمر، وألفوا فيه، إذ إن التفكير النظري والتأليف مرتبطان في أذهانهم بالاستشراق في القرن العشرين، وبالجهود التي قام بها نفر من الباحثين العرب المسلمين ابتداءً بعبدالسلام هارون وصلاح الدين المنجد في منتصف القرن الماضي.
والحق أن التراث العربي الإسلامي أسس نظريّاً لعمليات نقل العلم وحركته بغرض ضبطه وتفسيره، وقد دار هذا التأسيس في فلك العلوم والمعارف العربية والإسلامية جميعاً، وبخاصة علوم القرآن والحديث واللغة والشعر، وتجلى في إشارات تنظيرية في مباحث ضمن كتب هذا العلم أو ذاك، بل إنهم تجاوزوا الإشارات إلى مؤلفات مستقلة وإن ارتبطت بالعلوم، وبخاصة علم الحديث الشريف، ولربما استقلت حقلاً معرفيّاً، قد يصَحّ أن نطلق عليه «علم التربية» أو «آداب العلم». ففي التراث مجموعة من الكتب التي تتحدث عن آداب العالم والمتكلم، والمفيد والمستفيد، وتقييد العلم... ونستطيع أن نعد مجموعة من الكتب المهمة تدل دلالة واضحة على مدى النضج الذي وصلوا إليه في هذا المجال، من مثل «الإلماع في معرفة أصول الرواية وتقييد السماع» للقاضي عياض (ت544هـ)، و «الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد» لبدر الدين الغزي (ت984هـ) و «المعيد في أدب المفيد والمستفيد» للعلموي (ت981هـ)، و «مقدمة ابن الصلاح» (ت643هـ). فهذه الكتب (وغيرها) نظّر أصحابها لمسائل كثيرة، من مثل المقابلة بين النسخ أو المعارضة، وإصلاح الخطأ، وضوابطه، ومعالجة السقط، والأماكن المُثلى لإثباته، والزيادة واصطلاحاتها، وتشابه الحروف ووسائل التفرقة بينها حتى لا تختلط... الخ.
نحن مدينون في شأن التفكير النظري في التحقيق والتأليف فيه، في العصر الحديث، لثلاثة رجال، وهم وفق الترتيب التاريخي: المستشرق الألماني برجستراسر، والأستاذ عبدالسلام هارون، والدكتور صلاح الدين المنجد، لأنهم هم الذين فتحوا الباب من جديد، واحتشدوا للتنظير في مسائل التحقيق عن وعي مسبق، بعد القطيعة التي عاشها العرب المسلمون مع تراثهم عموماً، ومع تراثهم في التحقيق تطبيقاً وتنظيراً خصوصاً.
قدم الثلاثة إسهاماتهم في أواسط القرن الماضي، وتحديداً بين الثلاثينات والستينات منه، فقد ألقى برجستراسر محاضراته في الجامعة المصرية في العام الدراسي 1932-1933، ونشر هارون كتابه «تحقيق النصوص ونشرها» عام 1954، كما نشر المنجد «قواعد تحقيق المخطوطات» في مجلة «معهد المخطوطات العربية» (1955). وعلى رغم أن برجستراسر كان الأسبق، فإن محاضراته - كما هو معروف - لم تنشر إلا بعد 37 عاماً من إلقائها (عام 1969)... نشرها تلميذه محمد حمدي البكري تحت عنوان «أصول نقد النصوص ونشر الكتب القديمة».
وثمة مفارقات تشير إلى المناخ الذي ساد هذه المرحلة المبكرة من البدايات (الجديدة) يحسن أن نلفت إليها، فمَن يقرأ كتاب المستشرق الألماني يقع بين الفينة والأخرى على ما يشعره بأن الرجل يرى الفضل كل الفضل في ما يكتب لتراثه وجهود أبناء جلدته في مجال نقد النصوص القديمة ونشرها، ما يعد قرينة على أنه لم يكن يعرف ما قدَّمه العلماء العرب المسلمون قديماً، أو أنه غَضَّ النظر عنها، ومَن يطلع على كتاب هارون لا يشعر بتلك الصلة الوثيقة مع التراث، وكأنه لم يرجع إلى ما كتب فيه، ولا أدل على صدق هذه الملاحظة من النظر في إحالاته في هوامشه، فليس فيها ذكر لأي من الكتب القديمة المهمة التي أشرنا إليها، كما أن مقدمته لكتابه ليست فيها إشارات تدل على تأصيله لما يكتب، مما قد يوحي بأنه هو الذي ابتدع هذا العلم غير المسبوق، وهو ما صرح به في طبعة تالية لكتابه في سياق الخلاف المعروف عند المتخصصين بينه وبين د. المنجد، فقد أخذ عليه هذا الأخير في مستهل ما كتبه في «قواعد تحقيق المخطوطات» عدم رجوعه إلى ما كتبه المستشرقون في مجال التحقيق، فردَّ عليه بما معناه أنه مدحه من حيث أراد القدح فيه، بأن أقرَّ له بأنه وضع علماً جديداً من تلقاء نفسه، وكأنه أغفل - كما سبق أن فعل برجستراسر - جهود العلماء العرب المسلمين القدامى. وفي السياق نفسه اعترف (هارون) بأنه عَلِمَ بأن برجستراسر ألقى محاضرات في الجامعة المصرية قبل نحو عشرين عاماً، لكنه لم يتمكن من الاطلاع عليها، وهذا غريب.
فالمسافة بين دار العلوم التي كان هارون أستاذاً فيها، والتي تتبع الجامعة نفسها، وبين كلية الآداب ليست بعيدة، والمحاضرات ألقيت على مدى عام على مجموعات من الطلبة، ولن يعجزه أن يصل إليها.
وإذا كان هارون لم يطلع على برجستراسر، ولم يستقص ما جاء في التراث، فإن المنجد كان اعتماده كليّاً على المستشرقين،
وهو ما صرَّح به بقوله: «وقد استقيناها من نهج المستشرقين الألمان، ومن خطة جمعية غيوم بوده، ومن قواعد المحدثين القدامى في ضبط الروايات، ومما نُشر في هذا الموضوع من قبل. أفدنا من ذلك كله ومن العقبات التي مرت بنا أثناء نشرنا عدداً من المخطوطات القديمة».
على أن هذا الذي نقول لا ينفي أننا - كما قلتُ - مدينون لهؤلاء الثلاثة من جهة فتح الباب من جديد لهذا النظر المستقل في التأسيس للتحقيق، وأيضاً من جهة أنهم وضعوا أسساً لم يخرج عنها أحد ممن كتب بعدهم. وأخيراً من جهة أن ما قاموا به كان بمبادرات منهم، أعني أن الفضل يعود إليهم، وهم أفراد، لا إلى مؤسسات، ما يعني أن التفكير النظري في التحقيق بدأ فرديّاً، لا مؤسَّسيّاً، حتى المنجد الذي كان مديراً لمعهد المخطوطات وضع قواعده بصفته باحثاً، لا بصفته مديراً لمؤسسة.
وعلى أية حال، فإن لدينا مجموعة من الملاحظات نوردها على هامش كلامنا السابق:
أولاها، أن محمد مندور الناقد المعروف كان له قبل هارون والمنجد (عام 1944) إسهام، جاء بين يدي بحث نقدي له لكتاب قوانين الدواوين لابن مماتي نشره على جزءين في مجلة «الثقافة» (العددين 277، 280) ثم أعاد نشره في كتابه «في الميزان الجديد» في العام نفسه (1944).
وثانيتها، أن المجمع العلمي العربي في دمشق (مجمع اللغة العربية اليوم) ساق في مقدمة الجزء الأول من «تاريخ دمشق» الذي أصدره عام 1951، مجموعة من قواعد التحقيق التي اعتمدها في تحقيقه للتاريخ، وكانت هذه محاولة أسبق من هارون والمنجد أيضاً.
وثالثتها، أن مجمع اللغة العربية المصري نشر أيضاً القواعد التي اعتمدها في تحقيق «الشفاء» لابن سينا، وصدَّرها مقدمة الكتاب، وجاء ذلك بقلم الدكتور إبراهيم بيومي مدكور رئيس المجمع في ذلك الزمان.
سقنا هذه الملاحظات لنقول إن عمل برجستراسر كان أسبق منها وأكمل، وأنها لم تكن مقصودة قصداً وإنما جاءت لخدمة نشر كتب، وهو ما يميز عمليْ هارون والمنجد، وإن خلط هارون - كما انتقده المنجد - بين موضوعات التحقيق وغيره من العلوم المساعدة، وإن جاءت قواعد المنجد في صورة لائحة، تفتقر إلى أفق الدرس والتحليل، مما يشير إلى أن عمله في معظمه إنما هو صياغة جديدة (مقنّنة) لما اطلع عليه من قواعد المستشرقين في أثناء دراسته في باريس، وإن كانت صياغة محكمة كان لها أثرها في ضبط عمل المحققين في البلاد العربية والإسلامية.
منقول من موقع معهد المخطوطات

















السبت، 12 نوفمبر 2011

معهد المخطوطات العربية: قراءة في سفر الماضي



معهد المخطوطات العربية: قراءة في سفر الماضي / د. فيصل الحفيان
مقالات
نُشر ورقيًّا في: ندوة العيد الذهبي (1964-199): وقائع الماضي ورؤى المستقبل / مجلة معهد المخطوطات العربية؛ ع40، ج1 (المحرم 1417 هـ / مايو 1996 م): ص 49 - 71.
د.فيصل الحفيان
تمهيد:(أ) تراث الأمة أساس نهضتها، تلك هي القاعدة مهما كانت قيمة هذا التراث، فكيف يكون الحال، والتراث هو التراث العربي؛ غنى وتنوُّعًا، وامتدادًا ومساحة جغرافية، وقدرة على التأثير بما يملكه من قيَم روحية ودينية؟
(ب) في بادرة واعيةٍ بأصالة الماضي، واحتياجات الحاضر، وفي لفتة مستشرقة للمستقبل، أصدر مجلس جامعة الدول العربية، في جلسته السابعة من دورته العادية الثالثة، قراره رقم 39، الذي نصّ على إنشاء معهد اسمه: معهد إحياء المخطوطات، مُلحَق بالأمانة العامة للجامعة، وإذا كانت الجامعة العربية قد أنشئت عام 1945، فإن هذا المعهد يُعَد من أقدم "إدارات" الجامعة.
(جـ) وقد نصَّ القرارُ السابق في مادته الثانية على أن تكون مهمة المعهد:
? جمع فهارس المخطوطات العربية الموجودة في دور الكتب العامة والخاصة، وفهارس المخطوطات التي يمتلكها الأفراد؛ لتَوْحيدها في فهرس عام.
? تصوير أكبر عدد ممكن من المخطوطات العربية القيِّمة.
? وضع هذه المصورات تحت تصرُّف العلماء أولاً، بعرضها لمن يطلبها، للاطِّلاع عليها بواسطة الآلات العارضة المكبِّرة، أو بإعطاء صورة مكبرة منها بأسعار مناسبة، أو بإعارة نسخة ثانية منها للعلماء الذين يطلبونها من البلدان الأخرى، عن طريق المؤسسات العلمية، أو بإرسالها رأسًا إليهم بأسعار مناسبة.
? طبع صور المخطوطات القيِّمة، التي نصها صحيح، وخطها مقروء، ونشر نصوص المخطوطات ذات الأهمية الكبرى.
? تنظيم التعاون بين العلماء والمؤسسات العلمية في سبيل نشْر المخطوطات، وتزويد الناشرين بالمعلومات اللازمة عن المخطوطات التي يعنون بها، وإعلامهم بأسماء مَن يعنى بمخطوطات مماثلة لمخطوطهم أو مشابهة له.
? إصدار نشرة دورية عما طُبع أو يُطبع من المخطوطات العربية، والإشارة إلى ما هو معد منها للطبع.
1 - التطور التاريخي : مرَّ المعهد على مدى نصف قرن تقريبًا بمراحل عدة، ليس بينها حدود فاصلة أو قاطعة تمامًا، ذلك أن نهر العمل كان يجري في مجرى واحد، وعلى الرغم من ذلك، فقد كان لكل مرحلة طابعٌ خاص، ويُمكن إيجاز هذه المراحل على النحو التالي:
الأولى: من الإنشاء (1946) حتى (1954)، وفيها كان المعهد جزءًا من الدائرة الثقافية في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.
الثانية: تبدأ بانفصاله عن الدائرة الثقافية عام (1955)، وتستمر حتى عام (1969)، حيث ألحق بعد تلك السنة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
الثالثة: تبدأ منذ عام (1970)، وتستمر حتى عام (1990)، وفيها عمل المعهد في ثلاث عواصم عربية: في القاهرة حتى عام (1979)، وفي تونس حتى أوائل عام (1981)، وفي الكويت حتى عام (1990).
الرابعة: تبدأ مع بداية عام (1991)، وهي مستمرة حتى اليوم، وفيها تركز عمل المعهد في مقره الأول، في العاصمة المصرية.
وفي هذه المراحل جميعًا تحمل مسؤولية كبيرة، كبر الهدف، وثقيلة، ثقل التحديات المصيرية التي حاصرت الأمة، ولا تزال تحاصرها.

ووفقًا لطبيعة الأشياء، فإن عمل المعهد بدأ محدودًا، ثم نما شيئًا فشيئًا، وازداد ثراء وغنى، واشتد عودُه وقوي، حتى وصل إلى ما هو عليه الآن.
(1 - 1) المرحلة الأولى : النواة (جمع التراث):
(أ) تمتد هذه المرحلة التي كان المعهد فيها جزءًا من الدائرة الثقافية بالجامعة العربية، عقدًا من الزمان تقريبًا (1946 - 1954)، وتركز العمل خلالها على جَمْع التراث المخطوط المبعثر في مناطق شتى، ومكتبات عامة وخاصة، داخل الوطن العربي وخارجه.
(ب) وكانت الوسيلة الأساسية لخدمة هذا الهدف هي البعثات التي أوفدها المعهد إلى أماكن وجود المخطوطات؛ لتقوم بالانتقاء والتصوير.
وقد حققت "البعثات" هدفًا رئيسًا من الأهداف التي نصَّت عليها الفقرة (ب) من قرار إنشاء المعهد، وأسهمت بحظ وافر في جمع "النواة" التي لا غنى عنها في تحقيق الأهداف الأخرى، من فهرسة وتحقيق ونشر للنصوص الجيدة، وغير ذلك.
هذه "النواة" كانتْ ولا تزال أعظم الأهداف التي أُنشِئ المعهد مِنْ أجْلِها.
(1 - 2) المرحلة الثانية : المعالم (خطوط العمل):
(أ) هذه المرحلة تبدأ مع عام 1955، الذي انفصل المعهدُ فيه عن الدائرة الثقافية، وعين له مجلس أعلى من كبار العلماء في العالم العربي، انتخب د. طه حسين رئيسًا له.
وهي متَّصلة اتِّصالاً وثيقًا بالمرحلة السابقة، إذ تُعَدُّ امتدادًا لها في التركيز على جمع التراث المخطوط، لكنها شهدت إرهاصات، واتضحتْ فيها خطوط العمل المستقبلية.

(ب) إن ما جمعه المعهد من التراث المخطوط لا يكاد يُذكَر، إذا ما قورن بما هو موجود في مكتبات العالم؛ ولذلك فقد رنا بنظره مع مطلع هذه المرحلة إلى مناطق غنية بالتراث العربي، في إفريقيا وأوروبا، كما استأنف إرسال بعثاته لداخل دولة المقر (مصر)، وانضمتْ إلى خزانته مجموعة جديدة، عن طريق الاتصالات، مع أصدقائه في البلاد الأوروبية والشرقية.
(ج) وبدأ معلم أو خط جديد، تَمَثَّل في إصدار فهارس للمخطوطات التي تضمها خزانة المعهد، إلى جانب إعداد قوائم بما صورته البعثات الداخلية والخارجية.
(د) كما طلع فجر مجموعة من المطبوعات القيِّمة، من أمهات كُتُب التراث، التي كانت مخطوطات، لا تصل إليها الأيدي، ولا تفيد منها، فتحولتْ إلى مراجع مبذولة للجميع، ويلاحظ أن معظمها في أجزاء عديدة؛ ولذلك فإن أكثرها لم يصدر مرة واحدة، بل إن بعضها لم يكتمل حتى الآن.
(هـ)ومن هذا المعلم تفرع معلم آخر، فصدر عام 1955 العدد الأول من "مجلة المعهد"، وهي مجلة نصف سنوية محكمة، ورتبت على ثلاثة أقسام: الأول لشؤون المخطوطات العربية في العالم، والثاني: للتعريف بالمخطوطات، والثالث: لنشاط المعهد.
(و) وفي هذه المرحلة انتشر خبر المعهد، وطار صيته في الدوائر الثقافية، في الشرق والغرب، وعرفه الباحثون والدارسون، كما عرفتْه الجامعات والمؤسَّسات المعنية بالتراث العربي، داخل الوطن وخارجه.
لكن الوقت لَم يكن قد حان بعدُ لكي يسلك هذا التعاون، ويفاد من هذه الشهرة عربيًّا، في شكْل اتفاقات تُعقد، وهيئات تكون، وهو ما سوف تشْهده المرحلة التالية.
(ز) ومما يؤسَف له أن الجزء الأخير من هذه المرحلة، قد شهد لونًا مِن ألوان الركود، فقد توقَّف إرسال البعثات، وانحسر بعضُ إشعاع المعهد، وتعطلت المجلة عن الصدور.
لكن ذلك لم يستمر طويلاً، فقد استؤنف إرسال البعثات في أواخر عام 1969، وأرسل خبير لاستطلاع أوضاع المخطوطات في إسبانيا والبرتغال، ثم قامتْ بعثة عام 1970 إلى تركيا.
(1 - 3) المرحلة الثالثة : العطاء (بذور التنسيق القومي):
(أ) عمر هذه المرحلة عقدان (1970 - 1990)، ومارس المعهد فيها عمله من ثلاث عواصم عربية: القاهرة، ثم تونس، فالكويت، والحد الفاصل الذي بدأت منه هو ذلك القرار الذي صدر بفصل المعهد عن الأمانة العامة للجامعة العربية، وإلحاقه بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1970.
(ب) وأهم ما يُميز هذه المرحلة الاتجاه بقوة إلى التعاوُن والتنسيق القَوْمي من خلال اللقاءات، والتشْريعات، والاتِّفاقات، والتقديم للدعم المادي والعلمي، والدورات التدريبية، والحلقات الدراسية، والندوات، والنشر المشترك، والتبادُل في ميداني المخطوطات والمطبوعات.
(ج) ولم يؤثر هذا الاتجاه على نشاطات المعهد الأخرى، فقد استمرت البعثات، كما توالى إصدار المطبوعات؛ بل إن هذه المرحلة شهدت ولادة نشرة (أخبار التراث العربي) التي قامت فيما بعد بدَوْر كبير في تنسيق الجهود القائمة حول تحقيق التُّراث ونَشْره.
(د) لكن العمل توقَّف - أو كاد - خلال الفترة التي كان المعهد فيها في تونس، وذلك لأسباب عديدة؛ منها: أنه ترك في القاهرة كل رصيده من المخطوطات، وكل أوراقه ووثائقه التي تعينه على الاتصال والعمل، وعلى الرغم من ذلك، فقد نظم - وهو في تونس – حلقة في بغداد، حول أُسُس تحقيق التراث ومناهجه، وحاول محاولات أخرى، تمثلت في البدْء بإعداد فهرس لدار الكتب الوطنية بتونس، وتجهيز مادة لإصدار المجلَّة، وإعداد برنامج لاستخدام الكمبيوتر في حفظ فهارس المخطوطات، وآخر لإيفاد بعثة تصوير إلى الباكستان والهند، لكن هذه المحاولات لم يقدَّرْ لها أن تكتمِل.
ومهما يكن، فإن عُمر هذه الفترة كان قصيرًا جدًّا، ويُمكن عدها مرحلة "انتقالية" لا أكثر.
(هـ) في الكويت بدأ المعهد من الصفر، وَوُضِع له نظامٌ أساسي جديد، حدد أهدافه في خمسة عناصر: تصوير المخطوطات، وفهرسة التراث وتيسير الانتفاع به، وصيانة التراث والحفاظ عليه، وخدمة حركة التحقيق والبحث العلمي، والتعاوُن مع مؤسَّسات التُّراث.
كما شكل له مجلس استشاري، ضَمَّ نُخبة من كبار العلماء والخبراء في التُّراث العربي، وأسندتْ إليه مهمة وضْع خطط المعهد، ومراجعتها، ومتابَعة تنْفيذها.
(و) وقد استطاع المعهد خلال فترة وجيزة أن يُكَوِّنَ رصيدًا مناسبًا من المخطوطات، ويبني نواة لا بأس بها لمكتبة حفلتْ بعد ذلك بفهارس المخطوطات والمصادر الأساسية المعينة في العمل، كما تمكن من إقامة علاقات وثيقة مع مؤسسات التراث في البلاد العربية بعامة، وفي الكويت بخاصة.
وقطف - وهو في الكويت - ثمار جهد، بذل على مدى المرحلتين السابقتين، في ميدان التعاون والتنسيق القومي، فأقرت البلاد العربية الصيغة النهائية لـ"القانون النموذجي لحماية المخطوطات العربية"، وشكل "الهيئة العربية المشتركة لخدمة التراث"، ونشر بالتعاوُن مع معهد التراث العلمي العربي التابع لجامعة حلب (سورية) مجموعة نافعة من أمهات كُتُب التُّراث العلمي العربي، وأرسل بعثات تصوير عديدة إلى بلدان عربية وأجنبية، ووضع بذرة عدد من المشروعات المهمة، مثل: "المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع".
(ز) في أواخر هذه المرحلة عادت جمهورية مصر العربية إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وأصبح لدى المنظمة معهدان للمخطوطات: أحدهما في القاهرة، والآخر في الكويت، فأثيرت قضية دمج المعهدين، مما أسفر عن قرار أصدره المؤتمر العام للمنظمة في دورته العاشرة، نص على ضرورة وضع خطة مُحكَمة لتطوير عمل المعهدين، وتحقيق أهدافهما، والإفادة من إمكاناتهما ومقتنياتهما المادية والفنية والتقنية، كما حثَّ على إعطاء الأسبقية للحفاظ على ذخيرة المعهدين من المخطوطات، وأقرَّ مشروعًا مُهمًّا، يتمثَّل في تجديد مصورات المعهد بالقاهرة، ذلك أنه قد مضى عليها عقود طويلة، مما يُهَدِّدها ويعرضها للتلَف، وخصصت للصرف على هذا المشروع (80) ألف دولار من ميزانية المعهد بالكويت.
(ح) في أغسطس 1990 وقعت أحداث الخليج، ونقلت ثروة المعهد في الكويت من المخطوطات والكتب والأجهزة، إلى جهاز الموسوعة العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في بغداد، وتوقف عمل المعهد هناك.
(1 - 4) المرحلة الرابعة : إرهاصات المستقبل:
(أ) ولم ينْتَهِ العام (1990) حتى استأنف المعهدُ عملَهُ في القاهرة، وكلف بتنفيذ مشروعاته بالكويت.
(ب) في نهاية عام 1991 أصدر المجلس التنفيذي للمنظمة قرارًا يقضي بتوحيد جهود معهدي المخطوطات في الكويت والقاهرة، وقد نصَّ القرارُ على الإفادة من إمكانات المعهدين، ومتابعة الاتصالات لاستكمال استعادة لمحتويات المعهد بالكويت وإعادتها إليه.
وقد عمل المعهد في القاهرة على تنفيذ القرار، لكن التركيز كان على تنفيذ الشق الخاص به في القاهرة؛ ذلك أن الشق الخاص بالمعهد بالكويت، والشق الثالث المتعلق بالمعهدين معًا، لم يمكن تنفيذهما لسببٍ جوهري هو: أن مقتنيات المعهد بالكويت ليست تحت يديه.
(ج) إن الجهد الذي بذل في القاهرة، أدَّى إلى تطويرٍ كبيرٍ في عمله، فعادت الحياة إلى أرجائه، ورجع كما كان مقصدًا للعلماء والباحثين وطلبة الدراسات العليا، سواء منهم المصريون، أو القادمون من البلاد العربية وغيرها، كما التحمت العُرى من جديد مع الجامعات ومراكز البحث التراثي العربية.
من ناحية أخرى وُضِعتْ خُطة محكمة لإنقاذ ما هو معرَّض للتلَف من ذخيرة المعهد من المخطوطات من ناحية، وتجديد ما أصبحت الحاجة مُلحة لتجديده، قبل أن يصل إلى مرحلةٍ يحتاج فيها إلى إنقاذ من ناحية أخرى.
(د) وقد استمرتْ في هذه المرحلة نشاطات المعهد، وحظيتْ بدفعات قوية، تمثَّلتْ في تحقيق الكثير في ميدان الفهرسة، ونشْر كُتُب التراث، وانتظام صدور الدوريات (المجلة، النشرة)، كما شهدت المجلة تطويرًا ملموسًا، تجلَّى في طريقة إخْراجها، وإضافة أبواب جديدة إليها، حتى أصبح عدد الأبواب سبعة بعد أن كان ثلاثة، وركزت المجلة في هذه المرحلة على بابٍ عظيم النفْع، هو نشْر فهارس لكُتُب التُّراث المطبوعة بدون فهارس، ولقي ذلك قبولاً كبيرًا من الجِهات المعنيَّة ومن العلماء والباحثين، على حدٍّ سواء.
2 - القضايا الأساسية.
(2 - 1) قضية الإنقاذ:
(أ) أصابت التراث العربي مِحَن قاسية، لعل أهمها تلك الغربة المزدوجة التي عانى ولا يزال يعاني منها، فقد تعرض للسرقة والنهب وعمليات الاتجار غير المشروعة، وهكذا أصبح معظمه خارج الوطن العربي، كما أنه لم يجد العناية والحماية بين أهله، وألقي في كثير من الأحيان في أماكن لا تتوفر فيها الظروف الملائمة ليستمر حيًّا.
ولم يكن ممكنًا إعادة المخطوطات من غربتها، كما لم يكن ممكنًا إصلاح أوضاع المخطوطات في أماكنها، وخاصة أن جزءًا كبيرًا منها في حوزة أشخاص أو أُسر، تعتز بها بوصْفها جزءًا من "الماضي"، وتضعها في صناديق أو أكياس، دون أن تدركَ خُطُورة ذلك، أو تفكِّر في العلم الذي تُهدده الأرضة، وتأكله الحشرات، ولذلك فإن المعهد لجأ إلى جمع مصورات لهذه المخطوطات من خلال عدة قنوات.
(ب) بعثات التَّصْوير: لقد جابت البعثات التي أوفدها المعهد منذ أُنشئ الأرضَ، حاملة مُعداتها، وكانت الحركة من البداية داخل دائرتين واسعتين:
? دائرة العالم العربي.
? دائرة العالم الخارجي.
وداخل الدائرتين لم تقتصر الحركة على المكتبات الرسمية، بل تعدتْها إلى المكتبات الخاصة التي يملكها أسر أو أفراد.
داخل الدائرة الأولى - الدائرة العربية - شهد عام 1947 البدْء في تصوير مخطوطات العاصمة المصرية، فقد صورتْ مخطوطات من دار الكتب المصرية، والمكتبة التيمورية، ومكتبة طلعت، ومكتبة حليم، ومكتبة الجامع الأزهر، وفي العام التالي 1948 وجه المعهد نظره إلى البلدان المصرية الأخرى، فأرسل بعثتين: الأولى: إلى الإسكندرية، وصورت من: مكتبة بلدية الإسكندرية، ومكتبة جامع الشيخ (خاصة)، والثانية: إلى سوهاج، وصورت من مكتبة المجلس البلدي التي تضم بقايا كُتُب رفاعة الطهطاوي، ومكتبة جمال الدين بدر ببلصفورة (خاصة)، وتلَتْ هذه بعثات أخرى، صورتْ من مكتبات الجامع الأحمدي بطنطا، والبلدية بالمنصورة، والمعهد الديني بدمياط، وكلُّها غير مُفَهْرَسة.
وفي الكويت - البلد المضيفة خلال الثمانينيات - صور المعهدُ أكثر من ثلاثة آلاف مخطوطة تحتفظ بها جامعة الكويت، وهي من مصوراتها من مكتبة جامعة تشستربتي بدبلن (إيرلندة).
وعندما عاد المعهد إلى القاهرة في أوائل التسعينيات استأنف نشاطه في مجال التصوير، لكن ذلك اقتصر حتى الآن على المخطوطات الموجودة داخل مصر، وذلك بسبب بعض العقبات التي يُرجى تجاوزها لاستئناف نشاط التصوير الخارجي.

وامتدادًا للدائرة الأولى شهد عام 1947 أيضًا أول بعثة تحط رحالها في سورية، وقد صورت البعثة من المكتبة الظاهرية (دمشق)، ومن كل من المكتبة الأحمدية، ومكتبة الشيخ ناجي الكردي قيم الجامع الأموي، ومكتبة الأستاذ زين العابدين، والمكتبات الثلاث في مدينة حلب، والأخيرتان خاصتان غير مفهرستين.
وفي عام 1953 قامتْ بعثة لتصوير مخطوطات القدس الشريف، فصورت مخطوطات كثيرة من مكتبات رسمية وخاصة، بلغ عددها عشر مكتبات، وكلها غير مفهرسة، وانتقلت البعثة نفسها إلى بيروت، فصورتْ من مكتبة الجامعة الأمريكية، ومكتبة نور الدين بيهم.
وفي أواخر عام 1954 قصدتْ بعثة أخرى المملكة العربية السعودية، وصورت من مكتبة محمد نصيف بجدة، ومكتبة الحرم المكي الشريف، ومكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة.
وفي عام 1956 أرسل المعهد بعثة إلى تونس، صورت من خمس مكتبات هناك، ثم قامتْ بعثة إلى المغرب، وتوقفتْ بعد ذلك عشر سنوات تقريبًا.
وفي عام 1972 قامتْ بعثة إلى المغرب، وليبيا (72 أيضًا)، والسعودية (73)، وشمال اليمن في ذلك الوقت (74)، والمغرب (75)، وجنوب اليمن في ذلك الوقت (76).

وفي الكويت انطلقت البعثات تترى، فعلى الصعيد العربي قصدت بعثة في عام 83 اليمن الجنوبي، وفي عام 84 اليمن الشمالي، وفي عام 86 سورية.
على الصعيد الخارجي - غير العربي - قامتْ بعثات توجهتْ إحداها إلى تُركيا، وصورتْ من مكتبات كثيرة حوالي ثلاثة آلاف مخطوطة، وتوجهت الثانية إلى الهند، ومكثتْ هناك ستة شهور، انتقتْ خلالها وصورتْ عددًا كبيرًا منَ المخطوطات المحفوظة في 32 مكتبة بمدن بتنه وحيدر آباد وكلكتا ومدراس ولكهنو ورامبور وعليكره، وغيرها.

وفي عام 1960 قامتْ بعثة إلى إيران، وأخرى إلى تركيا (1970)، وإسبانيا (71)، وإيران (73)، وروسيا (77).

وفي الكويت قصدت بعثة في عام 88 إيطاليا، لتصور من مكتبة الأمبروزيانا بميلانو، وأعقبها في عام 89 بعثة إلى يوغسلافيا، لتصور من مكتبة غازي خسرو بك بسراييفو.

وقد كانت حصيلة هذه البعثات الكثيرة خيرًا وفيرًا، فقد تجاوزتْ ثروة المعهد في القاهرة من المخطوطات ثلاثين ألفًا، وقاربت ثروة المعهد في الكويت عشرة آلاف مخطوطة.
(ج) الاتصالات : وفي الوقت الذي كانت البعثات فيه تقوم بما لها، كانت الاتصالات مع أصدقاء المعهد خارج الوطن العربي قائمة، وبفضل هذا السعي انضمت إلى خزانته - وهو في القاهرة - مجموعات جديدة من المخطوطات، من مكتبات في إيران وفرنسا وهولندا وإنجلترا وإسبانيا.
كما انضمت مجموعات أخرى - وهو في الكويت - من المكتبات السعودية، ومن مكتبة معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب (سورية)، ومكتبة جامعة برنستون في الولايات المتحدة... إلخ.
(د) الترميم : كان ذلك كله جانبًا من جوانب الإنقاذ، لكنَّه لم يكنْ كافيًا؛ إذ لا بد من سُرعة إنقاذ بعض المخطوطات، وهي في أماكنها، وذلك من خلال خبراء متخصصين في الترميم، فقد تدهورتْ أحوال بعض المكتبات إلى درجة يستحيل معها إتمام عمليات تصويرها، قبل أن ترمم.
والحق أنَّ هذا الجانب الجديد لم يأخذْ طريقه إلى التنفيذ إلا في المرحلة الرابعة؛ إذ أقر ضمن مشروعات المعهد لعام 95 - 1996 مشروعٌ اسمه: "إنقاذ المكتبات العربية المعرضة للتلف"، ومن المقرر أن يشرع في تنفيذه قريبًا.
(هـ) إعداد الأجيال: إنَّ ترْميم المخْطوطات أصبح علمًا، تستخدم فيه أجهزة، ويأتي كل يوم فيه بجديد؛ ولذلك كان لا بد من إعداد أجيال فنيَّة متَخصِّصة قادرة على صيانة التُّراث وحمايته، وقد نظم المعهد دورات، بدْءًا من عام 1971، لكنها لم تعرض لقضية صيانة المخطوطات وترميمها بجدية، وفي مرحلةٍ لاحقة (الثمانينيات) نضجت الفكرةُ، وكتب المعهد إلى عددٍ من المراكز التدريبية المتخصِّصة في بلاد أجنبية متَقدمة في هذا الميدان، وكذلك إلى بلاد عربية، كما استقدم - وهو في الكويت - خبيرة عربية، تشاوَر معها حول أفضل السبُل لتكوين كفاءات عربيَّة جيدة، وألقتْ هذه الخبيرة محاضَرة عن مُعالجة وصيانة ورق المخْطُوطات.
وتبنَّى المعهد - وهو في الكويت - مشروعًا لدورة تدريبية، لكنه لم ينجحْ في تنفيذها، بسبب عدم تعاوُن الجهات المعنية في ترْشيح المتدرِّبين، وأيضًا عدم استجابة المراكز المتخصِّصة في تنفيذ الدَّوْرة.
وفي القاهرة - بعد عودة المعهد إليها - تبنى دورة مماثلة، وهو بسبيل تنفيذها قريبًا، بعد أن تعثر التنفيذ، لاعتبارات تتعلق بالمراكز المتخصصة في التنفيذ.
(2 - 3) قضية التعريف:
(أ) التراث العربي رُكام، بعضه فوق بعض، والتعريف به لم يحظَ بالاهتمام الذي يدفع به بؤرة الضوء، وقد تنبَّه المعهدُ لهذه القضية مبكرًا، فنص في نظامه الأساسي الأول الذي أقر في القاهرة، في الفقرة (أ) من مادته الثانية على: "جمع فهارس المخطوطات العربية الموجودة في دور الكُتُب العامة والخاصة، وفهارس المخطوطات التي يمتلكها الأفراد، لتوحيدها في فهرس عام".
وكان هذا هدفًا صعب المنال، فالفهارس كثيرة جدًّا، وفي كل يوم يطالعنا منها جديد، ولهذا فإنه لم يتحقق إلا في الثمانينيات، فقد أصدر المعهد في الكويت فهرسًا كبيرًا في جزأين، تحت عنوان "فهارس المخطوطات العربية في العالم" يُعد الآن مرْجعًا في بابه.
(ب) تلك كانتْ خطوة عامة، رافقتها خطوات تفصيليَّة، تشعبت في أكثر من اتجاه، فقد بدأ المعهد في القاهرة بإصدار فهارس تحليلية لمصوراته، استهلها بفهرس عام مصنف على العلوم، صدر عام 1954 وأتبعه فهارس خاصة بعلوم مختلفة: التاريخ، والطب، والعلوم، والكيمياء، والتاريخ، والمعارف العامة، وفي الكويت أصدر فهارس أيضًا لمصوراته في علوم الفقه، والأدب، والتاريخ، وبعد عودته إلى القاهرة أصدر جزءًا مكمِّلاً لفهارس "الأدب" التي أصدرها قبل انتقاله إلى الكويت، ويعمل حاليًّا في إعداد جزءٍ جديد لمخطوطات الأدب أيضًا.
(ج) ولم يقتصرْ جُهد المعهد على فهرسة مخطوطاته؛ بل تبنَّى إلى جانب ذلك فهرسة وطبع ونشر مخطوطات مكتبات في البلاد العربية، وقد امتدَّ هذا النشاط ليشمل عددًا من هذه البلاد في شرقي الوطن وغربيه، فصدرتْ فهارس لمكتبات عامة وخاصة، ومن هذه الفهارس: فهرس الخزانة الصبيحية بسلا - المغرب، وفهرس مخطوطات مكتبة السيد محمد باقر الطبطبائي في كربلاء - العراق، وفهرس مجاميع المدرسة العمرية في دار الكتب الظاهرية - دمشق... وكان آخر ما صدر "فهرس مخطوطات مكتبة جامعة الإسكندرية" الذي صدر عن المعهد في القاهرة بعد استئنافه عمله فيها.
ويشرع المعهد حاليًّا في اتخاذ إجراءات طباعة فهرس للمخطوطات العلمية في دار الكتب الوطنية بتونس، وذلك بالتعاون مع "بيت الحكمة" إحدى المؤسسات العلمية في الجمهورية التونسية.
(د) وتجاوز المعهد البلاد العربية، وطمح بعينيه إلى الخارج، فالتراث العربي - أينما كان - هويته واحدة، وقد نشر المعهد في هذا الإطار "فهرس المخطوطات العربية في المكتبة الوطنية بجامعة ستراسبورغ - فرنسا" و"مجموعات مخطوطة في مكتبات إستانبول" وقبلها "فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الأمبروزيانا في ميلانو - إيطاليا".
(هـ) ولا يغيب عن البال تلك المهمات العلمية التي قام بها خبراء المعهد إلى مواطن المخطوطات؛ للكشْف عن أوضاعها وكتابة تقارير عنها، ومن ذلك التقارير التي نشرها عن المخطوطات العربية في الهند، ويوغسلافيا، ونيجريا.
(و) كما لا يغيب الدور الكبير الذي قامت به مجلة المعهد في خدمة قضية التعريف، فقد تضمنتْ مُجلداتها ثروة من الفهارس التي تلقي الضوء على ما تحتويه مكتبات المخطوطات العامة والخاصة، داخل الوطن العربي وخارجه.
(2 - 3) قضية الإحياء:
(أ) إحياء التراث في نشره، وقد نص النظام الأول الذي وضع للمعهد في القاهرة، في فقرته (د) من المادة الثانية، على أن يقوم بـ"طبع صور المخطوطات القيمة، التي نصها صحيح، وخطها مقروء، ونشر نصوص المخطوطات ذات الأهمية الكبرى".
(ب) ولما كانتْ طرائق التحقيق مختلفة بين البلاد العربية من ناحية، والبلاد العربية والأوساط الاستشراقية من ناحية أخرى، فإنَّ المعهد وضَع في وقت مبكر طريقة موحدة، لقيتْ قبولاً كبيرًا لدى الجانبين.
وفي وقتٍ لاحق (مايو 1980) عقد حلقة في بغداد، دعا إليها مجموعة من الأساتذة المشهود لهم بطول الباع في الميدان، خلصوا إلى أُسُس عامة لتحقيق التُّراث ومناهِجه، نشرتْ بعد ذلك ضمن كُتيب صغير، صدر عن المعهد في الكويت.
(ج) وقد نهد المعهد - منذ أنشئ - للمهام الجسام، فاختار تلك المخطوطات الكبيرة ذات الأجزاء التي لا يطيق الأفراد النهوض بها، سواء من الناحية العلمية، أو المادية، كما لا تقبل عليها دور النشر، لقلة جدْواها تجاريًّا.
(د) التراث العربي غنيٌّ كمًّا ونوعًا، ولذلك فإن المسؤولية كبيرة، تفرض أن تظل العين على هذا التراث بمختلف صنوف المعرفة التي تناولها، فلا يطغى صنفٌ على صنف، ولا يهمل منه علم، فيظل في منطقة النِّسيان.
واعتمادًا على ذلك ضمتْ قائمة منشورات المعهد كتبًا، مثل: "سير أعلام النبلاء"، و"ذيل الدرر الكامنة (في التراجم)، وشرح السير الكبير (في الحقوق الدولية)، والمحكم، ومجمل اللغة (معجمات)، وديوان الألغاز للمعري، ودواوين المثقب العبدي والمتلمس الضبعي وعمرو ابن قميئة وشعر تغلب في الجاهلية (شعر وأدب)، والتبصرة في القراءات، والموضح في التجويد (علوم قرآن)، والنكت في تفسير سيبويه، وتفسير المسائل المشكلة في أول المقتضب للفارقي (نحو)"... وغير ذلك.
(هـ) ووسط ذلك كله لم يضع التراث العلمي، فقد نشر المعهد كُتُبًا في الطب؛ مثل: "القولنج"، و"المنصوري في الطب"، وهما لأبي بكر الرازي، وثلاثة من كتب ابن سينا صدرت في كتاب واحد تحت عنوان: "من مؤلفات ابن سينا الطبية" وكتبًا في الحساب والرياضة "التكملة في الحساب"؛ للبغدادي، و"نظرية الخطوط المتوازية في المصادر العربية القديمة"، و"وأساس القواعد في أصول الفوائد"؛ لكمال الدين الفارسي... وغير ذلك.
(و) إلى جانب ذلك احتوتْ مجلة المعهد على عددٍ كبيرٍ من الكتب الصغيرة ذات الأهمية، والمحققة وفْق الأُسُس العلميَّة؛ بل إن بعض الكتب الكبيرة نشرتْ أحيانًا بدلاً من بعض أعداد المجلة، مثل: "المرشد أو الفصول مع نصوص طبية مختارة"؛ لأبي بكر الرازي، و"تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن"؛ لأبي الريحان البَيْروني الخوارزمي.
(ز) إن من المِحَن التي تعرض لها تُراثنا، تلك الهوة التي حدثتْ بينه وبين الأجيال الجديدة لأسباب عديدة، ولا شك أنَّ قضية الإحياء لن تخدم بالصورة المثلى ما دامتْ هذه الهوة قائمة.
لهذا سعى المعهد إلى تنظيم دورات تدْريبية لخريجي الجامعات، تهدف إلى تقريبهم من تراثهم، وتَمْرينهم على قراءته وفَهْمه وتوثيقه ودراسته وأصول تحقيقه وفهْرسته، ومن ثم الإفادة منه والبناء عليه، كما هدفتْ هذه الدورات إلى تعويدهم على التعامل مع أنواع الخطوط التي كتب بها، والمراحل التي مرت بها المخطوطة العربية.
وكانت أول دورة في العاصمة المصرية عام 1971، تلتها دورات أخرى في الأعوام 73، 74، 77، في القاهرة أيضًا، ثم عقدت دورة خامسة في عام 80 ببغداد، وسادسة في عام 89 بالكويت، ويجرى التخطيط لعقد دورة سابعة في إحدى بلدان المغرب العربي، لكن أحداث أغسطس 90 حالتْ دون ذلك.
(2-4) قضية التعاون:
(أ)حرص المعهد على الارتباط بعلاقات تعاوُن وثيقة مع مختلف المؤسسات والهيئات والمراكز المعنية بالتراث في البلاد العربية والعالم؛ وذلك تحقيقًا لهدف رئيس، نص عليه نظامه الأساسي الأول في الفقرة (هـ) من مادته الثانية.
وقد بدأتْ خيوط هذا التعاوُن تتشابَك وتتلوَّن حتى شكلتْ شبكةً كبيرةً، لكل خيط من خيوطها لون ووظيفة وهدف.
(ب) أول هذه الخيوط تقديم التمويل المادي والعون العلمي للهيئات التراثية المحتاجة للدعم، ومن ذلك المعونة المادية التي قدمها لهيئة القُدس العلمية لصيانة المخطوطات في مكتبات المدينة المقدسة، وإهداؤه مجموعة من أجهزة التصوير لأحد مراكز البحث العلمي الموريتانية، وصرفه على الندوة العالمية الرابعة لتاريخ العلوم عند العرب، التي نظمها معهد التراث العلمي العربي التابع لجامعة حلب في الجمهورية العربية السورية.
(ج) وثاني هذه الخيوط تبادُل مُصورات المخطوطات والمطبوعات مع المؤسسات الموجودة في الوطن العربي وخارجه، وفي هذا الإطار أعدَّ قائمة طويلة من عناوين هذه المؤسسات يحرص على تزويدها بإصداراته ودورياته، ويتلقى منها ما تصدره، كما أنه تبادل مصورات المخطوطات مع مؤسسات عديدة، مثل: جامعة الكويت، والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت، وعدد من الجامعات السعودية، ومكتبة الأسد الوطنية، ومعهد التراث العلمي العربي (سورية)، وجامعة يوتا، وجامعة برنستون بأمريكا، وغيرها.
(د) وثالثها النشر المشترك، وفي إطاره نشر المعهد - وهو في الكويت، بالتعاون مع معهد التراث العلمي العربي التابع لجامعة حلب - مجموعة قيمة من كُتُب التراث العلمي.
كما نشر - وهو في القاهرة - بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، في مرحلة مبكرة، كتاب "مختار الأغاني".
(2 - 4) قضية التنسيق:
(أ) معهد المخطوطات معهد قومي، يقوم على خدمة تراث غني لأمة عريضة، تمتد على مساحة جغرافية واسعة، والتنسيق الذي يخدم هذا التراث، حفظًا وصيانة، وتحقيقًا ونشرًا، وفهرسة ودراسة - ينبغي أن يكونَ هدَفًا رئيسًا له؛ إذ بدون هذا التنْسيق تضيع الجهود وتتكرَّر، وبدونه يعمل الجميع، مؤسسات وأفرادًا، كلاًّ على حدة، فتغيب أهداف، وتتوه قضايا.
إلا أن هذا الهدف لم ينص عليه صراحة في النظام الأساسي الأول، ربما لأنَّ المعهد لما يكن قد امتلك أدواته بعدُ، كما أن مُعظم البلاد العربية لم يكنْ فيها أيامها مراكز خاصة بالتراث، تعمل على أُسس واضِحة.
(ب) والحق أن قضية التنسيق نمتْ شيئًا فشيئًا، بدأتْ بالتعاون مع المراكز والمؤسسات المعنية - كما سبقت الإشارة في القضية الرابعة - وكان لا بد أن يسلك هذا التعاون في تشريعات وقوانين واتفاقات وتشكيل هيئات تكون نواة لوضع إستراتيجيات عاجلة وآجلة.
(ج) وجاءتْ حلقة حماية المخطوطات العربية وتَيْسير الانتفاع بها التي عقدها المعهد في بغداد عام 1975، لتضع بذرة هامة في ميدان التنسيق، فقد أوصتْ بإعداد مشروع قانون لحماية المخطوطات في البلاد العربية، وتنفيذًا لذلك؛ كوَّنَ المعهد لجنة من المتخصصين في التراث والقانون، وأرسل المشروع إلى الدول العربية في عام 1977.
وعندما انتقل المعهد إلى الكويت نصَّ نظامه الجديد في مادته الثالثة على أن "يعمل على تحقيق مشروع القانون الموحد لحماية المخطوطات العربية"، وظلَّ المشروعُ في بؤرة الاهتمام يخْضع للتَّعْديلات والإضافات التي ترد إليه من الدول العربية حتى أقرَّ الوزراء المسؤولون عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، في مؤتمرهم السادس الذي عقدوه عام 1987، "القانون النموذجي لحماية المخطوطات العربية".
وكانت هذه ثمرة عظيمة من ثمار الجهود المبذولة في ميدان التنسيق.
(د) والتشريعات وحدها ليستْ كافية، ولذلك فإنَّ المعهد استطاع أن يتوجَ علاقاته الوثيقة مع المؤسّسات التراثية العربية بتشكيل "هيئة عربية مشتركة لخدمة التراث"، ضمتْ أربع عشرة هيئة ومؤسسة عربية متخصصة، عقدتْ أول اجتماعاتها في الكويت، في أواخر عام 1983.
وقد اتخذتْ هذه الهيئة توصيات مُهمة، شددتْ على دور المعهد في وضْع الخطط اللازمة لتصوير المخطوطات وفهرستها والعناية بها، بدْءًا بالتراث المهَدَّد بالتلف والضياع، وخاصة التراث العربي الإسلامي في بيت المقدس وفِلَسْطين، وكذلك على ضرورة تعاوُنها مع المعهد في شتَّى المجالات التي تخدم العمل التراثي.
وكانت هذه "الهيئة" ثمرة عظيمة أخرى.
(هـ) إلا أن الظروف التي مرتْ بها المنظمة في السنين التالية لتشكيل هذه الهيئة، أدتْ إلى تعطيل عقد اجتماع جديد لهذه الهيئة.
(و) وفي القاهرة - بعد أن استأنف المعهد عمله منها - جدَّد المعهد القضية، وتبنَّى مشروعًا لتشكيل هيئة جديدة، وبدأ بالكتابة إلى البلاد العربية في هذا الخصوص، وذلك إدراكًا منه بضَرُورة الاستمرار في اللقاءات بين المسؤولين عن مراكز التُّراث، لتدارس ما جدَّ منذ الاجتماع الأول، ومتابَعة تنْفيذ التَّوْصيات السابقة.
ومنَ المؤمل أن تعقدَ هذه الهيئة اجتماعها الثاني في أواخر عام 1996.
ويذكر أن هذه الهيئة قد نصَّ النظام الأساسي الذي وضع للمعهد عقب انتقاله للكويت على تشكيلها.

(ز) كان ذلك على صعيد التخطيط للعمل القومي في مجمله، ولكن ماذا عن الحركة الداخلية الجزئية في ميدان العمل التراثي الذي يتم داخل المؤسسات العربية، أو يقوم به الباحثون؟ سواء كانوا يعملون بمبادرات ذاتية، أو للحصول على درجات علمية.
هذا ما قامتْ به نشرة (أخبار التراث العربي) التي أصدرها المعهد عام 1971، وقد شهدتْ هذه النشرة تقدُّمًا كبيرًا، وأصبح لها ملامح خاصة ومتميزة بعد انتقال المعهد إلى الكويت، فقد وضعت لها خطة، وانتظمتْ مادتها في أبواب ثابتة، ترصد نشاطات المعهد، والمؤسسات التراثية العربية والباحثين، وطلبة الدراسات العليا، والكتب الصادرة حديثًا. بالإضافة إلى التعقيبات والاستدراكات التي ترد على ما ينشر فيها، حتى غدت قناة رئيسة يحرص كل المشتغلين في ميدان التراث على الاطِّلاع عليها، ويقوم المعهد بتوزيعها مجانًا.
(ح) وفي الاتجاه نفسه تبنَّى المعهدُ مشروعًا لإعداد معجم شامل للتراث العربي المطبوع، وعلى الرغم من أن معجمات قد صدرتْ من قبل بجهود فردية، فإن هذا المعجم يعد أوسع معجم في بابه، يعتمد المنهج التحليلي في مادته.
وقد صدر من هذا المعجم الأجزاء الأول والثاني والثالث والخامس، وتعطل إصدار "الرابع" لأن مادته قد نقلت إلى الموسوعة العربية في بغداد، ضمن ثروة المعهد التي نقلت إلى هناك.
ولهذا المعجم خاصية ليست في غيره، فهو حي متَجَدِّد، يواكب ما تقذفه المطابع كل يوم، من خلال ملاحقه التكميلية، وسوف يصدر الملحق الأول خلال الدورة الحالية (95 - 1996).
الطموح : والآن وبعد مُضي ما يقرب من نصف قرن على إنشاء معهد المخطوطات العربية، فإن هذا المعهد قد بلغ مرحلة متقدمة من النضج، وفي ظل الرعاية الخاصة التي توليها المنظمة له، فإن خطواته المستقبليَّة أصبحتْ واضحةً ومحسوبةً بدقَّة شديدة.
لقد أعدَّ المعهد تصوُّرًا مستقبليًّا لخطة عمله، ركَّز فيها على ضرورة "توظيف" التكنولوجيا في خدمة التراث، وزيادة عدد بعثات التصوير، وتنمية القدرات العربية من خلال الدورات التدريبية المتخصصة، وتبني جوائز لتشجيع الأجيال الجديدة على العمل التُّراثي، ورسم خطة خاصة بإنقاذ المكتبات العربية المعرضة للتلف، وأيضًا الاستمرار في نشر الكتب التراثية الأصيلة والكبيرة، بالإضافة إلى الاتجاه نحو إصدار سلسلة من الفهارس لكتب التراث المطبوعة بدون فهارس أو بفهارس غير وافية، وذلك في محاولة لحل مشكلة عويصة من مشكلات التراث.
وسوف يمثل النجاح في تنفيذ هذا التصوُّر المستقبلي - إن شاء الله - لبنة جديدة تضاف إلى إنجازات المعهد في مجالات نشاطه المختلفة، أملاً في أن يأخذ تراث هذه الأمة مكانه الصحيح كأساس لنهضتها وبناء المستقبل الذي يليق بها.
منقول من موقع معهد المخطوطات العربية © / المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

الاثنين، 31 أكتوبر 2011

دعاء: اللهم ارحم اهل سوريا

من لأطفال ونساء وشيوخ سوريا ..
هل سيستمر مسلسل القتل المجاني هكذا بلا مقابل بلا رد بلا ردع؟!!!!
اللهم إنا نشكوا اليك ضعف قوتنا
وقلة حيلتنا
وهواننا على الناس..
يا ارحم الراحمين
ارحم سوريا واهل سوريا..
نشكوا اليك ولا نشكوك ..
اللهم فكن لاهلنا بسوريا ..
وعليك بالاسد واعوانه..
اللهم من شق علينا فشق عليه
اللهم من شق علينا فشق عليه
اللهم من رأف بنا فارأف به
اللهم أرنا في الاسد وملاه يوما اسودا
اللهم ارنا فيهم آياتك
يا الله.. ياالله
..ياالله
نسألك باسمك الاعظم
ان تنتقم من الظالمين المعتدين
الذين استباحوا الدماء والحرمات والديار
وقتلوا الشيوخ الركع والاطفال الرضع والنساء
ولم يراعوا فينا الا ولا ذمة ولا رحما ولاجوارا ولا مودة

الأحد، 30 أكتوبر 2011

قراءة جديدة لقضية قديمة "القديم والجديد"


لعل من أهم القضايا التي أثارها مصطفى صادق الرافعي في زمانه , و التي كانت مثاراً للخلاف الشديد بين النقاد و علماء الأدب , هي قضية القديم و الجديد . و هي قضية قديمة لا مجال للشبهة فيها أو الشك في صحتها بحكم علاقتها بالعمل الأدبي و أدواتـه , و التي أصبحت فيما يذهب إليه محمد محمد حسين و غيره : ” معركة بين الذين يريدون أن يحملوا المسلمين و الشرقيين على حياة الغرب و عاداته من المستعمرين و من الذين يعينونهم على ذلك من المأجورين أو المفتونين أو السذج و المغفلين , و بين المحافظين الذين يدافعون عن دينهم و تراثهم سواء منهم من يفعل ذلك عن تدبر و وعي , و من يفعله عن تمسك بما ألف و عكف على ما ورث “ 1 .


ومنشأ هذه المسألة , يعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر , حين شهدت الأمة العربية إبان نهضتها حركة لإحياء التراث العربي بعد أن طمره الحكم العثماني بطبقة كثيفة من النسيان و الإهمال و الركود , فحاول الأدباء و العلماء العودة بالناس إلى أمهات الكتب التي ألفت في عهد الفتوة و الازدهار , إلى أن دبَّتْ حركة جديدة في الذوق الأدبي, وحدث تطور ملموس في محيط النقد الأدبي . هذا ما نتج عنه خلاف بين أنصار القديم و دعاة التجديد , فالأولون استحسنوا بعث تراث الأقدمين الذي كان يتجاوب مع الناس و يساير أحداث ذلك الزمان , و الآخرون أخضعوا ذلك التراث الفكري العربي إلى البحث العلمي الدقيق على سبيل الدراسات النقدية الحديثـة , إشارة منهم في وضع بذور التجديد التي ما هي في الحقيقة إلا تطور طبيعي للقديم . و كان حتمياًّ أن يستتبع ذلك الخلاف في مسائل الأدب , خلافاً في المناهج النقدية بين الاتجاهين .

فبينما جمع أقطاب النقد اللغوي القديم كحسين المرصفي , و محمد المويلحي , و علي المرصفي , بين مقاييس بناء القصيدة القديمة في فنونها و أوزانها , و بين الالتزام بالأساليب العربية القديمة في بلاغتها وفصاحتها , إذا بالنقاد المحدثين يعنون بالتجربة الشعرية و الصياغة الفنية, وكانوا غالباً ما يوقفون نقدهم على الناحية الموضوعية و الأخذ بالمقاييس الغربية 2. و من أجل ذلك , انصرف كل أديب شاعراً كان أم ناثراً إلى أن يكون فطناً ملماًّ بكثير من فروع المعرفة , بارعاً قديراً على انتقاء الألفاظ و إدراك المعاني الجديدة و الاهتداء إلى الأفكار المبتكرة . فتعين بعد ذلك , اتساع ميادين النقد و استعداد الأدباء ذهنياًّ للابتكار و الإبداع .

وأثناء هذا الصراع الحاد وعلى أساسه, وقف مصطفى صادق الرافعي يتحسس الآراء و الرؤى, لتبدأ قصته مع ما سماه هو في كتابه "تحت راية القرآن" بـ "المعركـة بين القديـم و الجديد" .

وإذا كان لبّ الكتاب تلك المقالات التي دمغ بها الرافعي رحمه الله أستاذَ الجامعة المفتون بحضارة الغرب (طه حسين)، فإنه في مجمله ميدان معركة صاخبة طاحنة بين القديم والجديد، وبين أنصار هذا وأنصار ذاك. والرافعي – عليه رحمة الله – لا يستنكف أن يُنبز بأنه من أنصار القديم، بل يثبت ذلك ويعتز به.

إن مسألة " القديم و الجديد " هي ولادة الأدب العربي , إذ عرفها منذ عصوره القديمة , و غدت من المسلمات التي لا ينكرها أحدٌ , لكن المشكلة تحددت أكثر في العصر الحديث , حين احتضنت جريدة " المقتطف " – في أواخر عام 1881م – الدعوة إلى العامية و الاستغناء عن اللغة الفصحـى , ثم هاجت المسألة على يد خصوم اللغة العربية في سنتي 1902م و 1926م , و في كـل مرة كانت حركة التدمير في محاولة لإحلال عامية الجماهير محلّ العربية الفصحى تشتد و تقوى أكثر , بحجة – كما يذهب شكيب أرسلان- :” أنها أقرب إلى الإفهام, ولكن منهم من لا يحاول هدم الأمة في لغتها و آدابها لا حُبًّا باللغة و الآداب , و لكن علماً باستحالة تنصل العرب من لغتهم و آدابهم “ 3 و نحو هذا النزوع , جاءت رؤية جبران خليل جبران الجديدة في شعاره : " لكم لغتكم و لي لغتي " 4 . فيحار في أمره مصطفى لطفي المنفلوطي و يرجع ذلك إلى أنَّ جبران :”أعجمي يظن أن اللغة العربية حروف و كلمات , و هو لا يعرف منها غيرها , فينطق بشيء هو أشبه الأشياء بما يترجمه المترجمون من اللغات الأعجمية ترجمة حرفية , فإِنْ نَعَيْتَ عليه غرابة أسلوبه و استعجامه و التواءه على الفهم , كان مبلغ ما ينضج به عن نفسه أنَّ المعانيالعصرية و الخيالات الحديثة لا يستطاع إلباسها الأكسية البدوية, و الأردية العربية , كأنما هو يظنّ أنَّ المعاني و الخواطر خطط و أقسام , و أنصبة و سهام , هذا للشـرق , و هذا للغرب , و هذا للعرب و هذا للعجم “ 5 .

فلا ريب – بعدذلك- أن نجد وجوه الخلاف و التباين بين الفريقين عميقة , فريق أراد تسويد اللهجات العامية في البلاد العربية, على حساب الجملة العربية , و آخر يرفض كل الحملات و المحاولات التي تستهدف إخراج لغة القرآن من ذاتيتها و خصائصها . و في ذلك يقول حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية :

أَرَى لِرِجَال الغَرْبِ عِزًّا و مَنَعَةً

أَتَـوْا أَهْلَهُمْ بالمُعْجـِزَات تَفَنُّنـاً

أَيُطْرِبُكُمْ مِنْ نَاحِيَةِ الغَرْبِ نَاعِبُii

وَ لَوْ تُزْجِرُونَ الطَّيْرَ يَوْماً عَرَفْتُمْ

أَرَى كُـلَّ يَوْم بِالجَرَائِدِ مَزْلَقـًاii

وأَسْمَعُ لِلكُتَّابِ في مِصْرَ ضَجَّةً

وكَـمْ عَـزَّ أَقْوَامٌ بِعِزِّ لُغَـاتِii

فَـيَـا لَـيْتَكُمْ تَأْتُونَ بالكَلِمـَاتِii

يُـنَادِي بِوَأْدِي في رَبِيعِ حَيَاتِيii

بِـمَـا تَحْتَهُ مِنْ عَثْرَةِ وشَتَاتِii

مِـنَ الـقَبْرِ يُدْنِينِي بِغَيْرِ أَنَـاةِii

فَـأَعْلَمُ أَنَّ الصَّائِحِينَ نُعَلتِـي6ii

و ها هو أيضا , خليل مطران يندفع مُدافعاً عن اللغة العربية في قوله :

لِـنَعِشْ مَعَاشَ زَمَانِنَا وَلْنَنْتَهـِزْii

لَـنْ تَرْجَعَ العَرَبِيَّة الفُصْحَى إِلَى

مَـا لَـمْ يَعُدْ ذَاكَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُii

إِنَّ الـتَّـجَدُّدَ لِلِّسَـانِ حَيَاتُـهُii

فِي عَصْرِنَا للضَّـادِ فَتْحٌ بَاهِرٌii

فُـرَصَ النَّجَاحِ نَفُزْ بِهِ أَوْنَسْلَمِii

مَـا كَانَ مِنْهَا فِي الزَّمَانِ الأَقْدَمِii

والـعَادُ والأَخْلاَقُ حَتَّى جَرَّهُمِii

وَ مَـنْ الَّذِي يُحْيِيهِ غَيْرَ المُقـْدَمِ

زِيدَتْ بِهِ فَخْراً , فَهَلْ مِنْ مَأْثَمِ 7

ولقد حاول الأدباء و المهتمون إيجاد تبريرٍحقيقي لتلك الانتفاضة التي عرفها الشرق في ذلك العهد , فجاءت الحلول المقترحة و ردود الأفعال متباينة الاتجاهات , و وقف الرافعي بمعية المحافظين يواجه كل محاولة تجديد أو تعديل , لأنَّ في اعتقادهم :” دعاة التجديد يكاثرون المحافظين بما عرفوا من آداب العرب و من فنونه الأدبية المستحدثة , ويسخرون من جهلهم , و يرمونهم بالجمود و الكسل . و كان المحافظون في الوقت نفسه يتهمونهم بأنهم يغُضُّونَ من قدر التراث الذي خلفه أجدادهم لأنهم يجهلونه , و يشيدون بمذاهب الأدب الغربي و فنونه لأنهم لم يعرفوا سواه . وهم عندهم بين خبيث مأجور على قومه يريد أَنْ يهدم كيانهم و يمحو طابعهم و بين مغفل يحكي ما أملي عليه عن غير وعي , و كلاهما معين للغرب على قومه , يلين اللقمة الصلبة تحت أضراسهم “ 8. و بهذا الاعتبار كانت اللغة العربيـة – عند الرافعي – اللغة المقدسة , و لغة القـرآن , و ديوان التاريخ العربـي . لذلك كان أدنى تصور نادى إليه هؤلاء الأدعياء هو طعن كلام الله , و كامل التراث اللغوي و الأدبي .

ولعل هذا المناخ الذي ألفه الرافعي , هو الذي حمله دائماً على الذَّوْد عليه , مُفْتَخِرًا مُعْجبًا, حيث يقول : ” إِنَّ هذه العربية بُنيتْ على أصل سحري يجعل شبابها خالداً عليها فلا تهرم و لا تموت , لأنها أَعدَّتْ من الأزل فَلَكاً دائرًا للنَيِّرَيْن الأَرْضِيَيْن العَظِيمَيْن:كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم , و من ثم كان فيها قوة عجيبة من الاستهواء كأنها أَخْذَة السِّحْر “ 9.

أمَّا المجددون , الذين دعوا إلى تعديلات من شأنها أنْ تجعل اللغة أكثرَ تلاؤماً مع مستلزمات الحياة المعاصرة, فإنَّ الرافعي لم يتعارض معهم بل حرص على ضرورة : ”وجوب الإصلاح اللغوي , وجوب أَنْ يكون للغة في هذه النهضة مجمعٌ يحوطها و يضع لها و لو على الأقلّ – كمصلحة الكََنْسِ *و الرَشِّ ** “ 10. و قد واجه الرافعي ذلك الفريق بالسلب و النقص , حيث عليه قصورَ مُناصريه


وضعفهم مُعْلِناً أنه : ” لا ينقصنا من اللغة شيء , و هي على ما هي من أحكام الأوضاع و التراكيب و الاتساع للمفردات,... ولكن ينقص هذه اللغة رجال يعملون و يحسنون إذا عملوا و يعرفون كيف يتأتى عملهم إلى الإحسان “ 11 . و ذلك حين كان تحامل أنصار الجديد – كما يقول – على اللغة العربية و محاولتهم طمس معالمها , في اعتقادهم ظاهرة من ظاهرة التجديد 12 . و مما زاد الرافعي إيماناً بصحة موقفه هو – كما يقول – أن : ” كل المجددين رجعوا الآن عن رأيهم في المدنية الأوربية و أقروا أنها مدنية زائفة “ 13.

عندئذ أحسَّ الرافعي و أنصار الصفاء اللغوي و حماة الفصحى بتقدير ذلك الدور و العمل به , إلى حدّ إعجاب الرافعي بنفسه حيث قال : ” يخيل إليَّ دائماً أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن و لغته و بيانه , فأنا أبداً في موقف الجيش ... “ 14. على أن هذا الأمر كله لم يغب عن عميد الأدب العربي الأستاذ طه حسين حيث يشير إلى أنه : ” كان الكتاب و الشعراء – أول القرن الماضي و أثناءه- يرون أنهم قد أدوا ما عليهم من حق البيان إذا أرادوا هذه الجمل و الألفاظ التي كانوا يديرونها على نحو من البديع مألوف , ... و كان الناس يطمئنون إلى هذا النحو من الأدب تقبل غليه الخاصة و تنصرف عنه العامة إلى أزجالها و مواويلها و إلى قصصها و أحاديثها...“ 15 .

و بعد ذلك بدأت حركة أدبية جديدة تدبُّ في الذوق الأدبي , و أن الناس أصبحت تتفهم جيداً مهمة الأدب حين ينزع إلى أنه ترجمة عن النفس و تفسير للحياة و ليس صناعة لفظية جوفاء تؤثر فنون البيان و البديع على حاجة الناس إلى الجمال الفني و الذوق الراقي . من أجل ذلك , اهتم الرافعي بمعرفة هذا الجديد الذي شغف الأدباء تغنياً به , فجاء تقديرهـم مـن أن اللغـة : ” كمجموعة من الألفاظ أو الكلمات , مادة الخلق الأساسية , خاصة و أنَّ هذه الألفاظ متحدة بمدلولاتها في الذهن “16 , و ليس مادة محافظة على ذوق استعاري قديم , و عندها أدرك الرافعي أنَّ تسخير اللغة لأغراضهم هي الخاصية التي وقفوا عليها , بعد محاولة تطويع ألفاظها و أساليبها لحاجاتهم و نظرتهم التجديدية .

ومن هذا المنطلق , جاء تصور الرافعي للمذهب القديم الذي لا يراه إلاَّ في : ” أن تكون اللغة لا تزال لغة العرب في أصولها و فروعها “ 17, بحيث يمضي مدافعاً عنها , داعياً إليها , متعلقاً بأطرافها مؤمناً بأنها تبقى أبداً : ” تحمل ما حملت عليها لأنها صافية كالحق منزهة عن الريب كالواقع“ 18.

ثم ينتهي من ذلك إلى القول بالمذهب الجديد : ” لو تأمل أصحابنا تاريخ هـذه اللغـة و آدابها لرأوا في كل عصر من عصورها شيئاً كان يمكن أن يسمى مذهباً جديداً , و لكن لم نجد أحداً سماه كذلك و لا بناه على أنه شيء بنفسه “ 19 . و يتعمق الرافعي في هذا المجال أكثر فأكثر , و يفطن إلى العلة في نشوء المذهب القديم و المذهب الجديد الذي لا يراه إلا في : ” الضعف في لغة و القوة في أخرى , و أن صاحب المذهب الجديد أخذ بالحزم في واحدة و بالتضييع في الثانيـة , و أكثر من الإقبال على شيء دون الآخر , فتعلق به و أمضى أمره عليه و حسنت نيتـه فيـه و استمكنت فصارت إلى نوع من العصبية للأدب الأجنبي و أهله “ 20.

هذه هي مآخذ الرافعي في موقف أنصار المذهب الجديد من اللغة العربية , و هي مآخذ جعل سمتها البارزة في كونهم اتهموا اللغة العربية بالقصور في التعبير عن الحاضر و المستقبل . و الحقيقة أن اللغة شيء طبيعي فينا , و أنها منا أكثر مما هي لنا إذ كانت في الجاهلية لغة راقية بأطلالها و رثائها و فخرها و حكمها , في حين ننظر إليها الآن على أنها لغة جمود و فقر , و يكفيها فخراً أنها لغة القرآن, التي كلما تقدمت وثبة إلى الأمام شهدت تراكيب و مفردات جديدة , وقصص و صور و رموز وفيرة , و بذلك : ” وصفت على إثرها باللغة الشريفة , و الكريمة , و اللطيفة , و صار العلم بأسرارها جزء لا يتجزأ من السلوك وفقاً لأحكام الشريعة “ 21.

ولعل هذا الموقف المثالي من اللغة , جعلها تكسب صفة القداسة و الفضل , و هو الموقف نفسه الذي يخلص إليه رولان بارت في اللغة و دورها, حين يقرر في قوله بأنها : ” ليست زاداً من المواد بقدر ما هي أفق “ 22 . ثم حصرت– بعد ذلك- في المقامات و شعر المناسبات, فوقفت عن السير و ضاقت, فأغلقت أمامها السبل و أمست لغة الضعف . و على ذلك سارت إلى مرحلة النهضة , حين حلّ الوعي العربي , و احتك العرب بالغرب , فسايرت اللغة العربية نضج الوعي الإنساني العالمي و مشت إلى الأمام لا تعرف الوقوف . و عندها أضحت اللغة هي , بالحرف الواحد , مادة الأديب لينطلق بعدها في : ” اختيار قاموسه و تطويع مادته بحيث يكون كل يوافق كلاًّ , بلا فضول , و لا ضيق , و لا تعسر ... و يرتفع الأديب في نظر الناقد ما كان قد عبر بقدر ما أحسَّ “ 23.

وسواء قبلنا أو رفضنا هذه المعطيات , فإن الرافعي رأى ضرورة التمسك بالعربية و بتاريخها , لأنه ماض مسترسل في الحاضر , معبر في آنية عن تاريخ جارف من الأحداث و العواطف , لتغدو اللغة منعشة و منشطة للفكر , و وسيلة للإبداع الفني الخصب , لا أداة للتصنع الأجوف الذي طربت له الآذان عهوداً من الزمن . ذلك ما يحدده الرافعي في قوله : ” إنَّ الأمة لا تحيا إذا ماتت لغتها , و لن تموت لغة أمة حية , و ما دامت العربية على أصلها فأدبها ما أخرجه لنا السلف , لا ينقص منه و لكن يزاد عليه بما تمثله الأيام و تبتدعه الأفهام و تستأنفه القرائح و تتدبره العقول و يمحصه التحقيق و تبدعه مذاهب النقد , ... “ 24. و لسنا في حاجة إلى التعقيب على هذا الكلام بأكثر من حاجتنا إلى التساؤل عن صحة اتهام النقاد الرافعي بالتعصب إلى القديم , إلى درجة أنهم حجبوا عن نفسه حقيقة الجديد , و هو الداعي إلى تجديد و إثراء اللسان العربي ليتمتع إلى الأبد بقوى المناعة و الحياة .


لقد تتبعه النقاد في هذه المسألة و تعقبوه فيما عرضه, وهو الذي كان : ”تملكه لزمام اللغة لا يقلّ عن تملكه لزمام المعاني,وبصره بجمال أساليبها لا يقل عن بصره بالقوى الكامنة في حائق الأشياء “ 25 . و بتتبع ما قاله النقاد , نرى أن كثيراً مما ساقوه يحتاج إلى مناقشة و مدارسة .


فكم غفلوا عن فضائل و نسوا زيادات أتى بها الرافعي , بل كم اتخذوا من ألفاظه و عباراته مجالاً للتهمة و التشنع , متحيفين على الرجل متناسين ما بين أيديهم من مقاييس فنية , و لكن في مقابل ذلك لا ننكر صحة بعض ما عرضوه , على أنّ الرافعي سار – في مواقفه – على ضوء من أفكار غيره , و انتفع بآراء من سبقوه . و سنعرض لكل ذلك من خلال بعض النماذج الكاشفة .

ما ادعى فيه النقاد بأن الرافعي كان يسير إلى الأمام و رأسه ملتفتة إلى الوراء , و من ذلك جاء تعقب طه حسين للرافعي في مسألة الذوق الأدبي قائلاً : ” و يدور المختصمون جميعاً حول الذوق , دون أن يحددوا هذا الذوق . أليس من حقنا أن نسأل عن هذا الذوق ما هو ؟ و ما حدّه ؟ و ما الذي يريدون منه ؟ و لا تقُلْ أن الأستاذ الرافعي قد يقول في الذوق : و أنت تعلم أن الذوق الأدبي في شيء إنما هو فهمه , و أنَّ الحكم على شيء إنما هو أثر الذوق فيه , و أنَّ النقد إنما هو الذوق و الفهم جميعاً . نعترف بأننا لا نفهم هذا الكلام , بل نعترف بأننا نعتقد أنّ هذا الكلام ليس من شأنه أن يفهم “26.

ولعل في هذه الغمرة من الجدل , نسي العميد أن يحكِّم علمه و " ذوقه " , و هو الكاتب الذي يجب أن يلمح أدنى فرق بين قول و قول . مع أنَّ المعنى دقيق و جليّ . فمصطفى صادق الرافعي غيور على الأدب العربي و على لغته , متبنٍّ لفكرة الإبداع و التجديد منذ زمـن بعيـد, و لما أعلن بأن الذوق الأدبي في شيء إنما هو فهمه , إنما أراد بذلك – كما بينه العميد – أن يكون الذوق و الفهم لفظان يدلان على معنى واحد , غير أن تحليل الرافعي للمسألة هو كالآتي :

حتى يكتمل ذوق الإنسان للفنّ المطلوب , لابد أن يمر بمرحلة أولى تدعى مرحلة الذوق الاستطلاعي أو الاستكشافي , يحاول من خلاله التعرف و فهم – من بين الأعمال و الآثار- العمل الذي يجذب إليه , ليتسنى له – فيما بعد – تذوقه متمثلاً في نفسه , دون أن يغفل عن ربطه بالواقع . و عندئذ يحلّ مقياس الحكم و النقد ليحدد من خلاله ما في ذلك النص الأدبي من قيم مقارنة مع النصوص الأدبية الأخرى .


وبذلك يكتمل في الإنسان الموهوب الطبع و الذوق في إجادة تأليف الأعمال الفنية و أسباب استحسانها أو تأثيرها في المتلقي27, كما يقول بدوي طبانه . و على أساس هذه النظرة الموضوعية إلى الذوق الفني , فإننا نرى أن الرافعي رفع من شأن الذوق انطلاقاً من أنه أداة لجمال النص الأدبي و الحكم عليه , ليتهيأ له فيما بعد تنمية ذوق الناقد الذي لا يستطيع الناقد ذاته الانفصام عنه . و بذلك , يبقى الذوق السليم : ” عدة الناقد و وسيلته الأولى , فإليه يرجع إدراك جمال الأدب , و الشعور بما فيه من نقص , و إليه نلجأ في تعليل ذلك و تفسيره , و به نستعين في اقتراح أحسن الوسائل , لتحقيق الخواص الأدبية المؤثرة , ... “ 28.

ويبقى الذوق الأدبي – رغم تطوره من عصر لآخر , و من أديب إلى غيره – بقاء الفنّ و خلوده على الزمان , تتداوله الأجيال عبر أزمنة متغايرة , و هنا – كما يقول أحمد كمال نشأت – عرف الرافعي من خلال مصنفاته : ” كيف يثير في نفس المتذوق لذة فنية ... و قوة يقرر بها الأدب من حيث هو فنّ “29 .

وبعد ذلك , تناول الرافعي مسألة التجديد و علاقتها بالأدب العربي دراسةً و تحليلاً. و قد كانت جهوده في جملتها وقفاً على عرض مفهوم المذهب الجديد عند العرب استناداً إلى الأدبين الأموي و العباسي إذ يقول : ” و قد نقل عبد الحميد الكاتب أشياء من الأساليب الفارسية فأدخلها في كتابته و ترجم العلماء عن اللغات المختلفة أكثر مما يترجم كتاب هذه الأيـام ,... و ظهرت الأفكار المتباينة , و تعددت الأساليب في الكتابة, و افتنَّ المتأخرون من القرن الرابع إلى التاسع في فنون من الجدل و الهزل, و في نكتٍ بديعية لم يعرفها العرب إلى أن اختلط لسانهم, و في كل ذلك لم يقل أديب و لا عالم و لا كاتب أنَّ له مذهباً من مذهب قديم , لأنهم كانوا أبصر باللغة و أقدر على تصريفها و أعلم بحكمة الوضع فيها و أحرص على وجود الفائدة منهـا و الانتفاع بها “30.

ومعنى ذلك , أنَّ الرافعي لا يريد حصر فكرة المذهب الجديد في عصر من العصور الأدبية, بل يخلص إلى أنه كلما احتجنا إلى تراثنا القديم في كل عصر , كنا في حاجة أَلَحّ إلى بناء معان و مشاعر جديدة . و من ثم العمل على صهرها فبي بوثقة واحدة لإنتاج أعمال أدبية راقية , و في ذلك الشأن يقول ابن شرف القيرواني المتوفى سنة 460 ه :


قُلْ لِمَنْ لاَ يَرَى المُعَاصِرَ شَيْئاً

وَ يَرَى لِلأَوَائِلِ التَّقْدِيمَــا . وَ سَيَغْدُو هَذَا الجَدِيدُ قَدِيمَا 31.

إِنَّ ذَاكَ القَدِيمَ كَانَ جَدِيـداً

ثم نجد الرافعي بعد ذلك , يدعو إلى الانفتاح على العالم المتطور الذي يراه سبيلاً آخر , يكفل لاتجاهاتنا الأدبية الخلود و البقـاء , و في ذلك يقول : ” و إنْ أرادوا بالمذهب الجديد العلم و التحقيق و تمحيص الرأي و الإبداع في المعنى , على أن تبقى اللغة قائمة على أصولها , ... فإننا لا ندفع شيئاً من هذا و لا ننازع فيـه , بل هو رأينا , بل هو رأي الحياة , بل هو قانون الطبيعة, ... “ “ 32.

على أننا نخلص في الأخير , إلى أن الرافعي كلما خاض في الكلام عن الجديد , إلا و فرض مقياس إبقاء اللغة على أصولها و جذورها , لأن اللغة – في الحقيقة – ليست شيئاً خاصاً بفرد , بل ملكاً مشتركاً بين الجميع , و عليه من فقد لغته فقد ضاعـت إنسانيتـه و شخصيتـه. وظلَّ الرافعي دائمًا لا يعمل إلا بهذه القاعدة , و لا تعمل فيه إلا هذه القاعدة لأنه في نظـره يبقـى : ” للعربية سرها في تركيبها و بيانها و إذا أهملناه صارت العربية كلام جرائد يصلح لشيء و لا يصلح لشيء آخر , يصلح ليقرأ اليوم و يلقى و لا يمكن أن يصلح للغد و الاحتفاظ به ليكون ثروة للغة و البيـان “ 33.

ولعل ما أجاد فيه الرافعي و أصاب , هو تلك الموازنة التي انتهى من خلالها إلى حقيقة لا نستطيع المشاحة فيه , حيث وضعنا أمام خيار مسؤول اتجاه أدبنا و علومنا و كتبنا , حين أعلن أنه علينا إمَّـا : ” أنْ نحرص على الأصل الصحيح القوي الذي في أيدينا و نحتمل فيه ضعف الضعفاء و نصبر على مدافعتهم عن إفساده حتى ينشأ جيل أقوى من جيل و تخرج أمة خير من أمة فتجد الأصل سليماً فتبني عليه و نزيد فيه . و إمَّا أن ندع الصلاح للفساد و نتراخى في القوة حتى تحول ضعفاً فإذا جاء من بعدنا , وجد الأصل فاسداً فزاده فساداً ... و هلمَّ إلى أنْ تصير هذه العربية في بعض أزمانهـا لعنة على كل أزمانها فتنسخ جملة واحدة و يصبح الكلام المأنوس الذي نراه اليوم سهلاً ليناً “34, و هذا لعمري هو حال لغتنا الآن .

وننتهي من هذه الجولة , بعرض أقوال و شهادات نسوقها في هذا المقام للتدليل مرة أخرى على أن الرافعي أديب داعٍ إلى التجديد أكثر منه إلى القديم . و في هذا المنحى يأتي قوله: و ليس يكون الأدب أدباً إلا إذا ذهب يستحدث و يخترع على ما يصرفه النوابغ من أهله ...“35. و كذا قوله في ناحية أخرى : ”و هو – يعني الأديب – كلما أبدع شيئاً طلب الذي هو أبدع منه “ 363737.

وخلاصة هذا المبحث , أنَّ الرافعي يقرّ بالتجديد مذهباً , داعياً إليه في وقفات عديدة. لكنه يريد التجديد الهادف الذي يحسن الاستفادة منه على أساس مبدأ الانتقاء و الاصطفاء الذي يلائم فكر الأمة و انتماءها إلى العروبة و الإسلام , هذا ما جعل الرافعي – كما يقول أبو القاسم سعد الله : ” كاتباً مفضلاًّ عند كثير من الجزائريين لأنه عُرِفَ بالمحافظة و هو محافظون , و عُرِفَ بالدفاع عن الإسلام و هم غيورون على دينهم “38. و إذا كانت قضية القديم و الجديد لم يعتن بها الأدباء المتقدمون عناية واضحة , فقد كانت سعيدة الحظّ مع طبقة الأدباء المحدثين , تلك الفئة التي تمثلت فيها ثقافة مزدوجة غربية و أصلية , حيث أخذت عن الأولى مناهجها المنظمة و أهدافها من الدراسة و فهمت ذوق الثانية و معاييرها الأدبية و مقاييسها الفنية .

وعلى ضوء ذلك كله , نعرض لآراء بعض النقاد و الأدباء المهتمين بهذه القضية , مستهدين من وراء ذلك معرفة وجه الحقّ في كل ما ذكر و قٌرِّرَ . فالأستاذ شوقي ضيف بعد تحليل و دراسة و تناول للمسألة , يقف عند نتيجة حتمية يقرر فيها قوله : ” و إذن فليجدد شعراؤنا في مضمون قصائدهم كما يريدون , و لكن ليصوغوا ذلك في صياغة تروقنا , أو بعبارة أدق ليكن من أهم أهدافهم أن لا يقعوا بعيداً عن صياغتنا الفنية , بل عن الصياغة التي عاش فيها شعرنا قديماً و حديثاً , و ليعرفوا أن الصياغة عبءٌ و جهدٌ , و ليست لقىً في الطريق , و أيضاً ليست عبادة للتقليد , إنما هي نمو و تحول مع فهم أسرارها و تجليها بروح جديدة و معان جديدة, فالقديم يلتقي مع الجديد , و الماضي يلتقي مع الحاضر التقاءً مثمراً , لا تخذل فيه الصياغة المعنى , بل تريده روعةً و بهاءً “39.

ولعل بعد قراءة تحليلية لهذا الموقف, يفصح لنا عن دعوة الناقد الأديب عموماً والشاعر خصوصاً , ألاَّ يعيش – من خلال أدبه و فنه – حياة منفصلة عن ماضيه , بل فليجعل القديم نقطة بدء لها , يرى من خلالها الحياة الإنسانية وكيف تتجدد , و الأدباء و كيف أجهدوا أنفسهم في إبداع نماذج رفيعة , و عندئذٍ نكون قد وصلنا إلى العتبة التي يمكن أن تدلف بنا إلى عالم يلتقي فيه الحديث بالقديـم . و كنا نرغب أن يناقش الأستاذ شوقي ضيف نوعية هذه الصياغة الجديدة التي ما فتئ الأدباء يغزون بها عقولنا و قلوبنا اليوم , فنحن لا نرى فيما يكتب في أيامنا هذه تحت اسم أدب و شعر و قصة , إلاَّ شيء مليء بالغثاثة و التفاهة , استغل كمعول لقتل الفصاحة و تجاهل البلاغة . و هذا الموقف الذي نشدوه , لا ينبع عن تعصب فكري ة لا عن اعتراض لمنهجية الدكتور الصائبة في مناقشته للقضية المذكورة , و إنما هو القول بمغالطة واضحة تزيد يوماً بعد يومٍ في اتساع الفجوة بين الأمة العربية و بيان أسلوبها العربي و فصاحته .

وعلى النقيض من ذلك , نجد الأستاذ عز الدين إسماعيل بعد التساؤل الذي وضعه حول : أيهما تقديراً الأدب القديم أم الحديث ؟ ينتهي إلى : ” أنَّ النشاط المعاصر هو النشاط الوحيد المهم حقاًّ بالنسبة لنا . و أدب الزمن القديم لا قيمة له عندنا إلاَّ أنه يغير الحياة التي نحياها . فالأدب يُكْتَب أولاً لهؤلاء الأحياء القادرين وحدهم على أنْ يستخرجوا منه الحدّ الأقصى من كمية المعنى . و النشاط الأدبي جانب حيوي من جوانب الحياة , فلا يستطيع إنسان أنْ يحيا حياة ممتلئة دون أنْ يهتم بكل نوع من أنواع النشاط المعاصر “40. و يضيف – بعد ذلك – أنَّ دور الشاعر الجديد لابد أن يظلّ : ” يرتبط بأحداث عصره و قضاياه لا ارتباط المتفرج الذي يصـف مـا يشهـد و ينفعل بما يصف إنما هو يعيش تلك الأحداث وهو صاحب تلك القضايا “41. ومن ذلك تأتي النتيجة التي يقف عندها في قوله : ” فشعرنا القديم يتجه إلى تسجيل المشاهد و المشاعر و ليس امتداداً وراءها . أما الشعر الجديد فمحاولة لاستكناه الحياة لا مجرد الانفعال بها “42.


ومعنى ذلك , أن الأستاذ يحاول فرض كل ما هو موروث على الواقع الجديد , و من ثم فإنه لا يسجل أدنى اهتمام للماضي , بل يذهب أبعد من ذلك إلى أن يوصي بالتعامل مع الأدب الجديد باعتباره مصدر المعرفة الوحيد . و إذا كان لنا أن نخالف الأستاذ في شيء , فإنا نرى أن أدب الزمن القديم ظلََّ و سيظلّ تلك التجربة العملية الفكرية التي لم تخرج عن الإطار الذي حُدِّدَ لها في كونها عنصراً شاملاً يستحيل الاستغناء عنه لأيّ حركة حديثة و جديدة , و عليه فإننا لا نغالي إذا قلنا : بفَحْصِ و نَقْدِ تلك الآراء المعاصرة التي يحرص الأدباء على الاستفادة منها لنتحمل بصدق – فيما بعد - مسؤولية التصور الشامل لمواضع الخطأ و الصواب في أدبنا العربي . و لعل هذا - في نظرنا - ما قصده بعض الأدباء و الكتاب و النقاد من خلال إثارتهم لقضية الحداثة التي أصبحت مبرراً كافياً للخروج إلى عالم من التهريج و العبث . و من هذا كله , نذهب مع الأستاذ محمد إقبال حين إشارته إلى الأبعاد الحقيقية لتلك القضية القائمة على:” أنها رؤية مغلوطة تجعل المقدمات نتائج و النتائج مقدمات , و تخلط بين مستويات متباينة ومن ثم فإنَّ كلّ حكم أو تقييم صادر عنها سيكون متأثرا بمعطيات موشوماً بخلطها و غلطها“43.

ومما عرضناه , يتبين لنا أنَّ التجديد مطلوب , و أنه إذا أردنا استبقاء أواصر الودّ بين القديم و الجديد , علينا ألاّ ندعو للانعزال عن الثقافة و الآداب العالمية ,بل نتواصل معها لاحتضان تجارب جديدة و تصيد مقاييس أدبية و نقدية ذات بال و قيمة , و ألاَّ يتخلف الأديب و المثقف العربيين عن عصرهما , بأن يخلقا بينهما و بين واقعهما حجاباً كثيفاً , فإن معنى ذلك جمودهـما و انعدام قدرتهما على التأثير . و لعل هذا الموقف نفسه الذي يتبوَّأُهُ الأستاذ محمد العشماوي بقوله : ” أن تراثنا العربي القديم سيظلّ يشغل الباحثين المحققين فترة طويلة , ذلك أن قدراً كبيراً من هذا التراث ما يزال بحاجة إلى أنْ تتضافر من أجله الجهود لتخليصه من التحريف و التصحيف, و تنظيمه تنظيماً يضمن سلامته من العبث و الفوضى , و يوفر الثقة للباحث و ينأى به عن الريبة و الشك “44.


إذن , فالتزامنا جليّ في الوحدة الجامعة بين القديم و الحديث الذي يعكف – كما يقول العشماوي - على غايتين : ” إحداهما إحياء القديم و إثراؤه و ثانيهما توضيح الحاضر و توجيهه “45.
وعلى هذا الأساس من الوسطية و الاعتدال بين الموقفين , نسوق آراء ارتبطت بمحاولات رشيدة , أخرجت الأدب العربي القديم من سجن القوافي الملتزمة و الجمل البيانية المسجوعة التي اتسم بها ردحاً من الزمن . و أولها موقف طه حسين الذي يحدد لنا خصائص تلك المسألة بقوله : ” بأن القصد أساس الخير في كل شيء و لسنا أبناء القرن الخامس للهجـرة , بيننا و بين الماضي أسباب متصلة و بيننا و بين المستقبل أسباب ستتصل , فما لنا لا نحتفظ بالمكانة التي وضعتنا فيها الطبيعة , فلا نسرف في التقدم , و لا نسرف في التأخر ؟ لا أمقت القديم و آنف من الحديث , و إنما أرى أني وسط بين القديم و الحديث , و أرى أنَّ لغتي يجب أن تكون مرآة لنفسي. و لن تكون لغتي مرآة صادقة لنفسي إذا كانت قديمة جداًّ أو حديثة جداًّ,وإنما هي مرآة صادقة لنفسي إذا كانت مثلي وسطاً بين القديم و الحديث “46. ثم لا ينأى هذا الرأي عن نظرة عباس محمود العقاد للموروث , حين يرى أن التجديد ليس هو إنكار فضل العرب أو تعمد الخروج على الأساليب العربية , و لكنه هو إنكار أوهام الذين يحصرون الفضل كله في العرب , دون أمم المشرق و المغرب من سابقين و لاحقين , ... و ليس التجديد أن نضرب عن العرب , لنقلد الإفرنج , و ننظم كما ينظمون , و ننقد كما ينقدون , لأنَّ الإفرنج يخطئون في فهم الأدب كما يخطئ الشرقيون , و يأبون على طائفة منهم أنْ تقلد الآخرين47. أما محمود تيمور , فلا يخرج على نطاق رؤى سابقيه , بل يخلص إلى أننا : ” في حاجة إلى مجددين يشقون في الحياة آفاقاً مجهولة , و يبشرون في المجتمع بقيم لم يكن مألوفة , فتلك سنة التطور و التقدم , و ليس من سنة الوجود مناص , و لكننا في حاجة كذلك إلى من يدعم حياتنا الحاضرة بتقاليدها الموروثة , ريثما تقوم بإزائها حياة جديدة مأمولة , فالهدم قبل البناء شطط , و البناء على الخواء لا يقوم “48.


و قد ساير الاتجاه ذاته , نقاد و دارسون آخرون اتجهوا في تعليل زوايا القضية , و تعليل ما رأوا فيها من منطق و موضوعية , بدءً بالأستاذ فؤاد مرعي الذي انتهى إلى : ” أنَّ الكُتَّاب المجددين هم أولئك الذين يؤصلون أفضل تقاليد الماضي و يقدمون إلى جانب ذلك , كلمتهم الجديدة الخاصة بهم . إنَّ التجديد في الأدب يشبه ما يحدث في الفكر العلمي حيث يتمّ تملك خبرة الماضي تملكاً إنتقادياً ثم يجري تكميلها و إغناؤها و تغييرها و الارتقاء بها إلى مستوى أعلى “49.


ثم أوسع الأستاذ فتحي أحمد عامر هذه النظرة التي عَدَّهَا أساس تغير عملية التذوق الأدبي , و على أنها لم تكن إلاَّ خيراً و بركةً على الأدب في توجيهه وجهة سديدة , إذْ أنها أفادت المحافظين و المجددين معاً , و انتهت إلى شيء من الاعتدال و التصالح و التوفيق , و في ذلك يقول : ” و ليس من التطور المحمود أن يخرج بعض الدارسين على الموروث من التقاليد الأدبية و النقدية جملةً و تفصيلاً , فذلكم ضربٌ من الخطل في الرأي , و التهور الأحمق الذي لا يليق بجلال الماضي الأدبي و التاريخي , و ليس من المعقول أو المقبول أن يظلّ بعض الباحثين سجناء الماضي , يرفضون ما عداه , و لكن المنطقي الذي يرتضيه العقل الباحث ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً هو أنْ نحترم التقاليد و الموروثات الأدبية عند كل الشعوب و الأمم , ثم يضاف إلى هذه الموروثات ما يجد للعقل الباحث المستنير , و ما تتطلبه تجارب العصور المختلفة من ألوان التعبير , و مختلف فنون القول “50. في حين يذهب الأستاذ أحمد سليمان الأحمد إلى توجه يريد من خلاله التأكيد على حتمية وَصْل الماضي بالحاضر , أو توفير التعادلية الأدبية , فلا روح المحافظة يُسْتَغنى عنها , و لا شروط النهضة يُسْتَهان بها , بل نترك مَجْرَى أدب العروبة الموروث لا ينقطع مع الإبقاء على مقومات حياتنا المعاصرة , و ثمة يستبين لنا ما سموه بتجديد " المحافظين " : ” نحـن إذن أعـداء الانفصال عن القديم بمعناه الخيّـر . إننا بالأحرى مؤمنون بأنَّ هناك استمراراً في التطور – الكمي و الكيفي – لا تنفصم عُرَاه , و لا يقف عند حدّ مرسوم له . إنه تطور يواكب الحياة , و ما دام أحدهما موجوداً فالآخر موجود “51.


و يتجانس مع كل هذا التوجه , ما أجمله الرافعي في كتبه , إذْ ما كان يعنيه في وسط هذه المعركة الأدبية و الفكرية سوى نصاب اللغة العربية فيها , بصفتها كائنٌ حيّ تامّ التطور , لا يصل الحدّ إلى هدمه . و ما عدا ذلك , من وجوه التجديد فأهلاً به على أيّ نحو يكون . و يكفي لتقرير ذلك أن تقرأ قوله – رحمه الله : ” و أنا و أمثالي إنما نحرص أشدّ الحرص على هذه اللغة لأنها أساس الأمة الإسلامية فلا نرضى إِلاَّ أنْ يكون هذا الأساس ثابتاً متيناً لا يزعزعه شيء و لا يثلمه شيء و لا يضعفه شيء “52. و لعل حول هذا المعنى يتمحور قول محمد محمد حسين محذّراً من كمائن دعوة التطور اللغوي , و التي حصرها في : ” تنشئة جيل جديد من بناء العرب لا يستطيع أن يتذوق أساليب البيان العربي و موضوعاته .و إذا نَفَرَ الشباب من شعر المتنبي و أبي تمام, بل من أسلوب القرآن , و انصرف عنه ثم عجز عن تذوقه و فهمه , فقد حكمنا على تراث الأدب العربي بالكساد ثم بالموت , و قد انقطعت صلة الأجيال المقبلة من أبناء العرب بقديمهـم . و إذا انقطعت صلتنا بقديمنا أمكن أنْ نُقَادَ إلى حيث يراد بنا و إلى حيث لا تجمعنا بعد ذلك جامعة تجعل مناَّ قوة تُخِيفُ الكائدين و تَأْبَى على الطامعين “53.

و يعمق الأستاذ محمد زرمان الرؤية نفسها , بعد أنْ تبينت له حقيقة أنَّ الكاتب في العربية يكتب دون مراعاة لمقتضيات الفصاحة , و متطلبات البلاغة , مما يشكل خطراً كبيراً على مستقبل الأجيال في ارتباطها بالتراث العربي , ديناً و أدباً و لغةً . و خلص إلى أنَّ هذا السبيل ينتهي إلى حفر هوّة عميقة بين الأدب و الأسلوب القرآني باعتباره من أرقى أساليب العربية54.

و بعد هذا كله , فالصراع حول لغة الأدب بين أشياع القديم و في طليعتهم مصطفى صادق الرافعي و مصطفى لطفي المنفلوطي و شكيب أرسلان , و بين أتباع التجديد من أمثال طه حسين و سلامه موسى و العقاد , إنما نخلص إلى نقطة تلاقي واحدة بين رواد المذهبين ألا و هي: محاولة تطويع اللغة العربية لمجاراة الحياة و مقتضيات العصر, و إنْ كان الأول – على قول ضيف الله - : ”يجهد نفسه و يتعهد ألفاظه بالصقل و التهذيب,فإنَّ الثاني يهتم بالمعاني أكثر من اهتمامه باللفظ “55. و تبقى مسحة النموّ و الخلود سياجاً يحدّ اللغة العربية قيماً و مُثًلاً , تنبئ بالمنهج الموسوم و التوجه الثقافي المطلوب الاحتذاء به , و هو ما يعبر عنه خليل مطران بقوله :

لِلضَّادِ عَصْرٌ بِالنُّشُورِ مُبَشِّرٌ ... إِنْ تَتَّحِدْ شَتَّى القُوَى وَ تُنَظَّمِ 56 .


و بعد هذا , فإننا مهما عرضنا من جهود الدارسين و الكتاب حول هذه المسألة , إلاَّ أنَّ الباب لن يوصد في أوجه الباحثين و المتتبعين لها , لأنَّ معارف الناس و مداركهم في تطور مستمر, و ما نرجوه هو أنْ يكون مبحثنا هذا قد أسهم موفقاً في الكشف عن بعض خفايا هذا الموضوع , التي تبقى انطلاقتها من بعثٍ واعٍ لتراث الأقدمين قبل وضع بذور التجديد , و ذلك حتى تبقى الوسطية بين التوجهين هي المنزلة الفضلى في الاحتذاء المطلوب . و هذا ما يجمله فتحي أحمد عامر في قوله : ” تلكم هي الطريقة التي نؤمن بها , و نرتضيها في دراستنا الأدبية و النقدية, لابد من النظر الطويل المتأني الرزين إلى ماضينا , نَعُبُّ من زِلاَلِه الصافي, و نروي ظمأنا, لأنه نبض حيوي في جسم الإنسانية , شارك في بنائها و تحضرها فترة طويلة من الزمان , فكيف لا نُيَمِّمُ وجوهنا شطره , نتروَّد منه , و ننْعَم بخير ما فيه. ومن جهة ثانية نتطلع إلى مستقبلنا , فنطلع على خير الثمار النقدية و الأدبية في عيون الآداب الأجنبية , فنغذي حاضرنا, ونعدّه إعداداً علمياً و أدبياً بطريقة منهجية لاكتشاف مستقبلنا , و التأثير في غدنا “ 57.


هذه نظرات سريعة في موقف الرافعي من مسألة القديم و الجديد التي تحتاج إلى وقفات متأنية، حتى يتضح من خلالها مدى ما يرمي إليه الرافعي ، و مدى ما وَفَّق فيه ، أو أخفق . لكن الرافعي بمواقفه و أفكاره باقٍ على الأيام ما بقي للأدب ذكر ومقام , و ما بقي في الأدباء من يرفعون رايته وينهلون من وحيه . و هو باقِ أيضا لأنه كان كاتبا غيورا على لغته ، غيورا على دينه ، غيورا على عروبته، ومن يُؤْتَى هذه المزايا جدير بأن يُعَدَّ من الصفوة الذين يُحْتَفَى بهم ، و يعطون حقهم من التكريم و الإكب
الإحالات
1. محمد محمد حسين , الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي – بيروت- دار النهضة العربية – ط3- 1392ه/1972م - ج2 – ص 289.
2.
2. ينظر : عز الدين الأمين , نشأة النقد الأدبي الحديث في مصر– القاهرة – دار المعارف– ط2– 1390ه/ 1970م – ص 122 .


3. الرافعي , تحت راية القرآن – القاهرة – مطبعة الاستقامة – ط4– 1376ه/1956م – مقال " ما وراء الأكمة " – ص 33 و 34 .


4. ينظر : محمد محمد حسين , الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر – ج2 – ص 275 .


5. مصطفى لطفي المنفلوطي , النظرات – بيروت – دار الثقافة – ب.ط – ب.ت – ج1 – ص 14 .


6. حافظ إبراهيم , الديوان – بيروت – دار العودة – ب.ط – 1937م.– ج1 – ص 254 و 255 .


7. خليل مطران , الديوان – بيروت – دار مارون عبود – ب.ط – 1977م – ج3 – ص 218 .


8. محمد محمد حسين , الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر – ج2 – ص 273 .


9. الرافعي , تحت راية القرآن – ص 29 .


الكنس : كَسْحُ القمام عن وجه الأرض . **الرَّش : رَشُّكَ البيت بالماء . ينظر: ابن منظور , لسان العرب– بيروت - دارصادر–ب.ط–


1374/1412ه– 1955م/1992م– مادة :كَنَسَ– مج 6– ص197/ مادة :رَشَشَ– ص 303


10. المصدر نفسه – ص 55 .


11. المصدر نفسه – ص 56 .


12. ينظر : الرافعي , وحي القلم – بيروت – دار الكتاب العربي – ب.ط – ب.ت – ج 3 – ص 257 .


13. محمود أبو رية , من رسائل الرافعي– القاهرة – دار المعارف – ط2 – 1969م – ص 302 .


14. مصطفى الشكعه , مصطفى صادق الرافعي كاتباً عربياً و مفكراً إسلامياً – بيروت– عالم الكتب– ط 3 – 1983.– ص 5 .


15. طه حسين , حافظ و شوقي– بيروت – دار الكتاب اللبناني– ط1– 1974م – ص 366 و 367 .


16. جودت فخر الدين , شكل القصيدة العربية – بيروت – دار الآداب – ط1– 1989م – ص 173 .


17. الرافعي , تحت راية القرآن – ص 9 .


18. الرافعي , السحاب الأحمر – بيروت – دار الكتاب العربي – ط 8 – 1402 ه/ 1982 م – ص 16 .


19. الرافعي , المصدر السابق – ص 10 .


20. المصدر نفسه – ص 11 .


21. جودت فخر الدين , شكل القصيدة العربية – ص 78 .


22. رولان بارت,درجة الصفر للكتابة – ترجمة محمد برادة – الدار البيضاء – الشركة المغربية للناشرين المتحدين– ط3 - 1985م – ص 33


23. أحمد كمال زكي , دراسات في النقد الأدبي – بيروت – دار الأندلس– ط2 – 1980م – ص 19 .


24. الرافعي , تحت راية القرآن – ص 75.


25. شوقي ضيف , الأدب العربي المعاصر في مصر – ص 247.


26. طه حسين , حديث الأربعاء – بيروت – دار الكتاب اللبناني – ط1 – 1974م – ص 574 .


27. ينظر : بدوي طبانه , من قضايا النقد الأدبي– الرياض– دار المريخ للنشر– ب.ط– 1404ه/1984م– ص 105.


28. فتحي أحمد عامر, من قضايا التراث العربي – النقد و الناقد– الإسكندرية – منشأة المعارف– ب. ط– 1405 ه/ 1985 م – ص 323


29. أحمد كمال نشأت , النقد الأدبي الحديث في مصر – ب.ط – 1983– ص 77.


30. الرافعي , تحت راية القرآن – ص 12 .


31. ينظر : المصدر نفسه – ص 205 ( الحاشية ) .


32. المصدر نفسه – ص 13 و 14 .


33. الرافعي , على السفود – القاهرة – دار العصور – ب.ط – 1348ه/1930م – ص 14 و 15 .


34. المصدر السابق – ص 15 و 16 .


35. الرافعي , وحي القلم – ج3 – ص 206 .


36. المصدر نفسه – ص 225 .


37. المصدر نفسه – ص 355 .


38. أبو القاسم سعد الله , محمد العيد آل خليفة – ليبيا – الدار العربية للكتاب – ط3 – 1984 م – ص 8 .


39. شوقي ضيف , في النقد الأدبي – القاهرة – دار المعارف – ط6 – 1981 م – ص 118 .


40. عز الدين إسماعيل , الأدب و فنونه – القاهرة – دار الفكر العربي – ط7 – 1978 م – ص 86 .


41. المرجع نفسه – ص 13 .


42. المرجع نفسه – ص 13


43. محمد إقبال , جمالية الأدب الإسلامي – الدار البيضاء – المكتبة السلفية – ط1 – 1978 م – ص 80 .


44. محمد زكي العشماوي , الرؤية المعاصرة في الأدب و النقد– بيروت – دار النهضة العربية –ب.ط–1983م–ص49


45. المرجع نفسه – ص 140 .


46. طه حسين , حديث الأربعاء – ص 592 .


47. ينظر : عباس محمود العقاد , ساعات بين الكتب – بيروت – منشورات المكتبة العصرية – ب.ط– ب.ت– ص 94


48. محمود تيمور , اتجاهات الأدب العربي – القاهرة – المطبعة النموذجية – ب.ط – 1970 م – ص 143 .


49. فؤاد مرعي , مقدمة في علم الأدب – بيروت – دار الحداثة – ط1 – 1981 م – ص 56 و 57 .


50. فنحي أحمد عامر , من قضايا التراث العربي : الشعر و الشاعر – ص 221


51. أحمد سليمان أحمد , الشعر الحديث بين التقليد و التجديد– ليبيا– الدار العربية للكتاب– ب.ط– 1983م– ص84


52. الرافعي , وحي القلم – ج3 – ص 310 .


53. محمد محمد حسين , الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر – ج 2 – ص 273 .


54. ينظر : محمد زرمان , المقال في أدب الرافعي – باتنة – المعهد الوطني للتعليم العالي– 1407ه/1987م.– ص 203 و 204 .


55. ضيف الله , نثر مصطفى صادق الرافعي– الجزائر– دار و مكتبة الشركة الجزائرية للتأليف و الترجمة و الطباعة و التوزيع و النشر – ط 1 - 1388ه / 1968 م – ص 293 .


56. خليل مطران , الديوان – ج3 – ص 152 .


57. فتحي أحمد عامر , من قضايا التراث العربي : النقد و الناقد – ص 324 .
ناشر الموضوع : الرافعي
د.بغداد عبد الرحمن
جامعة تلمسان / الجزائر
abderrahmane-beghdad@hotmail.com