الثلاثاء، 10 مايو 2011

حقوق الإنسان


إن عبارة حقوق الإنسان التي أصبحت ترد في كثير من الكتابات، وتتردد في الخطابات والمنتديات، تتعلق بمجالات واسعة ليس من السهولة الإحاطة بها، وتحديد كل مضامينها، وهي مزيج من تعاليم الديانات السماوية، والتراكم الثقافي الذي أنتجه الفكر الإنساني عبر مراحل وأحقاب زمنية طويلة، قبل أن تتولى منظمة الأمم المتحدة تقنينها واعتمادها كإعلانات ومواثيق دولية، بدءا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دجنبر 1948.

والاهتمام بحقوق الإنسان بالمغرب وفق المعايير التي تحددها المواثيق الدولية، ليس وليد الثمانينات من القرن العشرين كما يزعم البعض، وإنما ترجع بذوره الأولى إلى مرحلة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال، وقد تأسست أول عصبة لحقوق الإنسان بمدينة تطوان، على يد أحد القادة الأوائل للحركة الوطنية بشمال المغرب وهو الحاج عبد السلام بنونة، وذلك سنة 1933، وبعد الاستقلال ارتبط الاهتمام بحقوق الإنسان بالنضال من أجل الدستور والديمقراطية، وبدأ هذا الاهتمام يتخذ مجراه المستقل عن النضال السياسي الديمقراطي، من خلال بعض الأنشطة الخاصة لهيئات المحامين، قبل ظهور مجتمع مدني متخصص مع تأسيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1972، وتأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979، والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان سنة 1988، وعرفت تلك المرحلة نشاطا متميزا لحركة الدفاع عن حقوق الإنسان، توج بإصدار الميثاق الوطني لحقوق الإنسان من طرف خمس جمعيات حقوقية سنة 1990، وتوالى فيما بعد تأسيس العديد من الجمعيات التي تهتم بحقوق الإنسان في شموليتها أو تختص بجوانب معينة منها، في إطار التوسع والديناميكية التي عرفها المجتمع المدني ابتداء من العقد الأخير من القرن العشرين.

وكان طبيعيا أن يتزايد الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان ببلادنا في أواخر الثمانينات بعد انهيار أنظمة الحزب الوحيد في أوربا الشرقية، وانعكاسات ذلك على كثير من البلدان العربية والإفريقية، حيث بدأ يتغير مضمون الخطاب الأيديولوجي بالتخلي عن المفاهيم المرتبطة بالمدرسة الماركسية، والتوجه نحو الثقافة الديمقراطية التي تقول بالتعددية الحزبية، وضمان الحريات الفردية والجماعية، وإقرار حق الجميع في المشاركة في الحياة السياسية وفي تدبير الشأن العام، والحق في الاختلاف مع الآخذين بزمام الأمور، وانتقاد سياساتهم وممارساتهم.

وعرفت سياسة تغييب الرأي المخالف للسلطة، وتهميش القوات الحية إفلاسا كبيرا من الناحية النظرية على الأقل، وأصبحت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تشكل مرجعية أخلاقية وسياسية معترف بها من طرف الدول والمنظمات القطرية والإقليمية والدولية، وتبوأ موضوع حقوق الإنسان موقع الصدارة في العلاقات الدولية، وأصبح معيارا للتعامل بين الدول، وذريعة تتخذها مجموعة الشمال لفرض الشروط في التعامل، وفي تقديم المساعدات لبلدان الجنوب، مستغلة ما تعانيه هذه الأخيرة من ضعف، أو غياب لضمانات حقوق الإنسان في أنماط أنظمتها، وتشريعاتها، وممارسة السلطة بها.

وكان من الطبيعي أن تؤدي التطورات المذكورة إلى تنامي الوعي لدى الشعوب بالقيم الأصيلة لحقوق الإنسان، وإدراك دورها في فرض احترام الكرامة البشرية، وحمايتها من أي اعتداء أو ممارسات مشينة، وأن تتنامى قناعة الشعوب بكون القيود على الحريات الفردية والجماعية، والتضييق على الطاقات الفكرية، والقدرات الإبداعية للإنسان، والانتهاكات التي تمس حقوقه الطبيعية، وتخدش كرامته الإنسانية، تشكل العرقلة الأساسية نحو تحقيق النمو الاقتصادي، والتقدم الاجتماعي، والتطور الحضاري.

وفي محاولة للتأقلم مع هذه التطورات الهامة، أصبحت عبارات الحقوق والحريات الأساسية،والكرامة الإنسانية والتعددية الحزبية،ودولة الحق والقانون،والديمقراطية...أدوات لتزيين الخطاب السياسي الرسمي في كثير من بلدان العالم الثالث، التي تتمسك في العمق بالرأي الواحد، ومظاهر الحكم المطلق، إما بكيفية مباشرة لغياب التعددية السياسية، وانعدام التمثيلية الديمقراطية، أو بكيفية غير مباشرة عن طريق تعددية شكلية مصنوعة، وديمقراطية مزيفة.



وفي المغرب، لوحظ أنه بعد تصاعد حدة الانتقادات الموجهة للمسؤولين، من طرف المنظمات المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان، على الصعيدين الوطني والدولي، وأمام الحملة الشديدة اللهجة التي نظمتها ضد حكومة المغرب في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، عدة هيئات دولية لحقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية، والفدرالية العالمية لحقوق الإنسان، وكذا بعض المؤسسات الرسمية في الدول الغربية، مثل التقارير التي تعدها وزارة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، كل ذلك جعل المسؤولين الحكوميين في بلادنا يضطرون للبحث عن المنهجية المناسبة لمواجهة الحملة الخارجية على الخصوص.

ومن المؤكد أن بعض الانتقادات الخارجية لم تكن بريئة، وكانت تتخذ من انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب ذريعة لقيامها بالفضح السياسي للحكم الذي كان سائدا في بلادنا، والذي تميز بما أصبح يعرف فيما بعد، " بسنوات الجمر والرصاص"، أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتحت ضغط تلك الانتقادات، ومن أجل تحسين صورة المغرب في المحافل الدولية، تم تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990،(1) وأحدثت وزارة مكلفة بحقوق الإنسان سنة 1993، وتم التصديق على العديد من المواثيق الدولية، وبدأت الحكومة تهتم بالتقارير التي تتدارسها اللجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، وصدر العفو الشامل عن عدد هام من المعتقلين السياسيين، كما وقع الاعتراف بوجود المعتقلات السرية مثل تازمامرت، وقلعة مكونة، وأكدز، ودرب مولاي الشريف، والكوربيس، بعد أن كان المسؤولون ينفون وجودها، وتقرر التعويض عن الاعتقال التعسفي بتلك المعتقلات الرهيبة، وتأسست لهذه الغاية لجنة التحكيم المستقلة، والتي حلت محلها بعد إعادة تنظيم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، هيئة الإنصاف والمصالحة؛ وفي نفس السياق، اتسع مجال ممارسة الحريات، ووقع انفتاح الحكم على المعارضة، وأدى ذلك إلى تأسيس ما عرف بحكومة (التناوب التوافقي) سنة 1998.




المقصود بحقوق الإنسان:

لقد تجنب واضعو نصوص مختلف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تحديد تعريف لهذه الحقوق، باعتبار أن الإعلانات والعهود تحدد المبادئ والأحكام العامة وتترك مسألة التعاريف وتحليل المضامين ودراسة الأهداف للباحثين وفقهاء القانون.

وكلمة ( الحق ) كثيرة التردد في اللغة المألوفة بين الناس، فيقال مثلا من حقه أن يفعل شيئا معينا، أو أن له الحق في التعبير عن رأيه، أو له حق ملكية عقار أو منقول، أو له الحق في أجر عن عمل قام به...

ويبدو أن فقهاء الشريعة الإسلامية، لم يهتموا بوضع تعريف للحق بمعناه العام في ضوء الأحكام الشرعية، ويرجح البعض أن السبب في ذلك يرجع لوضوح المعنى اللغوي لكلمة (حق)، ونقل ابن نجيم المصري الحنفي تعريفا لحق الملكية عن أحد الفقهاء بأنه "اختصاص حاجز" ويبين هذا التعريف أهم ميزة للحق بمعناه العام لأن " الاختصاص هو جوهر كل حق، وهو عبارة عن علاقة أو رابطة بين شخص وآخر تمنح صاحبها استئثارا على موضوعها(2) .

ولا يمكن أن نغفل بالنسبة للشريعة الإسلامية، أن (الحق) هو أحد أسماء الله الحسنى، الذي يجسد المفهوم المطلق والشامل للحق بالمعنى اللغوي، وقد يكون ذلك من بين الأسباب التي جعلت فقهاء الشريعة يعزفون عن وضع تعريف محدد للحق.

وجاء في "لسان العرب" لابن منظور أنه لا يوجد اختلاف كبير بين الدلالات المعجمية والمعاني المتداولة لمفهوم الحق، ويلتقي أحد المعاني المعجمية العربية لمفهوم الحق مع التمثل المعجمي الفرنسي الأساسي، حيث يفيد الحق (Le Droit) ما هو مستقيم ولا اعوجاج فيه، ويتسع هذا المفهوم في الاصطلاح الفرنسي ليكتسي أبعادا قانونية وأخلاقية، إذ يفيد تارة ما يقوم على برهان منطقي سليم، ويعني تارة أخرى ما يقوم على قاعدة أخلاقية أو قانونية..

وفي عصر الأنوار أصبح مفهوم الحق يعبر عن قيمة إنسانية، على أساسها تنبني كرامة الإنسان، وتنوع بعد ذلك تداول هذا المفهوم في جميع مناحي الحياة الإنسانية، وارتبط بمفاهيم فلسفية، كالعدالة والحرية والواجب... أي بالقيم التي بموجبها يمكن أن تتفاعل وتتحقق إنسانية الإنسان.

ويختلف فقهاء القانون في تعريـف الحق، فيعرفه عبد الرزاق السنهوري بأنـه «مصلحة ذات قيمة مالية يحميها القانون »(3)، وعرفه عبد الفتاح عبد الباقي بأنه« سلطة يقررها القانون لشخص يستطيع بمقتضاها أن يجري عملا، أو يلزم آخر بأدائه لمصلحة مشروعة »(4)، وعرفه جميل الشرقاوي بأنه « قدرة الشخص على أن يقوم بعمل معين، يمنحها القانون ويحميها تحقيقا لمصلحة يقرها»(5)، وعرفه محمد سامي مذكور بأنه «سلطة يقررها القانون لشخص معين، بمقتضاها يكون لهذا الشخص ميزة القيام بعمل معين»(6)، وعرفه الفقيه البلجيكي( دابان ) بأنه « ميزة يخولها القانون للشخص ويضمنها بوسائله، يتصرف بمقتضاها في مال يؤول إليه، باعتباره مملوكا أو مستحقا له»(7)، وفي المعاجم القانونية المتخصصة، يعرف الحق على وجه العموم بأنه ما قام على العدالة أو الإنصاف وأحكام القانون ومبادئ الأخلاق(8).

غير أن كل هذه التعريفات لا تخرج عن مفهوم الحق في القانون الخاص، وقد أورد سعيد محمد مجدوب تعريفا أوسع للحقوق حيث وصفها بأنها« مجموعة الحقوق الطبيعية التي يمتلكها الإنسان، واللصيقة بطبيعته، والتي تظل موجودة وإن لم يتم الاعتراف بها، بل أكثر من ذلك حتى ولو انتهكت من قبل سلطة ما »(9).وإذا كان هذا التعريف يتجاوز المفهوم الخاص للحق، فإنه يبقى محصورا في المدلول المستقى من القانون الطبيعي.

ومن التعاريف التي انصبت على حقوق الإنسان وما يتصل بها من حريات أساسية نذكر التعريف الذي وضعه (René Cassin) الحائز على جائزة نوبل للسلام سنة 1960، والذي يقول أن«علم حقوق الإنسان يمكن تعريفه كفرع خاص من فروع العلوم الاجتماعية، موضوعه هو دراسة العلاقات القائمة بين الأشخاص وفق الكرامة الإنسانية، مع تحديد الحقوق والخيارات الضرورية لتفتح شخصية كل كائن إنساني »(9)، وهناك تعريف أورده (Karel VASAK) جاء فيه أن « حقوق الإنسان علم يتعلق بالشخص، ولا سيما الإنسان العامل، الذي يعيش في ظل دولة، ويجب أن يستفيد من حماية القانون عند اتهامه، أو عندما يكون ضحية للانتهاك، عن طريق تدخل القاضي الوطني والمنظمات الدولية، كما ينبغي أن تكون حقوقه، ولاسيما الحق في المساواة، متناسقة مع مقتضيات النظام العام»(11)،

ومن التعاريف الأكثر استيعابا لمفهوم حقوق الإنسان يقول (Yves MADIOT): « موضوع حقوق الإنسان هو دراسة الحقوق الشخصية المعترف بها وطنيا ودوليا، والتي في ظل حضارة معينة تضمن الجمع بين تأكيد الكرامة الإنسانية وحمايتها من جهة، والمحافظة على النظام العام من جهة أخرى»(12)، ويقول أحمد الرشيدي أن « التعامل مع اصطلاح حقوق الإنسان والحريات الأساسية، يشير بصفة عامة إلى مجموعة الاحتياجات أو المطالب التي يلزم توافرها بالنسبة إلى عموم الأشخاص، دون أي تمييز بينهم لاعتبارات الجنس، أوالنوع، أو اللون، أو العقيدة السياسية، أو الأصل الوطني، أو لأي اعتبار آخر»(13).

ونحن نميل إلى اعتماد تعريف أكثر شمولية، وهو التعريف الذي وضعناه في كتابنا (حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق) الصادر سنة 1986 وهو أن اصطلاح حقوق الإنسان، يعني حرية الأشخاص على قدم المساواة، ودون أي تمييز بينهم لأي اعتبار، في التمتع بالمزايا التي تخولها لهم الطبيعة الإنسانية، وتقرها مبادئ العدالة، وفي تلبية حاجاتهم المختلفة، بما يتلاءم مع ظروف كل عصر، ولا يضر بحقوق الآخرين، والقانون هو الذي يبين الحدود الفاصلة بين حقوق الفرد وحقوق الآخرين سواء كانوا أفرادا أو جماعات.(14)

وتجدر الإشارة إلى أن منظمة الأمم المتحدة، درجت على وصف حقوق الإنسان باعتبارها تلك الحقوق المتأصلة في طبيعتنا البشرية، والتي بدونها يستحيل علينا أن نحيا كبشر(15).



حقوق الإنسان نابعة من طبيعة الكائن البشري:

وانطلاقا من المفهوم المتعارف عليه دوليا لحقوق الإنسان، فإن هذه الحقوق لاتنبع من سلطة تجود بها على الناس، أو تتوقف على الاعتراف بها من طرف الفئات الحاكمة، أو تضمينها في مواثيق دولية، أو في قوانين وطنية، وليست مجرد فلسفة، أو مطالب سياسية واجتماعية، أو تمنيات وآمال يحلم بها الإنسان، وإنما هي نابعة من صميم طبيعة الكائن البشري، ولصيقة بكيانه، بل إنها جوهر الوجود الإنساني، وليست المواثيق الدولية، والقوانين الوطنية إلا تعبيرا عن هذه الحقوق، وأداة لتنظيم التمتع الفعلي بها من طرف الجميع، وعلى قدم المساواة، ووسيلة لحمايتها من العبث والانتهاك، من طرف أي جهة كانت.

والحق في الشيء هو حرية ممارسته، وبالتالي فإن الحق متلازم مع الحرية، بل هو مرادف لها، فحق التعبير هو حرية التعبير، وحينما يقيد أو يسلب من الإنسان هذا الحق، تكون حريته في التعبير قد انتهكت(16).




الطابع الكوني لحقوق الإنسان:

وتتميز حقوق الإنسان بطابعها الكوني ، فهي ليست شأنا محليا، ولا تتقيد بالحدود السياسية للدول، أو المناطق الجغرافية للعالم، لأنها لا تتغير في أصولها ومبادئها، ولا في أنواعها ومجالاتها، بتغير البلدان أو القارات، وإنما ترتبط بطبيعة الكائن البشري أينما وجد، بل إن الاعتداء على حقوق الإنسان في بلد ما، أو في مناطق معينة من العالم لا يقتصر تأثيره السلبي على استقرار واطمئنان ذلك البلد، أو تلك المنطقة فقط، وإنما يعكر صفاء الحياة البشرية في جهات أخرى من أنحاء المعمور، ويمكن أن يشعل فتيل التوتر الذي قد يشتعل في العالم أجمع، وقد أظهرت الحرب العالمية الثانية، العلاقة الوثيقة بين المسلك العنيف لحكومة دولة معينة تجاه مواطنيها، والعدوان ضد الدول الأخرى، وأكدت أن احترام حقوق الإنسان من العوامل الأساسية للمحافظة على السلم والأمن الدوليين(17).




حقوق الإنسان كل لا يتجزأ:

وتتميز حقوق الإنسان بطابع الكلية، بحيث لا يمكن الفصل بينها أو تجزئتها، وما درج عليه الباحثون من تقسيمها إلى مجموعات تمثل ثلاثة أجيال، هو مجرد عمل أكاديمي لا يعني الفصل بين تلك المجموعات التي تبقى في مجملها مترابطة ولا تقبل التجزئة.

ويشكل كل من الجيل الأول والثاني، المجموعتين الرئيسيتين في منظومة حقوق الإنسان، وسنبين الارتباط الوثيق بينهما من خلال عرض أمثلة عن كل مجموعة منهما قبل أن نعرض للجيل الثالث الذي يتعلق ببعض الجزئيات التي فرضت ظروف الحياة المعاصرة أن تحظى باهتمام خاص.

ومما يندرج ضمن الحقوق المدنية والسياسية، أو ما يعرف بالجيل الأول نذكر على سبيل المثال: الحق في الحياة، والحق في السلامة الشخصية، والحق في المعاملة الإنسانية، والحماية من التعذيب، ومن الممارسات المُهينة، أوالحاطة بالكرامة، ومن الاعتقال التحكمي، والاحتجاز التعسفي، والحق في الشخصية القانونية، وحرية التنقل، والحق في مغادرة التراب الوطني والعودة إليه بحرية، والحق في المحاكمة العادلة في حالة المتابعة القضائية، والحق في عدم التدخل في خصوصيات الشخص، والحق في اعتناق آراء وأفكار خاصة والتعبير عنها، والحق في ممارسة الشعائر الدينية، والحق في الاختلاف مع السلطات الحاكمة وانتقادها بحرية، والحق في تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، والمنظمات النقابية، وحرية الانخراط فيها، وحرية التعبير والصحافة، وحق المشاركة في التجمعات السلمية، وحق المساهمة في تدبير الشأن العام، وحرية التصويت في الاستفتاءات والانتخابات، وعدم التمييز في التمتع بالحقوق والحريات، بسبب الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو الدين، أو الأصل العرقي، أو الوطني، أو الجاه والنفوذ، أو الانتماء السياسي أو النقابي...

أما الجيل الثاني الذي يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنه يشمل على سبيل المثال: الحق في العمل والأجر العادل، والحق في تكوين النقابات والانضمام إليها، وحق الإضراب، والحق في الضمان الاجتماعي، والحق في حماية الأسرة، وضمان النمو الطبيعي للأطفال، وحق هؤلاء في التربية والتعليم، والتنشئة الحسنة، والحماية من الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، وحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والسكن، والحق في التحسين المتواصل لمستوى العيش ، والحق في العلاج من المرض، والتمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية، والحق في متابعة الدراسة، والحق في الثقافة والتمتع بالفنون، وحرية البحث العلمي، والحق في الإعلام وتلقي المعلومات دون قيود، وحق الاستفادة من ثمرات التقدم...

وتصنيف حقوق الإنسان في الوثائق الدولية وفي الدراسات الأكاديمية إلى المجموعتين الرئيسيتين المشار إليهما لا يعني مطلقا أفضلية أو أسبقية مجموعة على أخرى، ولا يقصد منه تجزئة الحقوق والحريات الأساسية، لأنه لا غنى في حياة الإنسان كفرد وكعضو في المجتمع عن الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ذات الوقت، لأن كل واحدة من المجموعتين تشتمل على جوانب معينة في حياة الإنسان، وهي تتكامل في مجملها، وقد تمت الإشارة إلى المجموعتين معا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد في 10 دجنبر 1948 ، وحتى حينما ظهرت كل مجموعة ضمن عهد خاص، فإن كلا من العهد المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقع اعتمادهما في نفس اليوم وهو 16 دجنبر 1966، تأكيدا من المنتظم الدولي لتلازمهما، وعدم إمكانية تعويض إحداهما بالأخرى، أو منح الأسبقية لأي منهما على الأخرى.

وحينما كان العالم ينقسم إلى معسكرين يختلفان بكيفية جوهرية في نظاميهما السياسي والاقتصادي، كان الجدل يثور حول نوع الحقوق الذي يحظى بالأولوية، فيقول البعض أن الحريات الفردية والجماعية، كحرية الفكر والتعبير، وحرية الصحافة، وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات، وحرية النشاط السياسي والنقابي، هي التي تحظى بالأسبقية بالنسبة لحياة الإنسان، في حين كان البعض الآخر يرى أن الحق في التعليم والشغل والسكن اللائق والعلاج هي التي ينبغي أن تحظى بالأولوية، ولو كان ذلك على حساب الحريات الأساسية للجماعات والأفراد.

والواقع أن الاتجاهين معا كانا يجانبان الصواب، حيث يقوم كل منهما على تجزيء حقوق الإنسان، وتفضيل مجموعة منها على مجموعة أخرى، في حين أنها في جملتها تشكل كلا لا يقبل التجزئة، فلا مجال لتأجيل الحريات السياسية مثلا إلى ما بعد تحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي، كما أن الحقوق المدنية والسياسية تبقى عديمة الجدوى إذا لم تكن مقرونة ولو بالحد الأدنى من وسائل ومتطلبات الحياة الكريمة، كالتعليم والشغل والعلاج والسكن اللائق، فلا حرية لجائع، ولا كرامة لمن يعاني من الأمية والبطالة، أو يقيم في ظروف غير إنسانية، ولا حقوق لمريض لا يُؤَمن له العلاج، كما أنه لا يمكن تصور حياة كريمة مع الاستبداد والطغيان، ولا مجال لتحقيق أي تطور في مستوى حياة الإنسان مع مصادرة حرية الفكر والاجتهاد والإبداع.

وإن حرص عدد من الحكام في دول العالم الثالث على احتكار مواقع القرار والنفوذ، وعجزهم عن التوفيق بين إطلاق الحريات، وخلق النظام الملائم لتحقيق التنمية وتوزيع الثروات بكيفية عادلة، أدى إلى ترويج بعض الأفكار التي تنطوي على المغالطة، كالقول بأن حقوق الإنسان ليست سوى رفاهية فكرية ناتجة عن ظروف الحياة في المجتمعات الغربية المتقدمة صناعيا، والتي يتميز اقتصادها بوفرة الإنتاج، وبالتالي فإنه يكفي لمواجهة التخلف أن يوجد (مستبد عادل)، ومثل هذا القول لا يستند على أي أساس علمي أو منطقي، لأن الاستبداد يتناقض في جوهره مع العدل، وتؤكد تجارب الشعوب أن احتكار السلطة من طرف طبقة، أو الحكم الفردي المطلق، من شأنه أن يؤدي إلى الطغيان، والله سبحانه وتعالى يقول:"وإن الإنسان ليطغى"، كما أن الاستئثار بالحكم لا يقوم إلا على انتهاك أحد الحقوق الأساسية للإنسان، وهو حق المشاركة في تدبير الشأن العام، ولا يترك أي مجال للتمتع بالحريات السياسية، وينفي الحق في الاختلاف، مع العلم أن مصادرة هذه الحقوق والحريات، أو تقييدها في البلدان المتخلفة عموما، لم يؤد إلى أي تحسن في مستوى عيش الطبقات الشعبية، ولا إلى تحقيق التنمية، بل على العكس من ذلك، كان من نتائجه بصفة عامة، استحواذ فئات قليلة على مصادر الثروات، وتهميش إرادة الشعوب، وانتهاك حقوق الإنسان بجميع فروعها في تلك البلدان.

ويعد من قبيل المغالطة كذلك، القول بأن الحقوق المدنية والسياسية لا تحتاج لتدخل الدولة لحمايتها، لأنه من الواجبات الموضوعة على عاتق الدولة توفير حماية سلامة المواطنين، وضمان ممارستهم لحرياتهم، وتوفير الآليات الضرورية لاحترام حقوق الإنسان بإنشاء المحاكم، وضمان استقلال القضاء، والسهر على احترام القوانين، وضمان المساواة في تطبيقها.



ومن خلال ما تقدم يمكننا أن نستخلص بأن كل عمل على إقرار حقوق الإنسان، وضمان وسائل حمايتها، لابد وأن يأخذ بعين الاعتبار مبدأ الكلية وعدم القابلية للتجزئة، فلا مجال لتأجيل أو إلغاء أو تجاهل أي صنف أو فرع من الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، لأنها في مجموعها تشكل عناصر الكرامة التي هي صفة أصيلة في الإنسان، والكرامة إما أن تكون كاملة غير منقوصة، أو أنها لا تقوم لها قائمة.

وإذا كانت الحقوق لصيقة بطبيعة الإنسان، وتتجاوب مع حاجاته ومتطلبات حياته، فإنها لابد أن تتطور في جزئياتها بحسب تطور هذه الحاجات والمتطلبات، وبالتالي لا مناص من إغناء مفاهيمها، وتطوير آليات حمايتها، كلما ظهرت تحديات جديدة تهدد الإنسان في كينونته ووجوده، أو في سلامته الشخصية، أو تعوق تطوره ونموه الإنساني والاجتماعي، أو تحول دون تمكنه من المعرفة وتلقي المعلومات، أو تمس كرامته، أو تحد من حرياته، أو تقيد قدرته على الإبداع..

وقد ظهرت خلال السنين الأخيرة دعوات لإقرار حقوق قد يبدو أنها جديدة كالحق في السلم، والحق في البيئة السليمة، والحق في التنمية، وتندرج هذه الحقوق ضمن ما يعرف بالجيل الثالث لحقوق الإنسان، وإذا كان اعتماد المواثيق المتعلقة بهذه الحقوق جاء متأخرا بالنسبة للجيل الأول، حيث أن إعلان الحق في التنمية مثلا لم يعتمد إلا سنة 1986، فإن هذا الحق لا تخلو الإشارة إليه في مواثيق دولية سابقة بكيفية ضمنية، كميثاق الأمم للمتحدة الذي يرجع إلى سنة 1945، وهناك أيضا الإعلان العالمي حول التقدم والتنمية في المجال الاجتماعي الصادر سنة 1969.

وبصفة عامة يمكن القول بأن التطورات التي عرفتها البشرية تطلبت إبراز بعض الجوانب التي كانت مجرد جزئيات عند صدور الجيل الأول والثاني لحقوق الإنسان، والمواثيق التي شملت ما عرف بالجيل الثالث، ليست في الواقع سوى رد فعل على الظروف والمعطيات الجديدة، التي أصبحت تزخر بها الحياة المعاصرة، والتي تهدد حقوق الإنسان المعترف بها ضمن إعلان 10 دجنبر1948، وفي العهدين المتعلقين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فالحق في السلم هو تعبير عن رفض الحروب، وما تخلفه من ضحايا وآلام وخراب، وتمسك بالحق في الحياة، كما أن الحق في البيئة السليمة، يتجاوب مع طبيعة الكائن البشري، الذي يتضرر من التلوث، وتقتضي وقاية صحته البدنية والنفسية العيش في بيئة سليمة، والحق في التنمية يجسد الرغبة في التغلب على مشاكل التخلف، التي تمس كرامة الإنسان، تعوق حقه في التحسين المتواصل لمستوى عيشه، كما تعوق النهوض بحقوق الإنسان بوجه عام.

ومهما تعددت المواثيق الدولية التي تتناول مواضيع حقوق الإنسان في جزئياتها، ومهما تطورت آليات ووسائل الحماية الدولية منها والإقليمية والوطنية، فإن ذلك لا يمس بمبدأ الكلية وعدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة، لأن دراسة التفاصيل، والتعمق في الجزئيات لمواكبة الحاجات الجديدة، لا يمكن أن يؤدي لنفي الارتباط التكاملي بين كل الفروع والأجزاء التي تشكل في مجموعها جوهر حقوق الإنسان.




حماية حقوق الإنسان:

لقد سبق أن أوضحنا أن حقوق الإنسان ترتبط بطبيعة الكائن البشري، الذي خلق حرا ومكرما، والأصل هو أن يتمتع كل إنسان أينما وجد بحقوقه وحرياته الأساسية دون قيود أو حواجز، وأن تتوفر له ظروف الحياة الكريمة، غير أن الصراعات التي عرفتها البشرية منذ القدم، وطغيان الحكام وذوي النفوذ في شتى المناطق من العالم، ونزعة الهيمنة لدى بعض الدول العظمى، والتخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يشمل العديد من الدول، كل ذلك يهدد حقوق الإنسان، ويجعلها عرضة لانتهاكات متعددة الأشكال، الأمر الذي يحتم إيجاد الضمانات الكفيلة باحترام الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وتنقسم هذه الضمانات إلى نوعين: أحدهما يتعلق بالتدابير التي تتخذ على صعيد كل دولة، والنوع الثاني يتمثل في وسائل الحماية الدولية، ومن المفروض أن يكون هناك تكامل بين وسائل الحماية على المستويين الوطني والدولي باعتبار أن الهدف واحد وهو إقرار واحترام حقوق الإنسان بمفهومها الكوني.

1) الحماية الوطنية:

هناك عدة آليات لحماية حقوق الإنسان على المستوى الداخلي لكل دولة ومن أهمها نذكر على الخصوص:



أ) القوانين وفي مقدمتها الدستور الذي يسمو عن باقي التشريعات، التي لا يجوز أن تخرج عن المبادئ العامة التي يقرها، وعادة تنص الدساتير على أهم الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، حيث ترد أحيانا في صلب البنود الدستورية، كما هو الحال في دستور الولايات المتحدة الأمريكية، أو في مقدمة أو ديباجة الدستور كما هو الشأن بالنسبة للدستور الفرنسي والدستور المغربي، وهناك قوانين تضمن تمتع الأفراد والجماعات بحرياتهم، كحرية الفكر والتعبير والصحافة، وحرية تأسيس الأحزاب السياسية، والمنظمات النقابية، والجمعيات المدنية ذات الأهداف المختلفة، وحرية الانخراط فيها، وحرية تنظيم التجمعات في الأماكن العمومية، وهناك قوانين تتوخى ضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، كما توجد تشريعات أخرى لحماية بعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كحق الملكية، وحق القيام باستثمارات لتحقيق كسب مشروع، وحقوق الشغالين كالحق في الأجر العادل، والحق في الضمان الاجتماعي، وحق الإضراب...

ب‌) ولا يكفي أن توجد قوانين جيدة لحماية حقوق الإنسان، وإنما لابد من وجود سلطة قضائية نزيهة، ومستقلة عن كل السلطات، ومحصنة من أي تأثير، لتسهر على احترام القوانين، وحسن تطبيقها، وضمان مساواة الجميع أمامها.

ج) وإلى جانب آليتي التشريع والقضاء تقوم بعض الدول بإحداث مؤسسات خاصة، مثل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالمغرب، الذي تقابله اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان بفرنسا، ويتميز المغرب بإحداث وزارة مكلفة بحقوق الإنسان، في بداية التسعينات قبل أن تلغى سنة 2004، كما تم إحداث ديوان المظالم الذي يقابل مؤسسة (الوسيط) في بعض الدول.

وإلى جانب الآليات الرسمية، توجد بعض الجمعيات التطوعية التي تعمل في إطار المجتمع المدني، وتقوم بمهمة الدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وإثارة الانتباه للخروق، كما تساهم في التوعية بقيم حقوق الإنسان، وتوجد في المغرب عدة جمعيات من هذا القبيل، منها من يختص بحقوق الإنسان بوجه عام، ومنها من يختص بالدفاع عن حقوق بعض الفئات كالمرأة، والطفل، والمعاقين...

غير أن توفر آليات الحماية الوطنية المذكورة وغيرها، لا يمنع من وجود حالات لانتهاك حقوق الإنسان في كثير من الدول ومن بينها المغرب، والدول التي تترسخ فيها مقومات الديمقراطية تهيئ المناخ الأكثر ملاءمة لاحترام حقوق الإنسان، والمجال الأكثر خصوبة لنمو قيمها، وانتشار مبادئها، وتداول ثقافتها.



2) الحماية الدولية:

لقد بدأ الاهتمام الدولي بإيجاد الآليات الخاصة بحماية حقوق الإنسان على الصعيد العالمي، عندما أشرفت الحرب العظمى الأولى على نهايتها، وبرز هذا الاهتمام في ميثاق عصبة الأمم، ثم في ميثاق منظمة الأمم المتحدة التي خصصت حيزا هاما من مجالات اشتغالها لقضايا حقوق الإنسان، وذلك انطلاقا من الإيمان بكرامة الفرد وحريته، وبما للرجال والنساء، والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية (الفقرة 2 من ديباجة ميثاق الأمم المتحدة)، وأصدرت بعد ثلاث سنوات من تأسيسها، الوثيقة الرئيسية في منظومة حقوق الإنسان، وهي إعلان العاشر من دجنبر 1948، ولجعل المبادئ الواردة في الإعلان التزامات على عاتق الدول صدر العهدان الدوليان المتعلقان بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في 16 دجنبر 1966، والبرتوكولان الاختياريان الملحقان بالعهد الأول، ويتعلق أحدهما بالشكايات والتقارير التي يمكن لأي فرد أن يوجهها إلى لجنة حقوق الإنسان بمنظمة الأمم المتحدة، وقد اعتمد منذ البداية، والثاني يتعلق بمنع عقوبة الإعدام، ولم يتم اعتماده إلا سنة 1989 ، وبالإضافة إلى هذه المواثيق صدرت عشرات من الإعلانات والعهود التي تتناول حقوق الإنسان من شتى الجوانب، وتحدد الشروط والضمانات الكفيلة باحترامها، ومن المواضيع التي تشملها هذه الإعلانات والعهود، منع التمييز بجميع أشكاله، وخاصة التمييز العنصري، والتمييز ضد المرأة، وجرائم الحرب المرتكبة ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، وتحريم الرق والعبودية، ومناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية، أو المُهينة، أوالحاطة بالكرامة الإنسانية، وضمان المحاكمة العادلة، واستقلال القضاء، والمعاملة الإنسانية للسجناء، وضمان حقوق المرأة والطفل، وحقوق المهاجرين واللاجئين، وحقوق المعاقين، وحقوق كبار السن، والحريات النقابية، والحق في الإعلام، وحق الشعوب في السلم، والحق في التنمية...

وبالنسبة لأجهزة المنتظم الدولي، المهتمة بقضايا حقوق الإنسان، فإنه إلى جانب الدور الذي تضطلع به الجمعية العامة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، نذكر على الخصوص لجنة حقوق الإنسان، وهي الجهاز الأساسي الذي يعهد إليه بتحضير مشاريع الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان في العالم، وتقوم بتتبع أوضاع وقضايا حقوق الإنسان والمشاكل التي تطرح على الصعيد الدولي في هذا الشأن، كما تدرس التقارير التي تقدمها الدول حول الخطوات التي تنهجها في سياساتها الداخلية للنهوض بحقوق الإنسان.

وهناك لجن مرتبطة ببعض المواثيق الدولية، مثل لجنة محاربة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المحدثة سنة 1982، وتهتم بحقوق المرأة في إطار الاتفاقية المتعلقة بهذا الموضوع، والمعتمدة في 18 دجنبر1979، ولجنة مناهضة التعذيب والمعاملات غير الإنسانية والقاسية والحاطة بالكرامة، المحدثة سنة 1987 لتتبع القضايا التي تتناولها الاتفاقية الدولية المعتمدة في هذا الشأن سنة 1984، ولجنة حقوق الطفل التي تسهر على إعمال مقتضيات الاتفاقية الدولية المتعلقة بهذا الموضوع والمعتمدة سنة 1989.

وبالإضافة إلى اللجن التي تهتم كل واحدة منها بمواضيع معينة، هناك جهازان هامان وهما: مركز حقوق الإنسان الأممي، الذي يعد بمثابة سكرتارية تنسق بين مختلف أجهزة الأمم المتحدة المهتمة بحقوق الإنسان، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان التي أحدثت بقرار من المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد بفيينا سنة 1993، ولها صلاحيات هامة وواسعة في مراقبة كل الأنشطة الدولية التي تهم حقوق الإنسان.

وهناك أجهزة أممية أخرى يمكن أن تهتم بمواضيع لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بحقوق الإنسان، مثل منظمة العمل الدولية التي تهتم بحقوق الأجراء والحريات النقابية، ومنظمة اليونسكو التي تهتم بالحقوق الثقافية، كما تهتم بنشر ثقافة وقيم حقوق الإنسان على الصعيد الدولي.

وعلى الصعيد القاري أو الجهوي، تم إبرام اتفاقيات لحقوق الإنسان، وتعمل في إطارها لجان تتولى تتبع ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان في النطاق الجغرافي الذي تشمله الاتفاقيات المذكورة، وتتميز المنطقتين الأوربية والأمريكية، بتوفر كل منهما على محكمة جهوية لحقوق الإنسان، للفصل في المنازعات، وتقديم الاستشارات؛ وتجدر الإشارة إلى أن هناك تخلفا وتعثرا ملحوظين في هذا المجال على الصعيدين العربي والإفريقي، وعلى الصعيد الآسيوي لا يوجد حتى الآن جهاز إقليمي رسمي يهتم بحقوق الإنسان، غير أن هناك عدة منظمات غير حكومية تقوم بمبادرات وأنشطة في بعض المجالات ذات الصلة بهذا الموضوع.

ولا ينحصر الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان على المستوى الدولي في الأجهزة الأممية والجهوية التي تمثل الحكومات، وإنما هناك أيضا العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية المهتمة بهذه القضايا، ونذكر منها على الخصوص:



منظمة العفو الدولية:

التي ترجع فكرة إحداثها إلى سنة 1961 حينما نشر أحد المحامين مقالا في (الأوبزرفر) يعبر فيه عن اندهاشه لعدد المعتقلين في العالم بسبب آرائهم وأفكارهم، ويدعو للقيام بحملة دولية من أجل العفو، ومن أهداف هذه المنظمة:

ـ مساعدة المعتقلين من أجل الرأي، أو المواقف السياسية، الذين لم يستعملوا العنف ولم يحرضوا على استعماله.

ـ توفير الضمانات القضائية في المحاكمات السياسية.

ـ إلغاء عقوبة الإعدام.

ـ إدانة التعذيب والمعاملات اللا إنسانية والقاسية أو المهينة.

ويوجد المقر الرئيسي لمنظمة العفو الدولية بلندن، ولها فروع في العديد من الدول منها المغرب، وتنشر عدة مطبوعات منها التقرير السنوي الذي يرصد أوضاع حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم (18).

وهناك عدة منظمات دولية أخرى غير حكومية تهتم بحقوق الإنسان، مثل اللجنة الدولية للحقوقيين، التي يوجد مقرها بجنيف، والجمعية الدولية للحقوقيين الديمقراطيين، التي يوجد مقرها ببروكسيل، والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان التي يوجد مقرها بباريس، ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان (HUMAN RICHTS WATCH) التي يوجد مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالنسبة للوطن العربي يمكن أن نذكر اتحاد المحامين العرب، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان (19).

وعلى الرغم من وجود ترسانة هائلة من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وعدد هام من الأجهزة الأممية والجهوية المختصة بالموضوع في العالم، بالإضافة إلى المنظمات الدولية غير الحكومية التي ترصد الخروق، وتعمل على ضمان احترام حقوق الإنسان على الصعيد الدولي، فإن هذه الحقوق لا يمكن القول بأنها بخير، بل تتعرض للكثير من الانتهاكات، إما عن طريق الاحتلال المباشر والتنكيل بالشعوب، كما هو الحال في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق، أو تحت غطاء محاربة الإرهاب، كما حصل في أفغانستان، أو عن طريق تكريس نظام دولي غير عادل، وفرض نزعة الهيمنة على الشعوب المستضعفة من طرف القوى العظمى، وكثيرا ما تقف منظمة الأمم المتحدة مكتوفة الأيدي أمام غطرسة بعض الدول التي لا تجد حرجا في انتهاك الشرعية الدولية، مما يتطلب إعادة النظر في دور المنتظم الدولي وآليات اشتغاله، لضمان التوازن والتكافؤ بين الدول، وتسهيل إقامة السلام في كل مواقع التوتر في العالم، على أساس العدل والإنصاف، واحترام إرادة الشعوب، وحماية كرامتها وسيادتها داخل بلدانها، وليس على أساس المصالح الخاصة لبعض الدول العظمى.




هوامش:

1) أنظر عبد القادر العلمي، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، دراسة تحليلية مقارنة منشورة في جريدة (العلم) في ثلاث حلقات بتاريخ 28 يوليوز و4 و 11 غشت 1990.

2) محمد فتحي عثمان،حقوق الإنسان بين الشريعة والفكر القانوني الغربي،دار الشروق، الطبعة الأولى،1982،ص29.

3) أنظر إدريس العلوي العبدلاوي،أصول القانون،الجزء الثاني،نظرية الحق،ط 1، 1972 ص 45 .

4) عبد الفتاح عبد الباقي،نظرية الحق،ص 8 .

5) جميل الشرقاوي،دروس في النظرية العامة للحق،ص 27.

6) محمد سامي مذكور،نظرية الحق، ص 9 ـ 10.

7) إدريس العلوي العبدلاوي،م.س.ص39.

8)فتحي الدريني،الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده،ص 251 ،عمان دار البشير1997 .

9) محمد سعيد مجدوب،الحريات العامة وحقوق الإنسان،ص 9 .

10) أنظر :

VASAK Karel,Les Dimension Internationales des Droits de l’Homme,Paris,UNESCO,1978.

Voir aussi : BECET Jean Marie, et COLARD Daniel, Les Droits de l’Homme, Edission Economica, Paris,1982,p 9,10.

11) أنظر:م.س: VASAK Karel

12) MADIOT Yves, Droits de L’Homme et libertés publiques,Editions Masson, Paris,1976,p 19.

13) أحمد الرشيدي، حقوق الإنسان في الوطن العربي، دار الفكر،دمشق، 2002، ص22.

14) عبد القادر العلمي، حقوق اللإنسان بين النظرية والتطبيق، مطبعة الرسالة، الرباط 1986، ص:9.

15)الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، أسئلة وإجابات، نيويورك،1987،ص4.

16) أنظر كتابنا حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق، مطبعة الرسالة، الرباط، 1986، ص 9.

17) الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، مكتب الإعلام العام، نيويورك،1978، ص 16.

18) للاطلاع على التفاصيل يراجع كتابنا حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق، م.س.ص 57 و58.

19) أنظر المرجع السابق، ص 58و59.
منقول

مدخل إلى مشكلة الحقّ في الفلسفة الكانطية

بقلم: روزين شيخ موسى

مشكلة الحقّ مشكلة أبدية، لا تقتصر على البحث في العلاقات الإنسانية في جانبها التاريخي فحسب، بل تمتد لتتناول جوانب سياسية وأخلاقية وقانونية …، فهي بوصفها مشكلة إنما تحتضن كل تاريخ العلاقات الإنسانية من نشأة المجتمعات السياسية، وأصل الحكومات، ومشروعية السلطة السياسية، ومصدر الإلزام القانوني، وعلاقات الدولة بالأفراد، ومفاهيم الواجب والقانون والمسؤولية . فمشكلة الحقّ مشكلة فلسفية بامتياز، بحكم تداخلها وارتباطها الوثيق بالوجود الإنساني، وبماهية هذا الوجود الحرّ، وبطبيعة العلاقات الإنسانية.

وما بحث عمانوئيل كانط في مفهوم الحقّ إلا محاولة لإعادة بناء العلاقة ما بين الحق والقانون عبر توسط الواجب الأخلاقي فهدف كانط إنما هو تبيان الحقّ في ذاته من خلال «تفسير طبيعته وأصله الميتافيزيقي»(1)، في محاولة لحل مشكلة الفلسفة السياسية الحديثة المتمثلة في التعارض بين الشرعية والأخلاقية أي بين الحق) بوصفه حقاً قبلياً فطرياً جوهرياً لا يمكن المساس به و القانون بوصفه السلطة المشرعة لحقوق الأفراد في الحالة المدنية، ومن ثم البحث في الصلة بين الإلزام القانوني الوضعي و بين الحق والواجب الأخلاقي بوصفه حداً وسطاً بين الأخلاق نظرية الحقّ والسياسة الممارسة العملية للحقّ.
يبني كانط مذهبه الأخلاقي انطلاقاً من البحث في تصور الإرادة الخيرة في ذاتها عبر تصور الواجب فالإرادة الخيرة لا ترتبط بمنفعة أو ميل بل هي مستقلة عن أي فائدة أو أثر كما يصفها (كانط)« تلمع بذاتها لمعان الجوهرة مثل شيء يحتفظ في نفسه بكل قيمته»(2)، ومن ثم يفحص (كانط ) فكرة الواجب للاستدلال على خيرية الإرادة فاتفاق الفعل أو الميل مع الواجب إنما يكون نابعاً من شعور حقيقي بالواجب فقط منـزهاً عن أي ميل لتحقيق سعادته الذاتية فلا يقع تحت تأثير الميل الباطني ولا لموضوع خارجي. والواقع أن (كانط) يعرّف الواجب بأنه: «هو ضرورة القيام بفعل عن احترام للقانون»(3)، وهو ينشأ بدافع من العقل ومبادئه الحقة ووليد احترامه الكلي للواجب عينه .

أن مبدأ الإرادة والصورة القانونية العامة للأفعال، أي ما يسميه بـ"القانون في ذاته" إنما يكمن في المسلمة الأساسية لهذا القانون أو «الأمر الكلي للواجب»(4.)

وهكذا، فإنّ القانون في ذاته والصورة القانونية للأفعال إنما تستمد شرعيتها من الأمر الكلي (للواجب) المستند بدوره على الحق الطبيعي، فعبر تأكيد (كانط) على نظرية الحق في بعده الأخلاقي وممارسة الحق في بعده القانوني السياسي، إنما يعيد بناء العلاقة ما بين الحق والقانون على أساس التكامل : فكلاهما وجهان لعملة واحدة لا انفصال بينهما عبر توسط مفهوم الواجب المؤسس للقانون في الدولة .

إذ، ينطلق (كانط) في معالجته لمفهوم الحقّ من الحالة الطبيعية لا بوصفها فرضاً ذهنياً أو تاريخياً مؤسساً للحق المدني حيث العقد الاجتماعي الذي ينقل الأفراد إلى الحالة المدنية الوضعية بل باعتبارها «تساؤلاً أخلاقياً» (5)، شغل (كانط ) هو ( لما وجب ترك حالة الفطرة الأولى التي يعيش فيها الفرد الطبيعي)؟ بوصفه كياناً مستقلاً «خيراً وشريراً في آن واحد»(6)، في رغبة لامحدودة وحرية مطلقة لا متناهية دون حد أو قسر على إرادته. إن ( الحق ) في الحالة الطبيعية حق للأقوى فإرادة الفرد في نزاع دائم لنفي وإلغاء حقوق الآخر ولإرادته ولملكيته إذ يتم إقرار (الحق) بواسطة الحرب.

فـالحرب هي التي تحدد «ما هو لي وما هو لك»(7)، و الحق السائد في الحالة الطبيعية هو ما يسميه (كانط) بـ«الحق الخاص أي العلاقات القانونية الخاصة القائمة بين الأعضاء»(8) حيث لا ضمان لاستمرار الحق الخاص ولقسر إرادة الأفراد على الالتزام بقانون الطبيعة الحرية بوصفه «الحق الفطري الوحيد» (9) المؤسس للحرية الفطرية.

إن انتقال الأفراد للعيش في مجتمع الدولة هو بمثابة ضرورة تقتضيها طبيعته واستعداداته الفطرية مستفيداً من التعارض القائم داخل الحالة الطبيعية، وهذا ما دلل عليه (كانط) في كتابه "ميتافيزيقا الأخلاق" مميزاً بين قانون الطبيعة والقانون الوضعي العقلي المحدد لقوانين الأفعال والملكات الإنسانية «فمن ناحية انتمائه لعالم محسوس يخضع لقوانين الطبيعة (التنافر) وهو من ناحية انتمائه لعالم معقول يخضع لقوانين مستقلة عن الطبيعة غير تجريبية بل قائمة على أساس العقل وحده» (10).

إن هذا الانتقال لا يتم إلا عبر تخلي الأفراد عن الحرية الطبيعية المطلقة للانتقال من حالة القصور- ومن هنا التنوير العقلي عند كانط - إلى حالة يتم فيها «الإذعان لإلزام القوانين العامة»(11)، جاعلاً من العقل مصدراً وضمانةً للسلام بوصفه « المصدر الأعلى لكل تشريع أخلاقي» .

فبموجب هذا العقد الأصلي تتحد إرادة الفرد مع الإرادة الكلية لمجموع الأفراد المتعينة في دولة (القانون الوضعي المدني )، دون التنازل عن الحرية الفطرية للفرد بل الدخول في هيئة قانونية وضعية حامية لهذه الحرية. ففي الانتقال إلى الحالة المدنية العقلانية والأخلاقية تبدأ الذات بوعي إرادتها الحرة من خلال سنها للتشريع واحترامها لمبدأ القانون الكلي، بوصفه معبراً عن الحرية التي هي «الفكرة الوحيدة من جميع فكر العقل التأملي التي تعرف إمكانياتها معرفة بدئية وذلك لأن هذه الفكرة هي شرط القانون الأخلاقي الذي نعرفه»(12)، إن الحق الوضعي في الحالة المدنية ما هو إلا قانون الحرية المتمثل في الدستور الجمهوري الدستور الوحيد المجسد لمبادئ الحق الخاص العقد الأصلي والضامن للسلم ولأنه الدستور الوحيد الذي يعامل الفرد كقيمة أخلاقية يتمتع بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية استناداً إلى التشريع الوضعي بوصفه شرط تعين المواطنة في الدولة المدنية .

يرى (كانط)، إن استمرار حالة السلم بين الأفراد في الدولة المدنية إنما يتأسس على القوانين الأخلاقية المطلقة والضرورية بوصفه إلزاماً قانونياً يمارس على إرادة الفرد لا قسراً خارجياً على هذه الإرادة، بل باعتباره إلزاماً ذاتياً أخلاقياً نابعاً من شعور الفرد بالواجب الأخلاقي حيث الأخلاق ( نظرية الحق) تصبح بعداً أساسياً للسياسة فهو يقول : «لا ينبغي أن نطلب إلى الأخلاق تنظيم الدولة تنظيماً سياسياً صالحاً بل ينبغي أن نتوقع من النظام السياسي الصالح تثقيف الشعب تثقيفاً أخلاقياً صالحاً » (13).

هكذا، يعطي (كانط) لمفهوم الحق أهمية قصوى في مذهبه بوصفه توسطاً بين السياسة والأخلاق أي بين الممارسة العملية للقانون والحق وبين النظرية العامة للحق فبتعين مفهوم ( الحق) في الدولة ينتفي التصادم بين الأخلاق بوصفها ما ينبغي أن تكون وبين السياسة أي ما هو قائم، ويرى (كانط) أن خطأ الفلاسفة في تناولهم لمشكلة انقسام الذات بين ( الحق الطبيعي) و( الوضعي) و بين (الأخلاقية) إنما هو ناجم عن فهمهم لطبيعة الإلزام القانوني باعتباره قسراً خارجياً على الإرادة لا فعلاً نابعاً من إرادة الفرد ذاته.

وجه (هيغل ) أشد النقد لمذهب (كانط ) النقدي، إذ يرى أن فلسفته تقتصر على البقاء في دائرة الفكر التجريدي الذاتي والاستقلال الحر الصوري دون أن يستطيع إضفاء طابع الموضوعية على فكره، ففي معرض تعريف (كانط )، (لمفهوم الحق) يستند في تصوره للحرية على الاختيار الإرادي الذاتي الأمر الذي يجعل من تعين الحرية لديه تعيناً سلبياً مجرداً لا يتحدد بأي مضمون، فحتى في الجانب الايجابي لهذا التعريف المتضمن في الطابع الكلي للأمر الأخلاقي المطلق للواجب إنما يستند إلى تصور كلي صوري فارغ من أي مضمون أو معيار يحدد هذا التعين بوصفه مسوغاً لكل سلوك أخلاقي حر فهو قائم على فعالية ذاتية مجردة تؤسس للتناقض والجوازية

فـ (كانط )، برأي (هيغل) لم يخرج من دائرة الفكر التجريدي الذاتي . فتصوره للقانون الأخلاقي إنما يقتصر على الواجب الصارم بوصفه تعيناً ذاتياً داخلياً ومجرداً يتحدد بالامتناع عن القيام بفعل ما، فتعين (الحرية والحق) يطغى عليه الجانب السلبي للواجب القاسي دون أن يتعين موضوعياً، لذا فهو برأي (هيغل) بقي في دائرة الصورية والشكلية المجردة دون أن يميز الاختلاف الجوهري بين الأخلاق والأخلاقية الموضوعية بوصفها تضفي على (الحق والإرادة) تعينات أكثر تشخيصاً وواقعية، إذ يقول (هيغل) :«أما اللغة الكانطية، فتفضل استعمال كلمة أخلاقية، وكما تتحدد المبادئ العملية لهذه الفلسفة أيضاً، تحدداً كاملاً بهذا المفهوم، وتجعل من وجهة نظر الأخلاقية الموضوعية ذاتها مستحيلة، فإنها تلاشيها،وتحاول هدمها »(14).

هكذا يؤكد (هيغل)، أن (كانط) يبني على أساس فكرته عن الإرادة الذاتية والحرية الصورية (حق) الشخص أولاً بوصفه (حقاً) لإرادة حرة مستقلة، الأمر الذي يحيل جميع العلاقات الروحية إلى دائرة الشيئية فيقيم علاقات الزواج وعلاقات الدولة وحتى علاقات الحرب والسلام بين الدول على التعاقد الإرادي الذاتي لا بوصفه تعيناً (للحق) موضوعياً، إذ «إننا لا نستطيع إذن، أن ندخل الزواج في مفهوم العقد، أن هذا الإدخال مقرر لدى كانط، في كل بشاعته، كما ينبغي لنا أن نقول، كذلك، لا تقوم طبيعة الدولة على علاقات تعاقدية » (15).

بيد أن (هيغل )، على الرغم من ذلك لا ينكر فضل (كانط) في تأسيسه لمبادئ الإرادة الخالصة وتعيناتها المجردة في صورة واجب أخلاقي لكنه يبقى بوصفه واجباً من أجل (الواجب) فقط دون أن يخرج من دائرة الصورية والذاتية «فـالاعتراف، بالإرادة قد انتظر الفلسفة الكانطية، من أجل أن يكتسب أساسه المكين، ونقطة انطلاقه كذلك»(16).

من هنا، فـ (كانط ) يؤسس لحل يوفق بين (الشرعية القانونية ) أي إلزام الإرادة المتعينة بوصفها خيرة في ذاتها وحد على حرية الفرد المطلقة واستقلاله الذاتي وبين (الأخلاق) بوصفها (قوانين للحرية) وغاية تطلب لذاتها وضمانة للسلم بين الأفراد .

ومن المؤكد أن النتيجة التي توصل إليها كانط في دراسته للحق ما تزال تستحق مناقشتها والعودة إليها، والتعلم منها وخاصة في مجتمعات مل مجتمعنا الذي لم يعترف للفرد بعد حتى بحقوقه الطبيعية دع عنك الدرجات المدنية للحق والأخلاق والقانون.

الهوامش:

1 - لالاند : موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الأول، تعريب خليل أحمد خليل، بيروت / باريس، منشورات عويدات، ط1، 1996، ص305 .
2 - كانط عمانوئيل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، قدم لها وترجم عبد الغفار مكاوي، راجعها عبد الرحمن بدوي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980 ط 2، ص19.
3 - كانط عمانوئيل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، قدم لها وترجم عبد الغفار مكاوي، راجعها عبد الرحمن بدوي،القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980 ط 2، ص27.
4 - المصدر السابق : ص30 .
5 - أحمد : محمود سيد : دراسات في فلسفة كانط السياسية، القاهرة، دار الثقافة، 1988 ص30 .
6 - العراقي، سهام محمود : فلسفة كانط في التربية، الإسكندرية، مطبعة الجهاد، 1984 ص15 .
7 - المرجع السابق : ص6 .
8 - المرجع السابق : ص13 .
9 - المرجع السابق : ص32 .
10 - كانط عمانوئيل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، قدم لها وترجم عبد الغفار مكاوي، راجعها عبد الرحمن بدوي،القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980 ط 2، ص115 .
11 - كانط، عمانوئيل، مشروع للسلام الدائم، ترجمة عثمان امين، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، 1952، ص58 .
12 - كانط، عمانوئيل : نقد العقل العملي، ترجمة أحمد الشيباني، بيروت، دار اليقظة العربية، 1966 ص18.
13 - المصدر السابق : ص 78- 79 .
14 - المصدر السابق : ص 83 .
15 - المصدر السابق : ص121
16 - المصدر السابق : ص170 .

عن موقع الأوان

الخميس، 5 مايو 2011

سعار إعلامي ضد مسلمي أمريكا يقوده مردوخ

سعار إعلامي ضد مسلمي أمريكا يقوده مردوخ

ربنا يشفي
وربنا يهدي
وربنا يكفينا
وينصرنا
وينصر دينه
واجمعوا الاموال
وانفقوها في الصد عن سبيل الله
وفي الاخر
ستكون عليكم حسرة
وتغلبون!!!!!!!!!!!!!!!

الأربعاء، 4 مايو 2011

الثقافة العربية الحديثة: التيارات وتفكيك المقولات

بقلم : عبد الرحمن حللي المصدر : الملتقى الفكري للإبداع 2010-09-30
إن الكتاب إذ حاول فك أسر الثقافة العربية الحديثة من مقولات الحداثة وفكرة التقدم، فقد نجح في تفكيك معظم الأفكار التي تتبنى هذا النسق، لكن البديل الذي يطمح إليه لم يتبلور بعد، وإن بدا أحياناً وكأنه لم ينقطع، كما أن الشروط التي يضعها والخصائص التي يميز بها البديل النموذج إن حررت الثقافة العربية من أسرها فإنها ستنقلها إلى أسر آخر هو ما انتقاه من هذه الثقافة المتكاملة.

ثقافة في الأسر نحو تفكيك المقولات النهضوية العربية محمد عادل شريح دار الفكر ، 2008 ، 360 ص . قرنان من الزمان هما عمر عصر النهضة العربية الحديثة كما يؤرخ لها دعاتها، وقد مضت ولا يزال العالم العربي والإسلامي يعيش أسئلتها الأولى على اختلافها، وقد كثر التنظير حول أدبيات هذه النهضة وتاريخها ورموزها وإشكالياتها، لكن معظم ما كتب كان يأتي في سياق التقرير الذي يبحث من داخل نسق المنظومات الفكرية لخطاب النهضة، وكان كثير من هذه الكتابات يمارس جلداً للذات العربية والإسلامية، الحضارية والتاريخية والمعاصرة، بصيغ قادت إلى رؤى عدمية ونفاق يصنع من الآخر قديساً ومن الذات إبليساً عبر أقلام دأبت أن تكتب حسب الرواج في أسواق الفكر المعاصر، فيما كانت بالمقابل رؤى عدمية أخرى ذات خلفية سلفية رأت في خطاب النهضة مؤامرة وعمالة، وفي استخدام العقل جريمة، فاتخذت من تصنيف الخطاب الإصلاحي جواباً بحد ذاته عن إشكالاته التي كان يحاول الإجابة عليها. لم يدفع نقد خطاب النهضة ودراسات العقود الأخيرة حولها الفكر نحو معالجات صريحة وبناءة يمكن من خلالها تحقيب الرؤى الفكرية، وفتح آفاق جديدة للفكر المعاصر، إذ كانت تلك المعالجات مسكونة بهواجس دعاة النهضة أو من خلال الترصد لها، وما تقدمه هذه المقاربة، هو نمط جديد من نقد الخطاب النهضوي يسهم بقدر كبير في إعادة طرح أسئلة مركزية طالما لم يقف عندها كثيرون من دارسي الفكر المعاصر ودعاة الحداثة ومؤرخي النهضة، فتنبع أهمية هذه الدراسة من معالجتها أسئلة جوهرية يمكن من خلال تقييم الإجابة عليها وضع لبنات جديدة في البناء المعرفي المعاصر، فما يتم من المراكمة العشوائية للأجوبة عن أسئلة النهضة والإصلاح يجعلها مثار إشكال جديد يرجع بالقضايا إلى المربع الأول، لذلك فمن الأهمية بمكان في الدراسة النقدية لمقولات النهضة محاولة تفكيك المقولات والعودة بالقارئ إلى المقدمات التي تأسست عليها الثقافة العربية الحديثة، وهي ما أشار إليه الباحث في عنوان الكتاب:".. نحو تفكيك المقولات النهضوية العربية". السؤال الآخر الذي كان يحمل الباحث همه في ثنايا الكتاب، هو إبراز ما كشف عنه في سياق الحفر التاريخي في عصر النهضة وما قبله، وهو النسق الآخر الموازي لخطاب النهضة بل المناهض لمقولاتها، والذي يرى فيه الباحث البديل الحقيقي والاستمرار الطبيعي لنسق الثقافة العربية الإسلامية المتكاملة، إذ يرى أن رموز هذا النسق كانوا يدركون طبيعة المسار التاريخي للثقافة العربية ويدركون مخاطر التحولات التي ألجئت إليها عبر خطاب النهضة، بل يمكن القول إن الكتاب في معظمه يحمل رسالة هي إبراز هذه الرموز (اختار محمود شاكر ومصطفى صبري كأبرز علمين لها) وما قدمته من نقد لمقولات النهضة، واعتبر ما يمثلانه من ثقافة هو السياق الطبيعي للثقافة العربية الإسلامية، وهو الامتداد الوحيد لثقافة عمرها أربعة عشر قرناً، وإن كان لنا أن نسجل ابتداء تحفظاً على التعميم والمبالغة في هذا الجانب وجوانب أخرى، فينبغي ألا نغفل جدية محاولة الباحث في إبراز هذا الجانب من زاوية البعد النقدي لمقولات الفكر العربي الحديث وريث الخطاب النهضوي، ومن زاوية إبراز نسق مجهول في تاريخ الثقافة العربية الحديثة وما قبلها، وسأبرز هذين الجانبين في ثنايا مراجعة هذا الكتاب الذي قسمه المؤلف إلى ثلاثة فصول، تناولت الظروف التاريخية لتشكل الثقافة العربية الحديثة، والتيارات الأساسية لهذه الثقافة، ورؤيتها للخروج من الأزمة. ظروف تشكل الثقافة العربية الحديثة عالج الباحث في الفصل الأول ظروف التشكل التاريخية والمعرفية للثقافة العربية الحديثة، فناقش فيه المفاهيم والمصطلحات الأساسية لاسيما مفهوم الثقافة والمثقف، وخلص إلى أن الثقافة هي النشاط الواعي والمتقن الهادف إلى المعالجة والتقويم، وأن للثقافة مستويان، مستوى عميق يمثل المبدأ الثابت، وهو مفهومي بحت، يعبر عن رؤية للعالم، ومستوى آخر هو مستوى الممارسة الآنية التي تنسج الوجود بوحي من ارتباطها بمبادئها الأولى، وعلى هدي منها. ويضبط الباحث مجال دراسته بالثقافة العالمة التي تتمثل بالثقافة المكتوبة والجهد الذي تقوم به النخب الفكرية في عملية البناء الثقافي، ويلاحظ في هذا السياق الانقطاع غير المفهوم وغير المبرر بين الثقافة العالمة والثقافة الاجتماعية، بحيث تصبح هذه الثقافة العالمة معبرة عن مضامين فكرية لا تجد لها مصداقاً أو أرضية أو تفاعلاً في إطار الثقافة الاجتماعية، أو أنها تكون معبرة عن ثقافة مجتمع آخر. ويتوقف عند معالجة مالك بن نبي لمسألة الثقافة التي يرى أنها تنتمي إلى ذات السياق الذي طرحت فيه الإيديولوجية النهضوية العلمانية الحداثية مفهومها للنهضة، ولا يختلف إلا بطبيعة الخطاب الإسلامي الذي ميزه عن آخرين من مفكري النهضة، وبالمقابل يتبنى الباحث معالجة محمود شاكر للمسألة الثقافية، ويعتبر مفهوم (الثقافة المتكاملة) الذي طرحه شاكر مفهوماً مركزياً في دراسته، والذي يعني أن الثقافة هي مجموعة المعارف المكتسبة من البيئة المحيطة في مقتبل العمر إضافة إلى الموروث الفكري والممارسة الثقافية المستندة إلى المقدمات الأولى والموروث الحضاري، فثمة وحدة وانسجام يعبران عن رؤية ثقافية بنيت عليها حضارة الإسلام، ولم يكن التنوع في هذه الحضارة إلا نتاج الرؤية الثقافية الإسلامية للعالم على تنوعه واختلاف مظاهره. وبالمقابل يلاحظ انتشار منظور ثقافوي يعتبر أزمة الثقافة العربية تتمثل في عدم قدرتها على تجاوز إشكالية الحداثة، والتي جاءت مع الحملة الفرنسية على مصر، وهو توصيف يرسخ تقويماً متدنياً للذات يتحول إلى عامل مدمر للشخصية الفردية أو الجماعية، ويشل قدرتها على التأثير، فيدعو الباحث إلى تجاوز حالة "الندب الثقافي" التي يستثني المثقف نفسه منها، ويدعو إلى الإجابة عن السؤال الأهم: ما الذي منع الحداثة أن تنتصر في الثقافة العربية؟. ويدعو الباحث إلى إحياء "المثقف العضوي" بمعنى المنتمي إلى ثقافة الجماعة التي يمثلها ويدافع عنها ويعمل على تطويرها وإغنائها ويكون ممثلاً للثقافة العالمة، ولا ينقطع عن الثقافة الجماعية، في مقابل شريحة المثقفين (النخبة اللاعضوية) التي دخلت ساحة الفعل والتأثير والمحكومة بملابسات وظروف نشأتها في الغرب، حتى أصبح الإحساس بالانتماء يبدو لديها وكأنه يحد من شرط الحرية المطلقة التي يفترضها المثقف لنفسه، وأصبحت هناك ثوابت في الخطاب الثقافي العربي والإسلامي تتمثل بحتمية الحداثة الغربية وأن الدين إيديولوجية ماضية، والانتماء ينبغي أن يكون إلى ثقافة حداثية أو إنسانية أو عالمية، حتى تحول المثقف إلى عميل للحداثة وكائن مستتبع ثقافياً وسياسياً، لذلك كانت الهوية حجر عثرة في طريق مشروع المثقفين التغريبي الذي أطلقت عليه أسماء مختلفة: تنويري، تقدمي، علماني، تجديدي، نهضوي، . .، وتحولت الهوية إلى هاجس مرضي يراود خيال ثقافة مريضة. الزمن التقدمي ومفهوم عصر الانحطاط من الأفكار المركزية التي يؤسس عليها الباحث نقده نظرة المثقفين إلى الزمان ومكونات اللحظة التاريخية لميلاد الثقافة الحديثة، ويفكك بتوسع مفهوم عصر النهضة والتحقيب الزمني الذي أسس عليه وما تبعه من أحكام تاريخية ونظرة مستقبلية، فتكاد تجمع المصادر المؤرخة للفكر العربي على مفصلية عام 1798م (بدء الحملة الفرنسية على مصر) بين عهد الانحطاط وعهد النهضة، فارتبطت ولادة الثقافة العربية الحديثة بتغير حاد في فهم الزمان والحركة التاريخية، ودخل مفهوم الزمن التقدمي، المرتبط بفكرة التقدم التي تعني الحركة إلى الأمام مع قيمة مرتبطة بهذه الحركة، وصنعت الفكرة انقلاباً في مفهوم الزمان والتاريخ يتمثل في التخلي كلياً عن الرؤية الدينية للزمان، فالتقدم هو حركة العقل في التاريخ، وأصبح للزمن قيمة معيارية حاكمة متسلطة على الفكر، فالحقيقة والصواب والجيد هو ما سينجلي عنه الزمان، وفكرة التقدم مركزية غربية متأصلة، لكنها انتهت في الغرب وتعرضت للتفكيك من قبل مفكري ما بعد الحداثة، لكنها لازالت موجودة لعدم وجود البديل، وقد انتقلت إلى الثقافة العربية بيسر وسهولة، وعبر عنها بعبارات مثل الترقي والتمدن والتطور والتحضر، وأصبحت من أهم القضايا التي شغلت الفكر العربي الحديث، وأصبحت ذات بعد معياري، حتى رد محمود شاكر على دعاة هذه الفكرة بأن الزمن لا يكون علة إنشاء الحضارة إنما هو تبع للإنسان الحي. وتكمن خطورة الفكرة أنها آلت إلى إعادة تأسيس شاملة قائمة على النفي الشامل للذات واستجلاب بنية معرفية وقيمية ونفسية وسلوكية جديدة وزرعها بطريقة جراحية، وقد قامت مشاريع لذلك خلفت ركاماً من الأنقاض الثقافية دون أن تفلح في بناء أي شيء جديد، وكان من نتائج الرؤية التقدمية في الفكر العربي ربط مصير أفق الصيرورة التاريخية والحضارية للفكر العربي الحديث بأفق النموذج الحضاري الذي أنتج هذه الأيديولوجية (الحضارة الغربية)، وتحول أفعال كالتجديد والإبداع والتحديث إلى قيم بحد ذاتها بغض النظر عن محتواها، وتحول التراث والتقليد والماضي إلى قيم سلبية مرفوضة نفسياً ومعرفياً، واقتضى تبني الحداثة إدخال مقدماتها المعرفية المختلفة حتى القيم والمسلكيات الشكلية، وأخذت هذه المدخلات صفة الحاكمية على المجتمع والمعرفة بل وحتى على التراث، وأورثت انقساماً بين جموع الأمة وبين ثقافة النخبة، وتم التأسيس لحالة من الانقطاع المعرفي والتاريخي بين الماضي والحاضر نتيجة لتثبيت مقولتي الانحطاط والنهضة. ثم يشرع الباحث في تفنيد مفهوم عصر الانحطاط في التاريخ والثقافة العربية الحديثة، ويولي أهمية كبيرة لتفكيك هذا المفهوم، إذ إن مفهوم النهضة يستند كلياً عليه، وتستمد النهضة مشروعيتها التاريخية والفكرية من إثبات مقولة عصر الانحطاط الذي سبق عصر النهضة، وبالمقابل يستند التيار السلفي المتزامن مع عصر النهضة إلى نفس المفهوم على اعتبار أن ما قبله عصر انحطاط ديني، ففكرة عصر الانحطاط فكرة مريحة للجميع وتم تبنيها من دون نقاش، وترجع الفكرة إلى تبني الرؤية الغربية لفلسفة التاريخ والتحقيب الثلاثي المراحل، وقد تحول مفهوما الانحطاط والنهضة إلى مفهومين مركزيين في كل المنظومة الفكرية والثقافية العربية الحديثة، ويركز الدكتور شريح نقده لهذا المفهوم على تفكيك مجموعة من التعميمات ومراجعة كثير من المعطيات التاريخية ذات الدلالة ومدى صلتها بدعوى الانحطاط والمجال المدعى فيه. ففي سياق نقده أثر الانحطاط السياسي يدعو إلى فك الارتباط المباشر بين الحياة الثقافية والعلمية والحياة السياسية، ويستشهد لذلك بتأريخ الانحطاط السياسي بالقرن الثالث الهجري الذي لم يصنف بأنه عصر انحطاط، وكذلك بوجود حالات نهوض سياسي في عصور الانحطاط المدعاة كدول الزنكيين والأيوبيين والمماليك، ودحر العدوان الصليبي والمغولي، وفتح القسطنطينية. وفي نقد مفهوم عصر الانحطاط في الأدب العربي يرى أنه لا يستند إلى أي مبررات سوى تقليد المستشرقين، وهو مفهوم فندته الدراسات المتخصصة، ويستعرض أمثلة لأعلام عصر الانحطاط، أما الانحطاط كمفهوم فلسفي عقلي، الذي أسسه الجابري ويقصد به انحطاط العقل العربي وتخليه عن إنتاج وتطوير منظومات معرفية عقلية برهانية، فيلاحظ أن تباين المناهج لا ينفي وحدة الرؤية الشمولية، وأن ما جرى في مرحلة ما بعد الغزالي إنما هو ترتيب للمنظومات المعرفية لتأخذ كل واحدة منها مكانها الطبيعي ضمن سلم المعرفة. أما الانحطاط في العلوم الأساسية والتطبيقية فلم يتوقف عنده منظرو عصر الانحطاط، ربما لعدم افتراضهم وجود مثل هذه العلوم، بينما يشير المؤرخون إلى تطور كبير لهذه العلوم في عصر الانحطاط لاسيما بعد نضج واستقرار العلوم العقلية في القرن السادس؛ فثمة آلاف المخطوطات في هذه العلوم مهملة ولما تدرس، كما أحصي في المرحلة الممتدة بين (522هـ-1317هـ) ما يصل إلى 1615 عالماً في مجالات العلوم النظرية والأساسية والتطبيقية ممن كانت لهم مؤلفات، وتراث علمي بهذا الحجم لا يمكن اعتباره إرث انحطاط، وينتهي بعد استعراض نماذج من علماء هذا العصر، إلى التساؤل: ألم تكن هذه العلوم العربية الإسلامية المنطلقة من رؤية وفلسفة ومنهجية مغايرة، يمكنها أن تسهم في التأسيس لنهضة علمية عربية بسمات حضارية ومنهجية خاصة؟ وكأنه ينتهي إلى أن المسار التاريخي كان يمكن أن يؤول إلى نهضة تم إجهاضها بالغزو الغربي والحملة الفرنسية على مصر التي ادعيت بداية للنهضة الحديثة، فحرفت هذه الحملة المسار الفكري والتاريخي عن طريقه المعهودة، ويستشهد لذلك بكتاب "بيتر غران" الذي يبرهن على عدم أهمية حملة نابليون في التاريخ الثقافي لمصر. أما ظاهرة الشروح والحواشي والتعليقات في العلوم اللغوية والشرعية فيبررها باستقرار هذه العلوم وأن ذلك مسلك تربوي، كما أن استقرار هذه العلوم دفع البحث العلمي باتجاه العلوم التطبيقية، بل إنه يبالغ في التبرير بأن يعزو مسلك الشرح دون التأليف المباشر بأنه موقف أخلاقي منع العلماء الكبار من نسبة أي شيء لأنفسهم، بل ينتهي إلى أن الشروح والحواشي الكلامية العقدية الكثيرة التي أنتجت في عصر الانحطاط هي إلى يومنا هذا من أروع ما أنتجه العقل الإنساني على المستوى التربوي التعليمي(ص149)، ويختم هذا الفصل الأول بضرورة رفض الاستمرار في تثبيت مفهوم عصر الانحطاط، ويدعو إلى تجاوز ثنائيتي "النهضة" و "الحداثة"، من أجل إعادة كتابة تاريخنا الفكري والثقافي المعاصر، والقيام بمراجعة شاملة وتفكيك لمفهوم النهضة. التيارات الأساسية في الثقافة العربية الحديثة حاجة مفهوم النهضة إلى مراجعة وتفكيك لا يلغي وجود مفرزات ثقافية واجتماعية في مرحلة ما سمي عصر النهضة، والتي تتمحور في نظر الباحث حول ثلاثة تيارات رئيسة، أولها تيار الفكر النهضوي التقدمي والذي يضم رموز التأسيس كالطهطاوي وخير الدين التونسي إلى ابن باديس، ودعاة العلمنة كفرح أنطون، وأصحاب الدعوات الليبرالية كقاسم أمين، ورموز ومفكري المشاريع الأيديولوجية القومية والماركسية وغيرها كدارسي التراث، والجامع بين هؤلاء في نظر الباحث هو الصدور عن رؤية فكرية تاريخية واحدة هي الرؤية التقدمية للفكر والتاريخ، والإيمان بالغرب والحداثة، سواء استبطن الخطاب النهضوي هذه القناعة أم صرح بها مباشرة، وعبروا عن منهجية واحدة هي المنهجية الانقطاعية، ويستعرض سمات هذا التيار التي تمحورت تحت عناوين الاستلاب الحضاري وتغييب الهوية والتحريفية، واستيلاد مشاريع بديلة، وانتهاء بما يسميه بتسرطن الثقافة النهضوية الذي يمثل سلامة موسى نموذجه، ويعرض للمدرسة الإصلاحية والمشروع القومي العربي كنموذجين للفكر النهضوي التقدمي، ويصف هذا التيار بأنه الأكبر والأكثر تأثيراً في الثقافة العربية الحديثة (الثقافة العالمة)، ويقف وراء هذه الشهرة حقيقة ترجع إليها الإخفاقات الكبيرة التي أصابت المشروع النهضوي وموته، كونها تيارات فوقية لم تفلح في أن تستحوذ على عقول الجماهير. أما التيار الثاني فيسميه تيار الثقافة المتكاملة، ويصفه بأنه تيار الأصالة الفكرية والاستمرارية الحضارية، وينهل من رؤية معرفية إسلامية، وهو يمثل الواقع الثقافي كما تجلى في التاريخ، وهو تيار يلتزم بالأصول والحفاظ على الهوية ويطرح منهج التأصيل منهجاً معرفياً عبر رد المتغيرات التاريخية والمعرفية إلى أصولنا وكلياتنا الثقافية التي بلورتها التجربة المعرفية الخاصة عبر عقود طويلة. وقد جرى العمل على تغييب ووأد هذه الحالة الثقافية التي ظلت مستمرة ولم تخرج من ساحة الفعل والتأثير، وبقيت نتاجات هذا التيار فردية قام بها باحثون وأدباء ومثقفون متفرقون، ويضم هذا التيار علماء ومفكرين (أمثال الكوثري ومصطفى صبري ومحمود شاكر ومن المحدثين الندوي والبوطي والقرضاوي)، وأكاديميين في تخصصات متنوعة حافظوا على التراث، ودعاة وأئمة، وباحثين نقاداً التزموا خطاباً نقدياً تأصيلياً (أمثال المسيري وطارق البشري)، ويستعرض خصائص هذا التيار التي تنضوي تحت عناوين التمسك بالهوية الثقافية والرؤية التكاملية للثقافة العربية، والموقف المعادي للحضارة الغربية، والتأصيل في معالجة الشؤون الثقافية، ويختار من نماذج هذا الفكر التأصيلي محمود محمد شاكر، وشيخ الإسلام مصطفى صبري، مستعرضاً بالخصوص مواقفهما من الفكر النهضوي ورجاله. أما التيار الثالث فهو التيار السلفي، تيار الثقافة الاختزالية الانتقائية، وقد أنتجت هذه الثقافة رؤية ضيقة للعالم عاجزة عن إدراك الواقع الحديث بتشعباته المختلفة، وقد طور هذا التيار مفهوم البدعة وحوله إلى مفهوم رقابي شمولي على الفكر والثقافة، وألغت الرؤية السلفية إمكانية التعددية في الرؤى والمواقف، وظهرت حالة من الفرز تستند إلى مبدأ الولاء والبراء الذي تحول إلى مبدأ يحكم علاقة المسلمين بعضهم ببعض، وكان من آثار هذا التيار تعزيز التيار النهضوي الانقطاعي، والتقليل من شأن العقل وتعطيله بحجة الدفاع عن الوحي، وأخرجت الثقافة السلفية علم الكلام والتصوف من دائرة العلوم الإسلامية، كما أسست للصراعات البينية المذهبية والطائفية وفتحت الباب أما التكفير والتكفير المضاد. الخروج من أزمة الثقافة العربية الحديثة يلاحظ الباحث أن أكثر من يتحدث عن الأزمة هم ممثلو الفكر "النهضوي" على اختلاف مشاربهم، وتتمثل الأزمة في عجز النهضة عن تحقيق مشروعها، الذي ولد نتيجة صدمة الغرب أو الحداثة، واعتبار أن الخروج من الأزمة مرتبط بتبني هذه الحداثة إذ تمثل الإمكانية الوحيدة للتطور التاريخي، ويتطلب ذلك قطيعة مع الإرث التاريخي التراكمي، ويتكرر هذا المعنى بصيغة مختلفة عند منظري النهضة وفكرها، لكن الأزمة كما يرى الباحث ليست أزمة الثقافة العربية أو الإسلامية، إنما هي أزمة المثقف النهضوي الخاصة يسقطها ويفرضها على المجتمع والثقافة العربية، فالمثقف النهضوي هو وجه الأزمة وعنوانها وهو صورتها المتجسدة واقعاً في الثقافة العربية. وهذا التوصيف – فيما يرى- لا ينطبق على تيار الثقافة المتكاملة المرتبطة بجذورها العقدية والمعرفية، وهي الممثل الحقيقي لهوية الأمة الثقافية، وتبقى كذلك سبيلها للخروج من أزمة طال عمرها واستشرت في جسد الأمة. فالإنسان العربي البسيط عاش هذه الأزمة وتشربها وخرج منها بطريقته الخاصة بعفوية وبأشكال مختلفة، كالتحدي والاعتزال (البيئات المحافظة والمنغلقة) أو التحدي والمواجهة (العنف)، أو قبول الحداثة في تجلياتها الشكلية فقط والمفروضة في نمط الحياة في المدن مع المحافظة على العالم القيمي والهوية والعلاقات الاجتماعية (القطاع الأكبر من الجماهير العربية). لقد فشلت الحداثة في أن تكون نمطاً فكرياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً عاماًَ في بيئتنا العربية والإسلامية، وتحولت أزمة الثقافة النهضوية إلى أزمة عامة في الثقافة العربية الإسلامية، وتم ربط مفهوم النهضة بالحداثة لإملاء حتمية إجراء تعديل جذري في البنى الفكرية للثقافة العربية، وإعادة بناء التاريخ وفقاً للرؤية التقدمية، فتحولت الثقافة النهضوية التقدمية إلى أداة هدم وتدمير، فهي ثقافة الانقطاع. وبينما بنى التيار السلفي نموذجه الخاص للحياة العربية، فإن تيار الثقافة المتكاملة الذي لم يتبلور كلياً ولم تنضج معالمه بعد يعبر – كما يرى الباحث - خير تعبير عن الرؤية الثقافية الناضجة، إذ ينطلق من الإقرار بمرجعية الحياة العربية المتمثلة في مصادر التشريع العقدي والقانوني، والأخلاقي والسلوكي ممثلة بالكتاب والسنة، وينطلق في رؤيته للمستقبل من إدراك عميق للخصوصية الثقافية ويعمل على الحفاظ على الهوية. ويدعو الباحث إلى تعميق وتعزيز المنهج التأصيلي الثقافي، والتخلي عن عقيدة (التقدم) المهيمنة على الرؤية التاريخية، فالنهضة لا تتطلب قطيعة مع الذات والتراث إنما على العكس تتطلب تأكيد المقومات وتفعيلها، فلا حياة للإنسان بدون معتقد ديني، وغاية الوجود تختلف لدينا عن غاية الوجود التي حددها الغرب لنفسه، فيمكننا الحصول على ما هو من ضرورات الحياة من صناعات، ولا تتوقف النهضة على الصناعات الحديثة. فالخطوة الأولى نحو الخروج من أزمة الثقافة العربية تتمثل في إدراك الذات وتحديدها استناداً إلى ماهية الحياة العربية المتمثلة في الإسلام، ولا يمكن أن نجد الحل لدى الغرب لاختلاف الرؤية للعالم ولوصول التجربة الغربية على المستوى الفكري والمعرفي إلى نهايتها، والثقافة الإسلامية اليوم هي الوحيدة المؤهلة بين ثقافات الشعوب المختلفة لتحقيق النموذج الذي تزداد حاجة البشرية إليه، وتمثل العولمة فرصة لتحقيق عالمية هذه الثقافة إذا تحققت شروط ومقدمات لا بد من توافرها، لكن لا بد من بناء النهضة على الطريقة غير الغربية، والبدء بالإنسان القادر على صنع النهضة، وأن تعود الثقافة العربية على مستوى الفعل والتأثير لتكون امتداداً وتعبيراً عن عمقها الوجودي والقيمي، وبناء النموذج الحضاري ليس انقطاعاً عن العالم بل ينبغي الانفتاح على الغرب والتفاعل معه بكل جرأة وشجاعة بعد أن نكون ذوات مكتملة. هل تفكيك مقولات النهضة يخرج الثقافة من الأسر لقد أشرت في المقدمة سابقا إلى أهمية الأسئلة التي شرع الباحث في معالجتها، بل ومحورية الإجابة عليها في البناء الثقافي المعاصر، ولهذا الاعتبار رأيت أهمية المراجعة والنقد، وقد وفق الباحث إلى حد كبير في نقد وتتبع مقولات الفكر العربي المعاصر والكشف عما تستبطنه من رؤى تحول دون تحولها إلى ثقافة اجتماعية، لكن الذي أعاق جوانب كثيرة في معالجته هو منطق الاصطفاف الذي صدرت عنه هذه المعالجة، فالرصد والتتبع والنقد والتفكيك كان يمكن أن يكون أكثر دقة وشمولاً وحيادية لو أن الباحث لم يقف طرفاً في المعالجة، فتبنيه لما سماه تيار "الثقافة المتكاملة" حال دون نقد هذا التيار نقداً كان يمكن أن يسهم في تطويره وتقديمه بعلمية وانسجام أكبر، كما جعله يتبنى مقولات الرموز التي انتقاها والتي لا تعبر بدقة عن المفهوم الذي قدمه للثقافة المتكاملة، فهاجم المدرسة الإصلاحية من منطلقات من تبنى رؤيتهم، وتعسف في إرغام مقولاتهم على الانتساب إلى مفهوم التقدم، بينما تكشف التفسيرات التي حاول تأويلها لاستخدام محمد عبده لمفهوم السنن كي يصنف هذا التصنيف، أنه كان ينتمي في تأويلاته هذه إلى تيار في الثقافة المتكاملة، ففهم محمد عبده للسنن كما أوله الدكتور شريح هو فهم معتزلي، وكونه رأى في اختيار هذا التأويل تناسباً مع مقولات العلم في عصره لا يعني انتسابه إلى مقولة الزمن التقدمي، وتأويلاته للمعجزات وغيرها إن كشفت عن تأثره بعلوم عصره لا تعني تبنيه مقولة تجعله يرى في الدين آفة أو أنه ينتمي إلى ثقافة الانقطاع، ودعم هذا التصنيف له برسائل أخفيت أو كانت مجهولة من تاريخه أو أحداث ومقولات نقلها خصومه، فضلاً عن كونها لا تصلح علمياً لأن تكون مستنداً وتقدم على أنها تعبر عنه مقابل مئات الصفحات من النصوص الصريحة التي كتبها معبراً فيها عن رؤاه، فإنها مقولات وأحداث إن صحت وفهمت كما يراد من توظيفها فينبغي أن تفهم في سياقها أو ينظر إليها في ضوء التطور التاريخي أو التحولات الفكرية التي يمر بها أي مفكر، أو تفهم في ضوء نصوصه الأخرى، وبالتالي فتصنيف المؤلف للمدرسة الإصلاحية ضمن تيار الحداثة والانقطاع لا تدعمه الحجج التي قدمها مختصرة ومتعسفة في التأويل، كما أنها تستند إلى مقولات من اصطف إلى جانبهم، وهذه الملاحظة لا تلغي وجود بعض رموز الإصلاح ممن يمكن أن تنطبق عليه دعواه، لكن لا ينبغي التعميم بهذا الشكل على جميع الرموز. وقد انعكس تعميمه أيضاً في تصنيفه الثلاثي للتيارات التي سادت الثقافة العربية الحديثة، والتي يمكن للمدقق أن يجد رموزاً تنتمي إلى جميعها، ففي هذا التصنيف تعميم وشمولية تظلم كثيراً من الرجال والشخصيات، على اعتبار أن تصنيفه يحمل تقييماً حاداً وفرزاً يحكم بالسلبية المطلقة أو الإيجابية المطلقة، فليس كل من دعا إلى الإفادة من الحضارة الغربية والتفاعل معها قد تبنى رؤاها، وليس كل من انتمى إلى الثقافة المتكاملة تبنى عداء الحضارة الغربية، وليس كل من انتمى إلى التيار السلفي كان بالصورة التي رسمها الباحث، بل إن هناك من الشخصيات المهمة من يجمع بين ميزات إيجابية موجودة في التيارات الثلاثة التي ذكرها، على أنه لم يذكر إيجابية واحدة لغير التيار الذي تبناه، كما لم يلحظ سلبية واحدة في تيار الثقافة المتكاملة. ورغم أن الباحث أدخل الفلاسفة على اختلاف مذاهبهم، والمذاهب الفقهية والكلامية على تنوعها في التاريخ الإسلامي ضمن مفهوم الثقافة المتكاملة إلا أنه لم يقبل في العصر الحديث التيار الإصلاحي كجزء من هذه الثقافة المتكاملة، والتساؤل المطروح: أليست التيارات الفلسفية في التاريخ الإسلامي كانت تمثل تياراً يدعو إلى قطيعة وأفكار لا تقل خطورة عن قطيعة دعاة الحداثة اليوم، ومن ثم تم تكفيرهم من قبل الإمام الغزالي وبعض المتكلمين؟ بينما لم يكفر رموز الثقافة المتكاملة من المحدثين رجالَ الإصلاح رغم نقدهم الشديد لهم؟ فمن هو الأولى بأن يصنف ضمن تيار الثقافة المتكاملة؟. إن وجود روح حضارية ورؤية إسلامية للعالم حكمت الثقافة الإسلامية عبر التاريخ قضية لا يمكن القفز عليها، لكنها لا تلغي أنساقاً في هذا التاريخ كانت تحمل مشاريع لا تقل خطورة على الثقافة الإسلامية عن مشاريع الحداثة اليوم، وقد تم احتواؤها عبر هذا التاريخ، فهل نفيها اليوم يمكن أن ينسجم مع مفهوم الثقافة المتكاملة؟، دون أن يعني ذلك الإقرار بطرحها وإشكالياتها. لقد تفاعلت الثقافة الإسلامية مع العالم عبر التاريخ، وكان كل احتكاك مع ثقافة جديدة يترك أثراً ويخلق تيارات قد تتطور إلى القطيعة، والأمر نفسه هو الذي حدث في القرنين الأخيرين، فالصدمة بالغرب وجدت، والعالم الإسلامي كان في مرحلة تفكك، والهوة كانت واسعة، وإن لم يكن ثمة انحطاط شمولي بالصورة التي رسمت فالفارق كان شاسعاً، وطبيعي أن تختلف درجات التفاعل مع هذه الصدمة، ولو انتظر المثقفون بناء الذات كشرط للانفتاح والتواصل مع الغرب، والذي وضعه الباحث، لكان العالم الإسلامي اليوم أكثر بعداً عن الثقافة المتكاملة اليوم، فلم يكن ثمة خيار غير اتخاذ موقف ما وقد تنوعت هذه المواقف، لكن خيار الانكفاء على الذات كان خياراً فيه الكثير من العدمية، وخيار التبني الكامل والاستسلام للصدمة كان خياراً تدميرياً أيضاً. وبالعودة إلى "الثقافة المتكاملة" فقد ترددت في الكتاب بين أن تكون تياراً ممتداً في عمق التاريخ ولم يغب عنه لحظة، وأنه تيار يمتلك الوضوح في الموقف من صدمة الحداثة، وبين أن تكون تياراً لم يكتمل بعد وتم تغييبه ولم تتضح معالمه، هذه المراوحة في وصف هذا التيار تؤكد وجود تعميم في تصنيف التيارات الثلاثة في الثقافة التي ترددت في الكتاب بين أن توصف بأنها "الثقافة العربية" أو "الثقافة الإسلامية" أو "الثقافة العربية أو الإسلامية"، كما غابت عن الكتاب رموز مهمة لاسيما في السياق الإسلامي، ولا يبرر هذا الغياب احترازات الباحث في ضبط اختياراته، ففي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لم يكن ثمة فصل جغرافي بين العالم العربي والإسلامي لاسيما في الشأن الثقافي، فالتواصل كان مستمراً، فشخصيات مثل: النورسي والقاسمي ومحمد إقبال وغيرهم كثير لم يوجد لهم ذكر في الكتاب، ولهم رؤى قد يستعصي تصنيفها في أي من التيارات، بينما حضر من هو أقل منهم أهمية بكثير، كما صنف ضمن تيار الثقافة المتكاملة من يتبنى مقولات المدرسة الإصلاحية ودعاة التجديد لكنه قدم نقداً للمقولات الحداثية في الوقت نفسه، فالمسيري مثلاً تتنازعه التيارات الإسلامية والعلمانية في آن واحد، وله من المقولات ما لا يرضى عنه التياران، فبأي معيار يمكن تصنيفه. إن تفكيك مقولات المنظومات الفكرية لاسيما مقولات النهضة والإصلاح والفكر المعاصر تعتبر مدخلاً علمياً للبناء الثقافي والنهضة الحقيقية، لكن هذا التفكيك لا يخرج الثقافة من أسر الثقافة الغربية إذا تم من نسق آخر لثقافة أسرت ضمن منظور مغلق لا يعترف بالتحولات القسرية التي آلت إليها المعرفة، ويرى في عداء الحضارة الغربية سمة من السمات التي تميز الثقافة المتكاملة النموذج؛ فتاريخ هذه الثقافة المتكاملة كما يعرفها الباحث لم تكن في الأسر الذي يكرهها عليه، إذ أن نماذج هذه الثقافة في العقدين الأخيرين أوسع وأرحب مما اختاره الباحث، وثمة نماذج للثقافة المتكاملة قدمت رؤى عميقة للإشكاليات التي شغلت العالم الإسلامي في عصرها، وكان حري بالباحث ألا يعمم رؤية النماذج التي عرضها على ثقافة عمرها قرون هي تاريخ المسلمين. وبالجملة، فإن الكتاب إذ حاول فك أسر الثقافة العربية الحديثة من مقولات الحداثة وفكرة التقدم، فقد نجح في تفكيك معظم الأفكار التي تتبنى هذا النسق، لكن البديل الذي يطمح إليه لم يتبلور بعد، وإن بدا أحياناً وكأنه لم ينقطع، كما أن الشروط التي يضعها والخصائص التي يميز بها البديل النموذج إن حررت الثقافة العربية من أسرها فإنها ستنقلها إلى أسر آخر هو ما انتقاه من هذه الثقافة المتكاملة.

تيارات الفكر الإسلامي المعاصر .. قضايا الإصلاح والتجديد

20/05/2001
بيروت ـ عبد الرحمن الحاج إبراهيم
بعد اصطدامه «بالحداثة» القريبة العهد بعنف الاستعمار، وعنف المستغربين من أبنائه، وأخيراً ـ الآن ـ عنف العولمة والنظام العالمي الجديد، توزع الفكر الإسلامي تيارات شتى، تباينت بين متمسكة بالتراث الإسلامي، رافضة التفاعل مع تحديات الحداثة الغربية، وبين متأثرة بالحداثة إلى درجة التماهي، وطيلة قرن كامل لا تزال تتطور هذه التيارات ، وأحياناً كثيرة تراوح مكانها، وعلى أعتاب القرن الجديد ، حيث وجدت نفسها أمام «العولمة» و«النظام العالمي الجديد» فإنها مضطرة لمراجعة حساباتها، واستعداداتها للتعامل مع التحديات الجديدة.

في بيروت انعقد مؤخراً مؤتمر «تيارات الفكر الإسلامي المعاصر: قضايا الإصلاح والتجديد» في المعهد العالي للدراسات الإسلامية، جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية بالاشتراك مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT)، الولايات المتحدة ـ فيرجينيا، ممثلاً (برئيس المركز اللبناني للدراسات والأبحاث الأستاذ توفيق العوجي).
افتتح بكلمة المؤتمر الدكتور هشام نشابة، والدكتور عبد الحميد أبو سليمان والدكتور فتحي ملكاوي.

في ورقته قدم الأستاذ عمر مسقاوي (لبنان) دراسة عن «التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر» ويؤكد منذ البداية اختلاف المصطلحين: التجديد، والتحديث (Modernisation)، حيث ينتمي التجديد إلى حقل الثقافة والعلوم الإسلامية، فيما ينتمي التحديث إلى السياق التاريخي والفكري الأوروبي، (بدءاً من القرن السابع عشر للميلاد). لكن المشكلة أن التطورات التي عبرت عن خصوصية التاريخ الأوروبي الديني والصناعي داهمت الواقع الإسلامي، مع أول اتصال بين أوروبا والفكر الإسلامي عبر رحلة رفاعة الطهطاوي، ومن هنا فانتهاج مصطلحات ومنطلقات مستمدة من تاريخ أوروبا في إطار البنية الثقافية التي ترسخت تاريخياً في العالم الإسلامي وهو ما يعتبره مسقاوي الخطأ الأول الذي يعتبر هبوطاً خاطئاً على مدرج العصر الحديث في بداية الاتصال مع الغرب عبر رفاعة الطهطاوي.

يختلف رفاعة الطهطاوي عن سائر «المجددين» قبله في الحضارة الإسلامية، كأبي الحسن البصري، والغزالي، وابن تيمية وابن القيم والشاطبي، وأخيراً محمد بن عبد الوهاب، الذين شكلوا - على الاختلاف ما بينهم - محطات مختلفة لمسيرة واحدة هي حركة البنية الثقافية الإسلامية في إطار مرجعياتها الثابتة المتمحورة حول النص الإلهي (القرآن الكريم).

لم يفاجئ الطهطاوي بما حمل من مناهج الثقافة الأوروبية علماءَ الأزهر، بل فاجأ مجتمعاً كاملاً يستجيب لدورهم في نعمة الاستقرار النفسي، الذي هو حاجز بين المجتمع العثماني كنمط تاريخي، وبين العالم الحديث الذي تولته قيادة جديدة في مفهوم «الحداثة» حيث بدأ هذا المصطلح يطرح وجوده في الثقافة العربية.

ويؤكد الأستاذ مسقاوي أن البداية التي كانت مع الطهطاوي فيما يتعلق «بدخول الحداثة» إلى الفكر العربي الإسلامي حكمت المسار الذي مضى فيه الفكر الإسلامي على طول مسيرته اللاحقة حتى اليوم.

ونتيجةً لدخول التعليم الحديث، نشأت ـ في مصر مثلاً ـ ثنائيتا التعليم الأزهري من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى التعليم المستمد من المناهج الأوروبية كما لاحظ سلامة موسى في كتابه «التثقيف الذاتي»، وكان ذلك شرخاً في بناء الشخصية الثقافية في مواجهة عالم مقتحم. لقد أصبحت الحركة الثقافية في العالم الإسلامي المستمدَّة من الحداثة أو من التراث الإسلامي معرضاً تعرض فيه عقد النقص تجاه الحضارة الأوروبية.

ويذهب الباحث إلى أن سائر التطورات يمكن التأريخ لها مع مدرسة الشيخ محمد عبده في نهايات القرن التاسع عشر، التي وضعت النموذج العربي مقياساً لتطور الفكر الإسلامي. وتفرع عن هذه المدرسة اتجاهان أحدهما سلفي يتمثل في رشيد رضا، والآخر علماني يتمثل في قاسم أمين.
وقد تعطَّل «التجديد» الإسلامي ـ المشار إليه في الحديث النبوي الشريف ـ على محورين:

الأول: ويمثله علماء الازهر الذين استشعروا مخاطر الاجتياح الاستعماري وتأثيره على تلاميذ المستشرقين، وقد زاد ذلك استمساكهم بالتراث، والمذاهب المتعارف عليها حتى رموا كل منحرفٍ عنها بالكفر.

الثاني: محور «التنويريين» الجدد، تلاميذ جامعات أوروبا الذين واجهوا تطور العلم في أوروبا (القرن التاسع عشر) الذي انتقل من النظر التأملي الفلسفي إلى المفهوم
الإنتاجي.

وهكذا بدؤوا انسحاباً من مناخ التراث إلى تفكيكه دون القدرة على تطويره، أو إعادة بنائه، فجاء جهدهم مغلفاً بإنتاج المستشرقين بين اتهام الحضارة الإسلامية من ناحية، وبين الإشادة بها من ناحية ثانية، إشادةً امتناع عن سبر الواقع القائم، واكتفاء بها عن الاقتباس من مستجدات العصر الحديث.
فلا حراس التراث فهموا العالم الحديث، ولا تلاميذ الجامعات الاوروبية وأضرابهم فهموا عمق التراث وتاريخيته، وأصبح سوء الفهم هذا أمارة تخلف مستمر، فقد ولّد انقساماً حاداً بين الطرفين، جعل تبادل الأفكار وتحاورها عسيراً. وأصبح الفقيه الذي عجز عن احتواء الأفكار الجديدة وضبطها ضمن معايير الثقافة الإسلامية ـ يعمد إلى سلاح التكفير والتأثيم، وهو ـ حسب تعبير الباحث ـ أمارة انهيار.
وفي الشرق الإسلامي الهندي كان محمد إقبال يطرح تجديد الفكر الإسلامي من زاوية جديدة هي خصوصية النظرة الكونية التي تتجاوز قيود ومعايير الأفلاطونية والأرسطية التي قيّدت الفلسفة الإسلامية والفلسفة الأوروبية التي تأثرت بدورها بابن رشد. حيث كان يدعو إلى مواجهة العصر الحديث، وقد تحلل التراث من قيود الزمن، انطلاقاً من النظرة القرآنية للكون والحياة السابقة على التجربة الإنسانية برمتها.
لماذا امتلأت مكتبة القرن العشرين بالدراسات دون أن تجيب على سؤال النهضة المشارِكة والقادرة على صنع المستقبل؟
يلخص الباحث الجواب بقوله: «لأن الخطاب الإسلامي التحديثي كان صدى لامتداد أوروبا أكثر مما هو صدى لحيوية تطوّره [الداخلي]. فعملية التجديد في الفكر الإسلامي يجب أن تكون ذاتية، تنطلق من ضرورات التراث وليس من معوقاته. وهذا ما يتيح لنا الاقتباس من الحضارة الغربية بالقدر الذي يتسق فيه «الاقتباس» مع بنية الفكر الإسلامي على مستوى المرجعيّات، ولو كان هذا الاقتباس «انتقائياً».

إن تطورات الفكر الإسلامي ـ التي ينظر إليها الباحث بمنتهى السلبية ـ تبدو نابعةً من مقاربة الحدث، لا التقرب إليه، في صالونات الأرستقراطية الثقافية التي تبحث لها عن مكان في زحام يتجاوزها.


«رؤية العالم» في الفكر الإسلامي المعاصر

- «العلاقة بين السلطة المدنية والسلطة الدينية» من منظور «التاريخ المقارن»: تحت هذا العنوان قدم الدكتور وجيه كوثراني (الباحث والمفكر اللبناني) ورقته، التي تناولت القضية من خلال كتابات المستشرق «برنارد لويس» وخصوصاً كتابه «اللغة السياسية للإسلام» ومحمد عمارة في تحقيقه ودراسته لكتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق. ويستنتج الكوثراني أن عمارة يستنتج من نفسه الأرضية التاريخية أو من نفس «الأدلة» التي اعتمدها لويس أن العلمانية غريبة عن الإسلام والمسلمين، بل تتناقض مع الإسلام وقواعده، في حين يستنتج لويس أن الإسلام لا يعرف العلمانية، والعلمانية مفهوم لامعنى له في السياق الإسلامي.
ويزعم الكاتب أن الواقع والتاريخ ومعطياته ودراساته الكثيرة لا تقرّ هذا الكلام الذي أضحى ـ برأيه ـ «أسطورة» بفعل التكرار والدعوة، وأن الخطابات العربية الرافضة للعلمانية تجعل من «الخصوصية التاريخية» سداً حاجباً للتاريخ، حيث يجري تشويه تبسيطي للتاريخ الأوروبي المسيحي الذي آلت صراعاته نحو العلمنة، كما يجري بالمقابل نظر انتقائي، وآحادي للتاريخ الإسلامي يتم من خلاله قطع هذا التاريخ عن مضامينه الاجتماعية وعن سياقاته العالمية، وصولاً إلى تعريف العلمانية كإيديولوجيا «معادية للدين» أو «ملحدة» أو في الأحوال المتلطفة «تغزيبيّة»!.
وفي كل الأحوال فإن رؤية الكوثراني هذه لا تتفق إطلاقاً مع ما يذهب إليه المفكرون الإسلاميون على اختلاف توجهاتهم ولا ينسجم مع «النصوص النبوية الشريفة». أي لا تتفق مع مرجعيات الواقع ولو فرضنا أنه حدث هذا الانفصال بين الديني والسياسي صحيح واقعاً، ولكنه يبقى غير ممكن قبوله نظرياً (فقهياً).

والواقع العملي ـ حسب الكوثراني ـ أنه عندما «يستقوي أهل الدولة بالدين، يستقوي الخارجون عليه به؟».
- «الحتميات المؤتلفة والإمكانيات الأخرى»:
المفكر اللبناني رضوان السيد اختار أربعة مشاهد ومواجهات ثقافية عربية جرت ثلاثة منها في مصر على مدى القرن العشرين، لبلورة الأطروحة التي ذهب إليها حول الطبيعة العقائدية لهذا الفكر، فكر الذاتية والهوية، وعلاقة وعي الهوية «برؤية العالم» كمفهوم فلسفي، والإمكانيات الأخرى التي تفتّح عليها المشهد في تسعينيات القرن العشرين.
يذكر الأنثربولوجي المعروف مايكل كيرني Michael Kearny أنه لم يعد من الممكن دراسة التصورات حول الثقافات في تكويناتها، والعلاقات فيما بينها، إلاّ بالاستناد في ذلك ـ وخاصة في المسائل العلائقية ـ إلى بحوث وفرضيات «رؤية العالم» أو رؤاه. وكان هذا المصطلح: «رؤية العالم» “Weltamschauumg” قد ظهر للمرة الأولى في كتابات الفيلسوف والمؤرخ الاجتماعي الألماني وليم دلتاي “Wilhelm Dilthey” ثم شاع في أوساط الأنثروبولوجيين والمؤرخين منذ القرن التاسع عشر، بحيث صار اليوم إحدى المقولات الكليّة التي تدخل في مضمون الثقافة. وقد صنّف السوسيولوجي الألماني الكبير ماكس فيبر Max Weber (1864-1920م) تلك المقولة في مستويين: يتعلق المستوى الأول بما أطلق عليه دلتاي اسم «الصورة الكونية» التي تؤلف الكتلة الأساسية المعتقدات والمسلمات الافتراضية عن العالم الحقيقي والواقعي، والتي يمكن في ضوئها الوصول إلى إجابات شافية عن التساؤلات حول مغزى الكون والوجود، أو ما يُعرف بروح الحضارة. ويتعلق المستوى الثاني بالسياق التصوري الواعي والإرادي، الذي تضع فيه الذات الجمعيةُ نفسها ضمن تقسيمات العالَم الواقعية أو المركبَّة من النواحي الثقافية في الأصل؛ لكن أيضاً من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والسياسية.
يركز السيد على أن ما هو بصدد بحثه المستوى الثاني المتعلق بالتركيبات الراهنة للعالم، والتي ألجأتنا للعودة إلى «الصورة الكونية» أو إلى المستوى الأول أو الأساسي. إذاً استناداً إلى وعي هؤلاء الذين مثلّوا المشهد الثقافي الإسلامي (يقصد: محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا، وجماعة إسلامية المعرفة)، لأحداث العالم وتركيباته، وترتيباته، ومواقع المسلمين فيه، حدّدوا إشكالية المسلمين بأنها التخلف في سائر المجالات، كما حدّدوا الحل، وهو التقدم.

على أن المفكرين الإسلاميين بدأوا يتخلَّون عن هذه الفكرة، أو عن هذا التحديد للإشكالية منذ الثلاثينيات من القرن العشرين، وليس بالوسع القول إن هذا التخلي سببه عجز المسلمين عن التقدم؛ بل الأمر أعقد من ذلك، فالتقدم عند النهضوي الإسلامي يستندُ في مفهومه إلى مقاييس غربية. وبتلك المقاييس يمكن القول إن المسلمين كانوا يتقدمون. لكن مرّةً أخرى؛ فإنه بالمقاييس الغربية أيضاً، ما كان ذلك كافياً ولا شافياً، بدليل عدم القدرة على الوصول إلى حلٍ لإشكالية المسلمين مع الغرب من ضمن التركيبات العالمية التي كانت سائدةً آنذاك، والتي تركت أثراً عميقاً في وعي المسلمين، وبالتالي في تكييفاتهم للأوضاع القائمة في العالم الإسلامي. وقد بلغت تلك التأثيرات إحدى ذراها في ضياع فلسطين من جهة، وعدم نجاح التجربة الباكستانية من جهة ثانية.
لقد كان بالوسع ـ طبعاً ـ ذكر أمثلة للنجاح: ظهور الدولة الأندنوسية التي توحدّ جذرها طوال التاريخ. وتوحدت في الخمسينيات، كما كان بالوسع ذكر الدول الإسلامية الكثيرة التي ظهرت واستقلّت، وكان بالوسع أيضاً ذكر حركة عدم الانحياز التي وضعت المسلمين في قلب حركة عالمية كبرى.. ولكن الوعي اتخذ مسارب أخرى أوصلت «رؤية العالم» لدى المفكرين الإسلاميين إلى حدود المستوى الأول، حدود الصورة الكونية: مغزى الوجود والكون. فظهرت تصورات الاستخلاف والتكليف والحاكمية، والتي وضعت الوعي الإسلامي في سياق العقائدية، سياق الهوية والخصوصية. فما عادت مسألة التقدم كافيةً لمعالجة الإشكال، وصار مطلوباً «تحقيق الذات» للنضال المباشر، وبإعادة بناء التصور، وبتحديد خصائص ذلك التصور، سبيلاً لنضال من أجل إنجازه على أرض الواقع. فعدمُ الارتياح إلى الترتيبات والتركيبات السائدة في العالم على كل المستويات، أنتج وعياً مزدوجاً: الانزياح باتجاه التاريخ من جهة، وعدم الاطمئنان في الوقت نفسه إلى الطهورية الكاملة لذاك التاريخ، ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه المفكرون الإسلاميون يُرجعون استكشافات النهضويين للتاريخ الإسلامي، كانوا في الوقت نفسه يبتعدون عن أفكارهم ومسلّماتهم باعتبارها ذات مرجعية غربية. ومن هنا كان لجوؤهم بإلحاح تأصيلي إلى النص نفسه. وبذلك اكتمل خطاب الحتميات لدى الإسلاميين في الوقت الذي كان يكتمل فيه ذلك الخطاب لدى القوميين و الاشتراكيين في تناغم غير واع مع السائد عالمياً في الحرب الباردة. وهكذا فالبنية الأساسية لوعي العقائديات والحتميّات لدى سائر التيارات الفكرية والسياسية العربية (دون استثناء) كانت واحدة.

لكن المشهد بدأ يتغيّر ويختلط في مطلع التسعينيات؛ انهار الاتحاد السوفيتي، ونشبت حرب الخليج الثانية، وازدادت علائق المسلمين بالعالم سوءاً، بحيث ظهرت مقولة هنتنغتون حول صراع الحضارات، وحول التخوم الدموية للإسلام، ثم توالى ظهور المشروعات الاستراتيجية ذات الأبعاد الثقافية حول الحضارات، والنظام العالمي الجديد، وثقافة السلام، والتعددية الثقافية والسياسية.. والعولمة، وقد اعتبر الإسلاميون والقوميون والبقية الباقية من اليسار ذلك كلُّه لغير صالحهم؛ وخاصةٍ تلك الهيمنة الأمريكية الطاغية في الاستراتيجيا والأمن والقيم السياسية والثقافية. لكنهم بعكس ما فعلوه حتى الثمانينيات، أقبلوا على مناقشة الأمور كلّها، وإعادة النظر في المسلّمات، وطرح الأسئلة على أنفسهم وعلى العالَم. لقد انفجرت الحتميات في أحضان كل التيارات، وبدؤوا يغادرون ساحَ المعارك الأيديولوجية، وانفتحت البيئات الفكرية والثقافية والأدبية على آفاقٍ شاسعةٍ من التغيير، تشكّل مخاضاً حافلاً بشتى الاحتمالات والإمكانيات. وشأن المخاض العربي والإسلامي في ذلك شأن كل مخاض تختلط فيه وجوه خطرات وخطوات التقدم والتراجع والتردد والتشبث والقلق. لكن فيما عدا تلك القلة المطمئنة من الراديكاليين (الثوريين)؛ فإن الظاهر هو الإقبال الشديد على التغيير والتجديد، فقد أقبل الإسلاميون منذ السبعينيات على إصدار الدساتير والإعلانات الإسلامية لنظام الدولة ولحقوق الإنسان ولحقوق المرأة والطفل. وصارت تلك الإعلانات في التسعينيات شأناً عربياً وإسلامياً عاماً. وهي تعتبر مراجعةً نقدية لوعي القطيعة السابق، وهي تطلع صارخ للمشاركة في قيم العالم والعصر.

إن ما نشهده منذ عقد إنما هو مخاض، فهو لا يملك ملامح محددة أو نهائية، وإن مسألة الانكماش على الهوية والخصوصية ما عادت متحققة، وإن كانت هناك ظواهر تدل على مطلب «الطهورية»، وربما كانت ترتيبات النظام العالمي الجديد، والعولمة قد تحول دون الانفتاح الإيجابي، على عالمٍ تهيمن فيه وعليه قوىً غاشمةً.

أخيراً يستشهد الكاتب بابن تيمية في كتابه «الرد على المنطقيين»، مناقضاً بذلك أرسطو، بقوله: إن الحاضر والموجود والعيني هو الجزيء وليس الكلي. فليس صحيحاً ما قاله أرسطو من أن الماهية سابقةٌ على الوجود، وليس صحيحاً ـ استطراداً ـ أن تعريف الشيء فرعٌ عن تصوره، وليس دقيقاً أنني أفكر فأكون ثم تكون أنت، بل إنني والآخر متحاذيان، ومتحايثان، يُنتج أحدنا صنوه، في الوقت نفسه. وتكون المفارقة عندما يتجه الآخر للتحقق بدونك، فلا تكون.
وقد لا تكفي ظواهر التغيير التي تحدثنا عنها للوصول إلى تبدل في «رؤية العالم» أي في عالم الثقافة، قد حدث. لكن الحتميات قد سقطت، ونحن نخرج من الأزمة، ونتجه للبحث عن إمكانياتٍ أخرى للتحقق والتحقيق.

- مستقبل الخطاب الإسلامي:

بدت قضايا «الإصلاح» و«التجديد» بمثابة القضايا الرئيسية في الفكر الإسلامي عبر رحلته الطويلة، ذلك أن الإسلام جعل ذلك من كلياته التي لا تتبدل ولا تتغيّر، أي من سنة الله تعالى في الأرض، جاء هذا الكلام في الورقة التي قدّمها الدكتور عز الدين عمر موسى (السودان) الأستاذ في جامعة الملك سعود، الرياض. الذي يقول إن ذلك جاء في صحيح السنة النبوية. في قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها». وهكذا تميّز المجتمع المسلم بظهورٍ دائم لحركات إصلاحية تجديدية متتابعة زماناً ومتعددة مكاناً في الزمن الواحد... وناشدةً تغييراً شاملاً.

وفي هذا السياق يجب التمييز بين أمرين، الأول هو التمييز بين الثابت والمتغير في الفكر الإسلامي، فالثابت هو الوحي، وإن اختلف الزمان والمكان والسكان، والمتغير هو تطبيق الوحي وتفهمه من البشر. والثاني: أن الفكر التجديدي في جوهره فكر مستقبلي، يسعى إلى تجاوز الواقع المعيش ، مستشرفاً بناء مجتمع جديد على هدى فهم جديد للثابت. ولهذا يصعب الحديث عن مستقبل الخطاب الإسلامي من غير النظر في تجليات الفكر التجديدي الحديث والمعاصر، وتبين مواطن نجاحاته وإخفاقاته لأخذ المفيد منها، واعتماده في رؤية مستقبلية تقوم على الثابت في الإسلام.وهذا مشروع ضخم لم يتم إنجازه بعد، وكل ما حدث هو فتح نوافذ عليه.
يرى الدكتور عز الدين أن الرأي السائد، ولعقود طويلة غير صحيح، والذي يتمثل في أن الفكر التجديدي الحديث بدأ استجابة لتحدي الغرب العسكري ثم تفوقه الحضاري... وعادة ما يحدد الدارسون المحدثون ذلك باتفاق كوتشك كيناجي (Kachak Kaynarja) مع العثمانيين، وحملة نابليون على مصر، وخير الدين باشا في تونس... ولا ريب أن هذا نمط تجديدي مبكر سعى المصلحون فيه لاكتساب آليات المنعة وأدوات التقدم المادي من أشياء الغرب ذاته.. ولكن ليس هو الأسبق ولا الأوحد.. فحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي سعت لتجديد العقيدة، فكراً وممارسةً، ومحاولة أسلمة الدولة مع الشيخ عثمان دان فودى وأضرابه، وتغيير المجتمع بتزكية النفس مع السنوسية والبكائيين ورصفائهم، والعمل على التجديد بإحياء العلم الإسلامي في اليمن والهند.

في كل الأحوال فإن الأنماط التجديدية المتعددة هذه أفرزت عدداً من الإيجابيات، أولها التوكيد على الهوية الإسلامية المتميّزة للأمة، والمتجسّدة في صيرورتها التاريخية عبر الحقب. لكن ، ونتج عن ذلك تمسك بالتراث شديد، وتعصب له عظيم، وحرص عليه كبير، فبُعث التراث مجدداً. وثانيتها الإقبال على فتوحات الحضارة الحديثة باستيراد أشيائها، واقتنائها واستخدامها واستنبات بعض مؤسساتها، وشيء من نظمها.. وثالثتها التعبئة الشعبية الناجحة التي أنجزت التحرير السياسي، وأسهمت في بناء دولة الاستقلال باستثناء فلسطين.ومع ذلك ولدت سلبيات نتيجة لتغاير منطق التجديد بين كل تلك الحركات، فبينما كانت نتيجة بعض هذه الحركات تقديس التراث الذي هو المتغيّر في الإسلام مما أدى إلى إعاقة حركة التجديد مرّة ثانية، كانت بعض الحركات التجديدية قد أدت إلى استيراد أشياء الحضارة الحديثة ـ دون انتقاء أو إعادة استنبات ـ تتسرب معه قيم المنتج لها، وتصوراته ومفاهيمه.. وأدى ذلك إلى التصادم بين الأصيل والموروث، والدخيل والوافد.

إن منطق اليوم في عالم مطلع القرن الجديد ، غيره عن عالم القرن الميلادي المنصرم، فتحديات الأمس تتلقاك اليوم أوسع انتشاراً، وأعظم تأثيراً، وأشد فتكاً، ذلك، لأن الثورة الصناعية الثالثة المتمثلة في تقانة الاتصال، أفضت إلى ثورة معلوماتية هائلة مخيفة، واتصالات متعددة متنوعة ضاغطة رهيبة.. ولم يعد العالم قريةً واحدةً فحسب، بل حجرةً واحدة! وأصبحت الحضارة الغربية الغالبة طاغية بقيمها وأشيائها، وأصبحت حصون هويات الآخرين مفتحة النوافذ، بل مشرعة الأبواب، حتى عند ما يعرف بالعولمة ـ بعد انهيار النموذج الاشتراكي المتجسد في تفكك الدولة السوفياتية ـ فما هي إلاّ تحول كمي وكيفي في تدويل العالم تحت سيادة الحضارة الغربية في مرحلتها الأمريكية.

إن المسألة الفكرية هي القضية المركزية في مستقبل الخطاب الإسلامي، وهي قضية لا تجدي معها الشعارات ولا الخطاب العاطفي ولا الخطاب التهييجي ، بل تحتاج إلى دراسات علمية متخصصة ورصينة ويتبعها تخطيط شامل دقيق.
المطلوب من هذا الفكر تخطي الماضي «المتغيِّر» (في الإسلام)، وفكُّ الاشتباك بين الثابت والمتغيّر.
إن هناك تياراً رائداً في الفكر، استطاع فك الاشتباك المذكور باقتدار، مستصحباً الأول (الثابت) ومسترشداً بالثاني (المتغير).. بدأ في المدرسة الفقهية السورية؛ خافتاً في المبتدأ (محمد المبارك، ومصطفى السباعي، والدواليبي) ثم بارزاً مع ختام القرن الميلادي الماضي (د. مصطفى أحمد الزرقا) ولكنه أيضاً وضح في المدرسة الفقهية المصرية مع الشيخ محمد الغزالي في أواخر حياته، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور محمد سليم العوا (في اجتهاداته في الفقه السياسي). ثم أخيراً التجربة الإسلامية السودانية.
السؤال الذي يسميه عز الدين موسى السؤال الصعب هو: كيف يتم التغيير بلا تربية فردية في عالم لم يعد الطفل ولا الفرد حكراً على الأسرة أو المجتمع؟..

في ورقته عن مستقبل الخطاب الإسلامي، يتناول الباحث السوري محمد جمال باروت «مستقبل الفكر السياسي الإسلامي على أعتاب الألفية الثالثة» تحدث باروت عن العلاقة الإشكالية بين «الدين» و«الدولة» التي تبلورت في صيغة «الدولة الإسلامية» منذ أواخر العشرينيات في القرن الماضي، وعلى أساس هذه الصيغة ثارت قضية العلاقة بين الدين والدولة في الفضاء الفقهي السياسي الإسلامي، بعدما كانت إشكالية متبلورة في الفضاء الثقافي الغربي. إن هذه المرحلة الجديدة من تاريخ الفقه الحركي المعاصر، تدخل لحظة تحول مصيرية في العالم، فثمة تحديات جديدة تفرض نفسها، تتعلق في تطوير فهمها للشورى وإلزاميتها، وللعمل السري والعلني، والسلمي والجهادي المسلح، وعلاقتها مع الآخر.

الدكتور أحمد الموصلي (لبناني) في بحثه عن «مستقبل الخطاب الإسلامي في ظل الديمقراطية والعولمة والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وشرعية الدولة في مقابل مشروعية (الثورة)» يبدأ حديثه بالتوقع بأن يؤدي الدين في النظام العالمي الجديد دوراً أساسياً في السياسات الدولية والإقليمية، سواء تمظهر هذا الدين في حركات إسلامية شعبية، أو ظهر كعنصر ديناميكي من عناصر الحضارات العالمية. لذى نرى اليوم أن توليفات التمدن والعلمنة والعقلانية تترنح أمام العولمة وما وراء الحداثة والروحانية. ويشهد فجر القرن الحادي والعشرين سيطرة الرأسمالية المتمركزة والتكنولوجيا المخترقة للحدود، ويشكّل كلاهما تهديداً متنامياً لمفهوم الدولة القومية ولايديولوجيتها السياسية القومية. إذ إن الروحية الرأسمالية والتكنولوجيا مناقضة لروحية الدولة القومية وحقائقها، إلاّ أن المطالب الشعبية سواء منها المحلية أو العالمية لا تزال تدور حول التمكين السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحول مسائل المشروعية والشرعية وإعادة النظر في دور الدولة وماهيتها. ومن هنا يمكن النظر إلى ظاهرة الأصولية الإسلامية على أنها نموذج تلك الحركات الشعبية ذات التطلعات الدينية أو الحضارية والمشكلة في أخلاقيات التكنولوجيا والرأسمالية والداعية إلى التمكين الشعبي وإلى شرعية مغايرة لشرعية الدولة القومية. إن مستقبل الخطاب الإسلامي يرتبط بشكل وثيق بخطاب الحركات السياسي حول الديمقراطية (الشورى) التعددية.
يوظف الإسلاميون عموماً مبدأ «التوحيد» العقدي، على أنه من الناحية العملية مبدأ تمكين الأمة أو استخلافها في الأرض، أو بعبارة أخرى حكم الأمة (بالشرع). يوظف هذا المبدأ إذاً من أجل منع السيطرة على الأمة من قبل سلطات جائرة ومن أجل تأطير مفهومي (الاستقلال والسيادة) للأمة، فالخطاب القرآني هو خطاب مؤسس لولاية الأمة على نفسها، وحكمها على أمورها، والولاية هذه لا تكون مشروعة إلاّ من خلال اختيار الأمة وانتخابها لحكامها. وهكذا فإن تجليات مبدأ «التوحيد» السياسية تنظّم السلطات بين الأمة وحكامها، في مواجهة الحاكمية الفردية للسلطة المسيطرة على مقدرات الأمة وشعوبها.

من ناحية أخرى فإن البحث عن الحداثة يقوم به الإسلاميون تحت عباءة البحث عن الأصالة، إذ توظف الأصالة من أجل استحضار النظريات الغربية الحديثة وإحلالها محل التقاليد الإسلامية المعرفية. إذاً فالبحث عن الحداثة والأصالة هو أيضاً أداة تمكين، دون الخضوع للحداثة الغربية التي ترتبط في فكر الإسلاميين مع الاستعمار والإمبريالية، ومن أجل تأصيل المفاهيم الجديدة في إطار إسلامي دون الخضوع للتفسيرات التقليدية الإسلامية. فالحداثة «المؤسلمة» ـ حسب تعبير الموصلي ـ تسمح للإسلاميين بتبني التكنولوجيا والعلوم والمؤسسات الغربية التي تعزز قوة المسلمين. أمّا الأصالة «التحديثية» فهي تسمح للإسلاميين بالنأي عما يعتبرونه قوى محلية وعالمية ظالمة، أو غير شرعية أو متسلطة. وهكذا فإن الهوية الأصولية الإسلامية تستمد من نص راسخ (قرآني) يوظف الاستعلاء الأخلاقي والمعنوي ومن حداثة مؤسلمة تزودهم بوسائل استكمال جمع القوة المادية، ومن أصالة تحديثية تميّز الأمة الإسلامية عن باقي الأمم. إلاّ أن مثل هذه الهوية تنبع من عملية ربط القراءات أو الخطابات الدينية بسياقاتها التاريخية، وبالتالي رفض قطيعة دلالتها لجميع أجيال المسلمين.

إن دور الدين في السياسات العالمية في كل حال يظهر جلياً في الصراع العربي الإسرائيلي والثورة الإسلامية في إيران، وهذا لا يدع مجالاً للشك في أن للحركات الإسلامية دوراً حاسماً في التاريخ العالمي المقبل.
مهما كان من شأن هذا المؤتمر/ الندوة فيما قدمه من موضوعات تغطي بشكل سريع حركة التيارات الإسلامية المعاصرة بشكل كلي، ولكن يبقى أن أسئلة المستقبل للخطاب الإسلامي تستحق بمفردها مؤتمرات وحلقات نقاشية وندوات كبرى إذا ما رمنا - البحث بحق – في وجودنا المستقبلي في العالم الجديد.

محمد أراكون والتراث "نموذج حداثي تجاه التراث"

د/ أحمد محمد زايد

أراكون اسم لامع في سماء أهل الحداثة، بل في الفضاء العلماني عموماً، ويظهر أراكون في هذه الفضاءات تحت عنوان كبير لافت، تظهره مؤلفاته العديدة، على أنه مشروع يرمي إلى "إعادة كتابة جديدة لكل تاريخ الفكر الإسلامي والفكر العربي" على حسب قوله، مشروع نقدي يطوف به أراكون المجامع الغربية محاضراً ومتحدثاً، وفي الناحية الأخرى تصدر كتاباته إلى البلدان العربية والإسلامية لينفث سمومه في كل مكان.

أراكون والقرآن الكريم:
لقد أخذ القرآن الكريم - باعتباره جزءا من التراث – نصيبا موفورا من اهتمامات أراكون الفكرية والنقدية يظهر ذلك من كتبه العديدة, ولم يكن هذا الاهتمام من أراكون بالكتاب دفاعا عنه ولا إظهارا لإعجازه المبهر، ولا دعوة إلى نظامه وأحكامه، إنما كان تشكيكا في صلاحية وثبوته، وزعزعة لإيمان المؤمنين به، وصدا للمقبلين عليه، وإثارة لغبار حسب أركون أنه كفيل بإيقاف مسيرة الكتاب، وتعطيل عمله في الحياة وهيهات هيهات, فأمره كما قال الشاعر:

ما ضرّ بحرَ الفرات يوما أن خاض بعض الكلاب فيه.

ولست فيما أقول زاعماً ولا متجنياً, إنما أقواله الواضحة الصريحة هي التي تدل على ما نقول كما يظهر ذلك في النقاط التالية:
أركون يشكك في القرآن بالتشكيك في مسألة "جمع القرآن" ويرى أن إجماع الأمة على صحة القرآن أمر يحتاج إلى مراجعة ونقد، وما قصة جمع القرآن إلى أسطورة مكذوبة ينبغي مراجعتها وهذا قوله تحت عنوان (النص القرآني كيفية جمعه وإعادة قراءته): "عندما ينقل محمد سورة قرآنية فإنه حينئذ ليس إلا أداة بحتة للتوصيل والنقل دون أي تدخل شخصي، إنه فقط يتلفظ بكلام الله، وهو إذن الناطق بكلام الله في اللغة العربية, كان هناك شهود وصحابة يحيطون به أثناء ذلك، وقد حفظوا عن ظهر قلب السور واحدة بعد الأخرى. يطيب للتراث المنقول أن يذكر أنه في حالات معينة فإن بعض السور كان قد سجل كتابة فورا على جلود الحيوانات وأوراق النخيل أو العظام المسطحة، الخ.. واستمر هذا العمل عشرين عاما.
كان طبيعيا، بعد وفاة النبي، أن تطرح مسألة جمع هذه السور في كل متكامل. ذلك أن زمن الفتح قد ابتدأ وأصبح الصحابة يتبعثرون في الأمصار، فكر الخليفة الأول أبو بكر بتجميع أكبر عدد من السور وكتابتها من أجل حفظها، وتم بذلك تشكيل أول مصحف (مصحف في حالته البدائية) وقد وضع هذا المصحف عند عائشة بنت أبي بكر وزوجة النبي. هذه السور القرآنية سوف تستخدم مباشرة بصيغ جدالية هدفها الصراع على السلطة السياسية. هذا ما يمكن أن نستشفه من التراث المنقول على الرغم من الرقابة الصارمة التي أحيط بها هذا التراث.
راح الخليفة عثمان (أحد أعضاء العائلة المعادية لعائلة النبي) يتخذ قراراً نهائيا بتجميع مختلف الأجزاء المكتوبة سابقا والشهادات الشفهية التي أمكن التقاطها من أفواه الصحابة الأول, أدى هذا التجميع عام 656 م إلى تشكيل نص متكامل فرض نهائيا بصفته المصحف الحقيقي لكل كلام الله كما قد أوحي إلى محمد، ورفض الخلفاء اللاحقون كل الشهادات الأخرى التي تريد تأكيد نفسها (مصداقيتها) مما أدى إلى استحالة أي تعديل ممكن للنص المشكل في ظل عثمان.
هذه هي رواية التراث، وهذه الرواية التي تمثل اليوم الموقف الإسلامي العام والتي لها قوة المسلمة التي لا تناقش ولا تمس، لنعد صياغة هذه الرواية مرة أخرى: كل كلام الله الموحى به إلى محمد كان قد نقل بصدق وإخلاص كامل ثم حفظ كتابة في المصحف المشكل زمن عثمان أي خمسة وعشرين عاما بعد وفاة النبي.
هذه هي المقولة الرسمية التي لا يسمح لأحد من البشر أن يوجه إليها أدنى ذرة من الشك، وليس المسلمون بحاجة إلى جهاز ديني أعلى للحفاظ على هذه المقولة، وإنما يكفي أن يتمثلها الوعي الجماعي الجبار ويكفيها هذا الإجماع (إجماع الأمة) المتشكل خلال القرون الأربعة الأولى للإسلام لكي تصبح حقيقة مطلقة، فهذا الإجماع – إجماع الأمة سنة وشيعة – قوي لدرجة أن من يتصدى له فسوف يعرض نفسه لعقاب الجسد الاجتماعي بأسره، هنا تكمن المشكلة القصوى، هنا الأمر العظيم المحير، إن المسألة ليست مسألة حرية أودغمائية خاصة بالإسلام كإسلام، أبدا أبدا، وإنما هي مشكلة كيفية اشتغال آلية مجتمع بأسره. وحتى القادة السياسيون لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً على فرض أنهم يعون المسألة، لأنهم إذا ما تعرضوا بالشك لهذه المقولات المطلقة فسوف ينالهم عقاب الجمهور مهما تكن رتبهم القيادية".([1])

هذا النص من كلام أراكون نقلته على طوله لبيان خطورة هذا الفكر الضال الذي يعتدي على الثوابت والقطعيات, فأنت تراه يقطر سماً وحقداً وشكًا على كتاب الله العظيم الذي هو روح الأمة وحياتها، ولا يخفى على القارئ الحصيف ما في هذا الكلام من المغالطات وما عليه من الملاحظات فأراكون – هداه الله – ابتداء يتكلم بسوء أدب عن نبي الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين، فهو لا يصلى على الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يترضى عن أصحابه الكرام، وهذا وإن كان أمراً هاماً لكنه ليس محل النظر في كلام أراكون، المهم هي مجموعة الأكاذيب والأغاليط والتمويهات التي يحملها الكلام منها:
* الزعم بأن الصحابة استخدموا القرآن بصيغ جدالية هدفها الصراع على السلطة السياسية, ولا أدري من أين أتى أركون بهذا الكذب؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟ هو يزعم أنه استشف ذلك من تراث منقول عليه رقابة شديدة مضروبة، فهل اطلع هذا الضال على تراث آخر غير ما اطلعت عليه الأمة، إن تراثنا متداول مطبوع ومخطوط بلا رقابة ولا كهنوت, فمن أين استشف هذا العبقري هذا الهراء والافتراء؟
* الزعم بأن الخلفاء اللاحقين بعد عثمان رضي الله عنه رفضوا آراء أخرى حاولت إحداث تعديلات جديدة وممكنة في القرآن الذي جمعه عثمان, والزعم بأن هذه المطالب كانت مطالب ذات مصداقية، وكان ينبغي عدم رفضها.
* محاولة ضرب وتسفيه إجماع الأمة على صحة كتابها وموثوقيته، وأن هذا الإجماع ليس له ما يبرره ولكنه سيف مرفوع من المسلمين لإرهاب أي رأي جديد حول القرآن حتى ولو كان هذا الرأي من القادة السياسيين ذوي السلطان، ويزعم أن هذه اللغة الواحدة الكائنة في المجتمع الإسلامي كبتت كل رأي متحرر حتى غدا المثقفون يمارسون الرقابة على أنفسهم ويمتنعون عن الخوض في هذه المسائل الحساسة.
ثم يوجه أراكون طعنة أخرى إلى القرآن عندما يعتبر هذا الكتاب الكريم كلاما قابلا للنقد، بل لابد وأن ينقد، وأول النقد النظر في تاريخ جمع القرآن وإعادة النظر في سنده فيقول: "لنذكر الآن المهمة العاجلة التي تتطلبها أية مراجعة نقدية للنص القرآني، ينبغي أولاً إعادة كتابة قصة تشكل هذا النص بشكل جديد كلياً، أي نقد القصة الرسمية للتشكيل التي رسخها التراث المنقول نقداً جذرياً، هذا يتطلب منا الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية التي أتيح لها أن تصلنا سواء كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني، هكذا نتجنب كل حذف تيولوجي لطرف ضد آخر، المهم عندئذ هو التأكد من صحة الوثائق المستخدمة, بعدها نواجه ليس فقط مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق، وإنما أيضا محاولة البحث عن وثائق أخرى ممكنة الوجود كوثائق البحر الميت التي اكتشفت مؤخرا، يفيدنا في ذلك سبر المكتبات الخاصة عند دروز سوريا([2]) أو إسماعيلية الهند([3]) أو زيدية اليمن([4]) أوعلوية المغرب([5])، يوجد هناك في هذه المكتبات القصية وثائق نائمة متمنعة مقفل عليها بالرتاج، الشيء الوحيد الذي يعزينا في عدم إمكانية الوصول إليها الآن هو معرفتنا بأنها محروسة جيدا, هكذا نجد أنفسنا أمام عمل ضخم من البحث وتحقيق النصوص الذي يتبعه فيما بعد - وكما حدث للأناجيل والتوراة - إعادة سيميائية للنص القرآني... إلى أن يقول: إن قراءة كهذه للقرآن تتبدى اليوم عملا شديد الأهمية، ولكن للأسف فإنه ينقصنا العدد الكافي من العمال الباحثين".([6])
هذا الكلام في منتهى الخطورة فأراكون يظهر أنه حتى اليوم مازال متشككا في القرآن، ولذا فإنه لابد أن يجري عملية نقد وبحث في سند القرآن ليعلم هل القرآن حقا هو ذاك الذي بين أيدينا؟ أم أن هناك نصوصاً مفقودة أو موضوعة من قبل البشر ستظهرها لنا وثائق من هنا ومن هناك، حتى ولو كانت تلك الوثائق من وضع أناس كافرين بالقرآن حاقدين على الإسلام كالإسماعيلية والدروز.
ثم إننا نسأل هذا الملحد الضال من الذي ندبه لهذه المهمة التي يقول عنها إنها "تتبدى عملاً شديد الأهمية" هل ظلت الأمة في عماية وضلال أربعة عشر قرناً من الزمان حتى جاءها هذا الكفور ليرشد عقلها، وينير طريقها؟ إنه يضع القرآن المحفوظ مع الكتب المحرفة التي هي لدى اليهود والنصارى في سلة واحدة، وكأن أراكون بذلك يقدم خدمة لليهود والنصارى، إذ أنه يبرر ما وجه إلى كتبهم من نقد، حيث يصير الجميع سواء إذا ما تم مثل الذي ينادي به هذا الأراكون.

أراكون وفكرة تحنيط القرآن:
ويرى أراكون في موضع آخر أن القرآن ما هو إلا فكرة تسكن العقل وتجول في الخواطر وتغذي التأمل والخيال باعتبارها مجازاً لا حقيقة لها يعبر عن ذلك بقوله: "إن القرآن كما الأناجيل ليس إلا مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانوناً واضحاً, وأما الوهم الكبير فهو في اعتقاد الناس – اعتقاد الملايين – بإمكانية تحويل هذه التعابير المجازية إلى قانون شغال وفعال ومبادئ محددة تطبق على كل الحالات وفي كل الظروف([7])، هذه الجهالات الأراكونية تناسي بها صاحبها أن القرآن عمل في واقع البشرية أربعة عشر قرنا ما ضاق بجديد، ولا توقف عطاؤه في مرحلة, ولا ادعى أحد أنه مجموعة مجازات لا يمكن أن تطبق، وليسأل أراكون التاريخ: بأي منهج كانت تعيش الأمة طيلة هذه القرون المديدة، ومن أين استقت هذا المنهج؟ بل ليسأل الأقليات غير المسلمة من يهود ونصارى الذين عاشوا تحت ظلال الحكم الإسلامي أي منهج نعموا فيه بالعدل؟ وأي دين أنقذهم من ظلم الطغاة ورد إليهم حقوقهم إلا هذا القرآن بتشريعاته الربانية؟
الأمر عند أراكون ما هو إلا ترديد لكلام المستشرقين، مغالطة، وافتراء، وتشدق باسم النقد والتجديد, أما الاعتماد على الحقائق التاريخية والعقلية والشرعية فهذا أبعد ما يكون عنه أراكون، إن هذا الافتراء الأراكوني معناه الوصول بالقرآن إلى كتاب محنط يوضع في المتاحف ليكون ذكرى، وغاية عمله - إن عمل -أن يغذي الذهن والخيال.
ولسنا بصدد الرد التاريخي المفصل على مثل هذه الترهات، ولكن المقام مقام إبراز موقف أهل الحداثة من التراث ومنه في نظرهم القرآن الكريم.
وإذا قرر أراكون أن القرآن لا يمكن أن يتحول إلى واقع يحكم الناس، ويصوغ حياتهم بقانونه الحكيم فإنه بناء على ذلك يتعجب من اعتقاد المسلمين عبر تاريخهم أنهم يسيرون وفق منهج رباني فيقول: "السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: كيف حصل أن اقتنع ملايين البشر أن الشريعة ذات أصل إلهي؟". ([8])
هذا هو بعض ما نفثه أراكون من سموم حول القرآن.

أراكون والسنة المطهرة:
أما السنة فحدث ولا حرج عن موقفه منها، فتشكيك في رجالها وأسانيدها بدءا من الرواة الأُول الذين هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وسيرا إلى كل مُحدِّث، لقد حشر أراكون نفسه في هذا الخضم الهائل، والبحر المتلاطم، ونصب نفسه حكماً على هذا التاريخ العريق للحديث وعلومه، يقول أراكون: "إنه من الغريب أن نلاحظ أن الفكر الإسلامي قد بقي حتى اليوم يعيش على أفكار ابن حجر (مات 852هـ/1449م) وأسلافه بخصوص موضوع الصحابة، هذا على الرغم من أن هؤلاء يحتلون موقعاً مفتاحياً وأساسياً فيما يتعلق بنقل النصوص المؤسسة للإسلام ولكل تراثه، ولكننا نلاحظ أن تراجم كتاب الرجال لابن حجر تصور لنا شخصيات مثالية ترتفع بالمخيال الإسلامي الشائع وتجيشه وتنكِّر (= تقنِّع، وتحجب) في ذات الوقت الحقيقة التاريخية المتعلقة بكل شخصية من الشخصيات المترجم لها، لقد آن الأوان لكي نفتح هذه الإضبارة الشائكة على مصراعيها (كلياً) إننا لا نستطيع أن نكتفي بمفهوم "العدالة" الذي بلوره المحدثون (أصحاب الحديث) وإنما ينبغي إعادة تفحص كل "الإسنادات" ليس فقط عن طريق تطبيق المنهجية الوضعية للمؤرخ الحديث الذي لا يهتم إلا بالمعطيات والأحداث التي يمكن تحديدها بدقة ويرمى كل ما عداها في ساحة المزيج المعقد الغامض للخرافات والأساطير الشعبية، وإنما نريد على العكس،أن نبين كيف أن العناصر الأسطورية الزائدة المضافة على سير الصحابة من أجل تشكيل شخصيات نموذجية مقدسة كانت قد دعمت "حقيقة" المعلومات التأسيسية المكونة لكل التراث الإسلامي بشكل أقوى مما فعلته المعطيات والأحداث التاريخية الواقعية التي حصلت بالفعل".([9])

إن محصلة هذا الكلام أن التاريخ الإسلامي بما فيه من شخصيات بدءا من الصحابة الكرام، ثم التابعين ومن تبعهم تاريخ مزور ملفق من وقائع حقيقية وخيالات لعبت دورا في نسج أحداثه, أما الشخصيات فإن المخيال - على حد قوله- ويقصد به الخيال أو الأسطورة لعبت دورا كبيرا في نسج حياتهم التي بدت مثالية بالنسبة لعالم البشر، ونتاج هذا الخيال هو الذي حجب حقيقة الصحابة وقنَّع صورتهم الحقيقية وأظهرهم في صورة العدول، الأمر الذي يمثل زيادة على الحقيقة، هذا ما ينبغي كشفه، وهذا يتطلب على رأي أراكون نبذ كل هذه الزيادات التي أنتجها المخيال ليظهر الصحابة، ثم أهل الحديث بعدهم بصورتهم الحقيقية التي تنتفي فيها فكرة العدالة التي بلورها المحدثون، بل ادعوها للصحابة.
بهذه الفكرة الأراكونية الحداثية تنهدم السنة، ولا يوثق بأي شيء فيها، لأن رواتها في –نظره- جماعة من الكذابين والشهوانيين المقنعين والمحجوبين خلف ستار منسوج ملفق مدعى اسمه "العدالة".
وهنا أيضا ليس موضع الرد على هذه الافتراءات وبيان إجماع الأمة على عدالة الصحابة، أو بيان جهود أهل الحديث في ضبطه نقلا ورواية ودراية، وقد بذلوا في ذلك أعمارهم وأموالهم، وكانوا في غاية الدقة والإتقان والتحري، هذا ما يطول الحديث بعرضه وبيانه، وكما قلت فإن المراد فقط هو إظهار موقف أهل الحداثة من التراث بدءا بأعلى شيء فيه "الكتاب والسنة".

أراكون والسيرة النبوية:
أما السيرة النبوية في فكر أركون فهي مجموعة من الحكايات الشعبية، ورواتها وكتابها قاموا بأعتى عملية تدليس وتمويه في التاريخ، أظهروا السيرة بمواقفها المتعددة في صورة درامية مؤثرة لتحرك العقلية الإسلامية وتنشطها، يقول تحت عنوان "الخطاب التأريخي والخطاب التيولوجي": "لنتأمل بادئ ذي بدء بخطاب السيرة" أي سيرة النبي بالحالة التي وصلتنا عليها وكما كان قد شكلها ابن إسحاق الذي عاش في عامي"85- 151هـ/ 7.4 – 767م".

كانت الخصائص الشكلية واللغوية لسيرة ابن إسحاق قد استخرجت من قبل، أنه أي ابن إسحاق يتمترس ويختبئ وراء المشروعيات أو السيادات التي تفوقه وتتجاوزه، ولهذا السبب فهو يستخدم العبارات التالية: زعموا، فيما ذكر لي،فيما بلغني... لقد وقع ابن إسحاق تحت ضغط وتأثير الحكايات الشعبية المنقولة عن طريق القصاص والوعاظ وحكايات الأولياء والصلحاء والاستشهادات الشعرية، كما أنه ساهم في عملية التمويه والتعمية الموضوعية ضد الجاهلية التي كان القرآن قد افتتحها، لقد موهت الجاهلية أو قدمت بشكل سلبي من أجل تبيان الحقيقة الساطعة للإسلام بشكل أفضل، إنه يلح عن طريق النوادر والحكايات الملائمة على أهمية العلائم والقيم والرموز المشكلة للهوية الإسلامية الجديدة أنه يشكل صورة رمزية ومثالية مقدسة عن طريق ذكر المعجزات والأعمال الخارقة وأشجار الأنساب والأوضاع الدرامية... إن هذه الصورة المثالية موجهة لملازمة المخيال الجماعي وتحريكه وتنشيطه أكثر مما هي موجهة لتركيب أو كتابة سيرة إنسان يدعوه غالبا برسول الله في حين أن القرآن قد ألح على البعد الإنساني البحت لشخصيته، ولكن يمكننا أن نذهب بعيدا أكثر في تحليل القصة عن طريق تبياننا لحقيقة أنها تكرر إنتاج أو توليد الممارسة المعروفة في علم الدلالات بالتلاعب، نقصد بالتلاعب هنا عمليات الإقناع والكفاءة "أو المقدرة على الاختراع والكينونة" والاستخدام "أي تحويل الأوضاع من حالة إلى أخرى" والإقرار أو التصديق "أي التوصل إلى العملية التأويلية التي أصبحت ممكنة عن طريق التلاعب بالحكاية السردية في مرحلتها الأولى البدائية"([10]) ثم يذكر بعد قليل أن هذا التلاعب تمثل "في المرور من حالة الكلام الشفوي إلى حالة النص المكتوب" ثم أعلن شكه المطلق في القرآن وهو بصدد تشكيكه في السيرة فيقول مصورا عملية التلاعب "لقد حصلت هذه الظاهرة في وقت مبكر جدا بالنسبة للقرآن".([11])
هذا هو موقف أراكون من السيرة النبوية وهو موقف الحاقد على هذا الدين جملة وتفصيلا، لكنه يحاول أن يظهر بمظهر الناقد المفكر الحريص على تصحيح مسيرة الفكر الإسلامي.

أراكون ومصادر التشريع الأخرى:
ينتقل أراكون في حملته الحاقدة على الإسلام إلى مصادر التشريع الأخرى التي اعتمدتها الأمة في تاريخها الطويل، مثل الإجماع والقياس فيشكك فيها، ليستكمل ضربة شاملة يوجهها إلى الدين الحنيف، فيقول وهو بصدد حملته على كتاب الرسالة للشافعي رضي الله عنه، حيث يصور في مضمون حديثه أن القانون والتشريعات الإسلامية التي حكمت الأمة إنما هي إنتاج القضاة، ونشأت بفعل اختلاف العلماء والمجتهدين، وبالتالي لا علاقة لها بالوحي لأن الوحي في نظره خيالات تغذي العقل والخيال لا يمكن تطبيقها في الواقع, في هذا السياق يذكر أن الشافعي حاول أن يلبس هذه التشريعات ثوب الشرعية فأخذ يبرر لها وضعها التي هي عليه فوضع ما يسمى بأصول الاجتهاد متمثلة في قواعد القانون حصرها في أربعة مبادئ, يقول أراكون: "تطرح هذه الرسالة أسس وقواعد القانون في أربعة مبادئ: 1- القرآن 2- الحديث 3- الإجماع (لكن إجماع من؟ هل هو إجماع الأمة كلها، أم إجماع الفقهاء فحسب؟ وفقهاء أي زمن وأية مدينة؟ لا جواب) 4- القياس، هذه هي الحيلة الكبرى التي أتاحت شيوع ذلك الوهم الكبير بأن الشريعة ذات أصل إلهي..." إلى أن يقول: " من جهة أخرى، ينبغي أن نشير إلى حقيقة مهمة وهي أن هذه المبادئ الأربعة غير قابلة للتطبيق"([12]) ثم شرع في هذا السياق يبين لماذا القرآن والسنة والإجماع والقياس كلها غير قابلة للتطبيق.

وهكذا نرى الحداثيين لا يعترفون بأي شيء اسمه ثوابت أو قطعيات، فكل شيء عندهم لابد أنه خاضع للنقد والشك والتشكيك، وأول ما يخضع لهذا في نظرهم كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أما سائر القطعيات فحدث ولا حرج، هذا مجمل موقف الحداثيين من التراث، ظهر مع نموذج لكبير الحداثيين المعاصرين "أراكون.


د/ أحمد محمد زايد
جامعة الأزهر –كلية أصول الدين – قسم الدعوة والثقافة الإسلامية .
جامعة الملك خالد -كلية الشريعة وأصول الدين – قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة.
ث- azayd@hotmail.com
ahmadzayd@yahoo.com


----------------------------------------
([1]) تاريخية الفكر العربي الإسلامي ص 288- 289.
([2]) الدروز طائفة فرقة باطنية تؤلِّه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، أخذت جل عقائدها عن الإسماعيلية، وهي تنتسب إلى نشتكين الدرزي. نشأت في مصر لكنها لم تلبث أن هاجرت إلى الشام. عقائدها خليط من عدة أديان وأفكار، كما أنها تؤمن بسرية أفكارها، فلا تنشرها على الناس، ولا تعلمها لأبنائها إلا إذا بلغوا سن الأربعين. انظر/ الموسوعة الميسرة (1/400).
([3]) الإسماعيلية هي فرقة باطنية, انتسبت إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحيحة، وقد مالت إلى الغلوِّ الشديد لدرجة أن الشيعة الاثني عشرية يكفِّرون أعضاءَهَا. انظر/ الموسوعة الميسرة (1/386).
([4]) الزيدية هي إحدى فرق الشيعة, نسبتها ترجع إلى مؤسسها زيد بن علي زين العابدين الذي صاغ نظرية شيعية في السياسة والحكم، وقد جاهد من أجلها وقتل في سبيلها، وكان يرى صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعاً، ولم يقل أحد منهم بتكفير أحد من الصحابة ومن مذهبهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. انظر/ الموسوعة الميسرة (1/81).
([5]) العلوية حركة باطنية ظهرت في القرن الثالث للهجرة، أصحابها يعدُّون من غلاة الشيعة الذين زعموا وجوداً إلهيًّا في علي وألهوه به، مقصدهم هدم الإسلام ونقض عراه، وهم مع كل غاز لأرض المسلمين، ولقد أطلق عليهم الاستعمار الفرنسي لسوريا اسم العلويين تمويهاً وتغطية لحقيقتهم الرافضية والباطنية. انظر/ الموسوعة الميسرة (1/ 393).
([6]) تاريخية الفكر العربي الإسلامي ص 29.- 291.
([7]) السابق 299.
([8]) السابق 296.
([9]) السابق ص 17.
([10]) تاريخية الفكر العربي الإسلامي ص 82- 83.
([11]) السابق 85.
([12]) السابق 297.



هذه المقالة نبرة النقد فيها عالية ؛ لكنها علمية ويمكن وصفها بأنها من منظور إسلامي محافظ

منظورنا الحضاري الإسلامي: كفى قياسا على النموذج الغربي

شيرين حامد فهمي**

إسلام أونلاين - 24 سبتمبر 2005

وقعت الأمة الإسلامية منذ القرن الثامن الهجري فريسة للأفكار الملتبسة والمشوهة. وأسفر ذلك عن ممارسات مغلوطة كثيرة أدت إلى الإخفاق الحضاري لهذه الأمة، وتحولها من أمة شاهدة عادلة إلى أمة مشهودة بائسة، يشهد على فشلها جميع الأمم والحضارات.

حول الأمراض الفكرية المتواجدة داخل الأمة الإسلامية، أقام برنامج "حوار الحضارات" بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في الفترة من 4 إلى 7 سبتمبر 2005 دورة تثقيفية تحت عنوان (التثقيف الحضاري: من أجل بناء الذات الحضارية والوعي الحضاري) ناقشت الأعراض والأسباب، وطرحت بعض الحلول لاجتثاث تلك الأمراض من العقول المسلمة.

وخلصت إلى ضرورة استنهاض أسلوب جديد للتفكير يتلاءم مع منظومتنا الإسلامية ورسالتنا الحضارية عبر إعادة تربية المسلمين سياسيًّا على المفاهيم الأصيلة المُستلهمة من الإسلام، وبناء الجسور بين العلوم الاجتماعية والتراث الإسلامي وليس الاكتفاء فقط بأخذ المفاهيم والمنظورات الغربية، والعمل على بناء نموذج حضاري إسلامي في وقت بات فيه التحليل الثقافي للظواهر الدولية هو السائد والشائع بين باحثي العلوم الإنسانية على مستوى العالم ككل.

المطبات المفاهيمية

لفت معظم المحاضرين في هذه الدورة التثقيفية الأنظار إلى أبرز ما يواجه الأمة الإسلامية، وهو سقوطها في فخ مفاهيمي، قادها إلى حالة من التخبط في فهم التاريخ وطريقة النظر إلى المستقبل. فتطرق المستشار "طارق البشري" إلى مفهوم "المعاصرة" الذي سقط فيه المسلمون بعيد الاستقلال من الاحتلال الغربي، فاستسلموا لحديث الغرب وللحضارة الغربية، ونظروا إلى أنفسهم من خلال الغرب فقط، بل وقسموا التاريخ على حسب الحوادث الأوربية لا الإسلامية. فأضحت عصور اضمحلال المسلمين -بدايةً منذ القرن الثامن الهجري- هي عصور "التنوير" أو "العصور الحديثة" لأوربا.

إبراهيم البيومي غانم

وعلى نفس المنوال، أشار د. إبراهيم البيومي غانم إلى سقوط جميع التيارات الفكرية العربية في فخ واحد هو جعل الغرب "النموذج" الذي يقاس عليه، فكانت هناك دائما مقاربة أو مقارنة بالنموذج الغربي. مقاربة تقوم بها التيارات الإسلامية غالبا لتقرب بين أمر كان موجودًا في الخبرة الحضارية الإسلامية وأمر صار موجودًا في الخبرة الحضارية الغربية، ومقارنة تقوم بها التيارات العلمانية بين الحضارتين الإسلامية والغربية لتصب بعدها النقد على الحضارة الإسلامية ذاتها.

وتحدث الأستاذ "شريف عبد الرحمن" عن مفهومين ملتبسين لدى كثير من الباحثين المسلمين تم نقلهما من الفكر الغربي هما "الاستقرار" و"الحل الديمقراطي". المفهوم الأول لا يتوافق مع المنظومة الإسلامية التي يحيا من خلالها الإنسان المسلم في حالة دائمة من التدافع: بين السكون والحركة، بين الشر والخير، بين الموت والحياة. بينما خلط الغربيون المادة بالإنسان، واعتقدوا أن الإنسان كالمادة يكون في حاجة إلى الاستقرار بعد فترة من الزمن. وهذا على عكس المسلمين الأوائل الذين كانوا دوما في حالة من عدم الاستقرار لدى خروجهم الدائم للغزوات والفتوحات في سبيل نشر الدعوة، لكنهم كانوا مطمئنين في داخلهم؛ وهذا هو الفارق بين الاستقرار والطمأنينة، وبين المادة والإنسان.

أما مفهوم "الحل الديمقراطي" الذي صار رائجا في أوساط المسلمين، فهو يسعى إلى إيجاد نماذج تنظيمية على شاكلة الغرب، ويغفل المعنى الحقيقي للديمقراطية كقيمة ولا ينقل سوى الآليات والنماذج فقط دون ربطها بقيمنا الإسلامية الأصيلة.

خلط مفاهيمي آخر تناولته د. هبة رءوف ألا وهو مفهوم "تمكين المرأة" الذي استُخدم لتمكين الدولة القومية في نهاية الأمر، وأنتج ما يمكن وصفه بتأنيث الاستبداد، أي تمكين المرأة في ظل دول استبدادية تدخل المرأة في سباق على المناصب العليا دون أن تدرك المرأة أنها بذلك تمكن الدولة ذاتها.. إنه مفهوم أفرغ من محتواه الحقيقي، وأدى تطبيقه إلى كوارث لم تكن في الحسبان.

فرغم حق الفتاة في التعليم والتثقيف والتوظيف وغيره، فإن مفهوم تمكين المرأة ذاته كانت عوائده خراب بيت المرأة وأسرتها بعد أن استعلت المرأة على وسطها الاجتماعي، وبدأت تسارع في طلب الطلاق من جانب والتفرغ لطلب مزيد مما تتصوره حقوقها من جانب آخر.

وأشار د. سيف الدين عبد الفتاح إلى بعض المصطلحات التي تشيع بين المسلمين وتستخدم لتبرير الأخطاء مثل "عنق الزجاجة" أو ما تسميه بعض النخب "فترة انتقالية" أو المنعرج التاريخي. هذه المسميات تجعل المسلمين دائمًا في حالة ضرورة واضطرار، مما يبيح لهم الأخذ بالمحذورات ويجعل المسلمين أسرى للاعتذاريات والتبريرات والتأجيلات على طول الخط.

ويقول د. سيف: "إن الضرورة لها أحكامها التي تتعلق بالزمان والمكان والإنسان، وهي أحكام لا يقرها إلا القضاة والفقهاء الواعون بعمق بالمقاصد الشرعية، وليست كل ضرورة واجبة، ولا تُطلق على الدوام كما يطلقها المسلمون الآن".


الدكتورة نادية مصطفى

واستنكرت د. نادية مصطفى ذلك التحيز الغريب الذي تصر عليه الجامعات العربية في تدريس النظريات الغربية فقط. فمثلا اعتبر الباحثون المسلمون مفهوم "الدولة" هو وحدة التحليل الأولى والأخيرة في دراسة العلاقات الدولية وجعلوه الأداة المثلى للتفسير والتحليل. بل إن الغرب قد اتجه الآن إلى دراسة الدين والثقافة كمداخل جديدة لتفسير الظواهر الدولية، في حين لا يزال المسلمون عاكفين على دراسة نظريات "الواقعية" و"القومية" النابعة من مفهوم "الدولة" ذاته رغم انتهاء صلاحية هذه النظريات بشهادة واعتراف أصحابها.

لقد أدى هذا التشويش والخلط المفاهيمي الناتج عن التشدق بالمرجعية الغربية إلى خلق حروب فكرية في أوساط المسلمين، أسفرت عن تبديد الطاقات وتغييب القوة الذاتية. فهذه الازدواجية المستشرية في مجتمعاتنا العربية مثل الازدواجية في القضاء (أهلي/شرعي)، وفى الأحياء (شعبي/غربي)، وفى التعليم (أزهري/غربي).. إلخ، كانت أدوات مساعدة لتأجيج الصراعات المرجعية التي أعادتنا إلى الوراء وجعلت معظم الإنتاج العربي غير مفيد؛ لأنه قام بتنسيب المطلق وإطلاق النسبي كما يذكر د. علي جمعة مفتي الديار المصرية في كتابه "الطريق إلى التراث الإسلامي: مقدمات معرفية ومداخل منهجية"، الأمر الذي أدى إلى تدمير قدرة الإنسان المسلم على توليد العلوم المختلفة.

مواجهة المأزق الحضاري

ولمواجهة هذا المأزق الفكري الذي أدى إلى تراجع قدرة المسلمين على الإسهام المعرفي وغرقهم إما في التاريخ أو في استنباط نماذج أخرى يصعب تطبيقها على العالم الإسلامي، خلص المحاضرون بهذه الدورة التثقيفية إلى بعض المحاور التي يمكن العمل من خلالها في سبيل استنهاض وتفعيل الثقافة الإسلامية من جديد في طريقة التفكير والتنظير والبحث. وأبرز هذه المحاور:

أولاً: إنشاء الجسور بين العلوم الإنسانية والتراث الإسلامي: ويعني هذا الاقتراب من مداخل العلوم التراثية الإسلامية بهدف التعرف عليها والوقوف على الفجوة الماثلة بينها وبين مداخل العلوم الإنسانية، ومن ثم السعي وراء تجسير هذه الفجوة. فعلى الباحث المسلم أن يجدد منهجيته طبقًا لنموذج معرفي إسلامي يقوم على فهم وإدراك العقلية التراثية الإسلامية، ومعرفة طرق التفكير لدى الفقهاء القدماء والتي لم تخرج عن ثلاث آليات: الفهم، ثم التجريد، ثم الاستنباط. فالفقهاء -كما يقول "البشري"- فاقت جهودهم جهود الفلاسفة، ومن الخطأ قصر الجهد الفكري على الفلاسفة فقط.

ثانياً: انفتاح واعٍ على الغرب: يقوم على الهضم والانتقاء. الهضم الحضاري للآخر، وانتقاء ما هو نافع لنا كمسلمين ثم ربطه بمرجعيتنا. فالمهمة هي الفصل بين النموذج التنظيمي الغربي وبين مرجعيته الغربية، ثم ربطه بمرجعيتنا الإسلامية. فالبرلمان الإنجليزي مثلاً لا اعتراض عليه من حيث الهيكل والبنية والتنظيم، إلا أنه من حيث المرجعية عليه اعتراضات كثيرة، وعلى من يأخذ بهذا النموذج أن يطوعه إلى المرجعية الإسلامية.

ويرتبط بذلك مسألة ضرورية هي تجديد الخطاب الديني ليصب في صالح الإسلام. وأيضا الفهم الواعي للمعاصرة بما يستجيب لمشاكلنا الخاصة وليس لمشاكل الآخرين. ولا ينفي ذلك احتياج المسلمين إلى نقل بعض الأمور الهامة من الغرب، مثل فنون الصنائع وعلوم الإدارة.

إن على المسلمين بناء الجسور مع الغرب بأنفسهم كما فعلوا في العصرين الأموي والعباسي حين أخذوا المشترك الإنساني بين حضارتهم وحضارة الغير تاركين خصوصية حضارة هذا الغير. وهذا لا بد أن يكون أساس التفاعل الواعي وحوار الحضارات بين المسلمين وغير المسلمين بما يقود إلى تفكيك الالتباسات المغلوطة من كل طرف تجاه الآخر.

ثالثاً: إعادة هيبة العلم وتفعيله في المجتمع: ويبدأ ذلك بحل المشكلات المرتبطة بخصخصة التعليم، وفقدان الحميمية بين الطالب وأستاذه، واختزال العملية التعليمية في الكتب والملازم دون الروح والصبغة، وغياب البيئة العلمية الناضجة التي تدعم التعاون بين الباحثين.

ولن تتم إعادة هيبة العلم في الأمة الإسلامية دون أن يصبح طلب العلم "هوس" دائم يشغل أولي الأمر والمسلم العادي، حيث إن أمة الإسلام هي في النهاية أمة الخير للبشرية كلها. وهذا يستلزم التوعية بأهمية العلم الذي يأمر به الإسلام وهو العلم الذي يرد إلى الواقع، وأن يكون للعلم ما أطلق عليه د. حامد ربيع أستاذ النظرية السياسية "الوظيفة الكفاحية للعلم".


الدكتور سيف الدين عبد الفتاح

رابعاً: التربية على السنن والتفكير بالمقاصد: يرى د. سيف عبد الفتاح أن ثمة سبعة شروط للنهوض بالأمة الإسلامية هي: العقيدة الدافعة، والشريعة الرافعة، والقيم الحاكمة، والأمة الشاهدة، والحضارة الفاعلة، والسنن القاضية، والمقاصد الحافظة.

ويركز على "المقاصد الحافظة" التي يجب أن تتجه نحوها الأمة الإسلامية. فالأمة قبل كل شيء من الأم، والأم هو القصد. وفي الإسلام توجد خمسة مقاصد يجب على الأمة الحفاظ عليها: الدين، النفس، النسل، العقل، المال.

وهي إما تُحفظ حفظاً سلبيًّا من خلال دفع المضرة؛ وإما تُحفظ حفظاً إيجابيًّا من خلال جلب المصلحة. وبين الاختيار بين دفع المضرة وجلب المصلحة لا بد من فهم الواقع وجمع المعلومات حول هذه المقاصد الخمسة، ثم يسأل فيها الفقهاء والقضاة للوصول إلى التوازن المرجو.

وحول السنن، أوصى الأستاذ "شريف عبد الرحمن" بالنظر إلى الظواهر على المستوى الكلي. ويعتمد ذلك على دراسة السنن التي تمثل القاعدة الحاكمة للعلاقة بين الفعل الإنساني وعاقبته. أي التحلل من المنطق السببي إلى المنطق الارتباطي، حيث يكون التفسير معتمدا على الربط بين الفعل الإنساني وعاقبته، وليس على العلاقة السببية. فهذا مفتاح التحرك الناضج لفهم التاريخ وبناء نموذج حضاري واعٍ للأمة الإسلامية.

خامساً: استدعاء مفهوم الأمة كوحدة أساسية للتحليل: تدعو د. نادية مصطفى الباحثين المسلمين إلى البدء في تدشين علم عالمي للعلاقات الدولية ينطلق من منظور حضاري يرتكز أساسا على مفهوم الأمة كوحدة تحليل لتفسير العلاقات الدولية، والتخلص من ذلك التيار السائد الذي يقول: إن الرابطة القومية لا تعلوها رابطة عقدية؛ لأن الاستمرار في النظر إلى العلاقات بين الدول الإسلامية من منظور "الواقعية" و"القومية" لن يجدي ولن ينقلنا إلى مستوى الأمة تنظيريًّا أو واقعيًّا.

ويعني استدعاء مفهوم "الأمة" أن يقوم علم العلاقات الدولية على الأخذ بالتفسيرات الثقافية والدينية إلى جانب الأبعاد السياسية والاقتصادية، وإلى الوقوف عند التحليل الثقافي ووضع مفاهيمنا في مقابلة مفاهيم الغير.. التدافع تجاه الصراع، الأمة تجاه النظام العالمي، مقاومة المحتل تجاه الإرهاب، التحرير والتنمية هما مفتاح مشكلة الإرهاب وليس عقيدة الإسلام.

وترى د. نادية أنه قد تم بالفعل تفعيل هذا المنظور الحضاري من خلال عدة إصدارات لمركز "الحضارة للدراسات السياسية"؛ وهي إصدارات "موسوعة الأمة في قرن" التي تناولت المرأة المسلمة بين قرنين، ومستقبل التجديد الإسلامي؛ وكذلك إصدارات "حولية أمتي في العالم" التي تناولت القضايا التالية: العولمة والأمة، العلاقات البينية والأمة، 11 سبتمبر والأمة، الحدث العراقي والأمة.

وأخيرا..

ثمة ضرورة حيوية إلى الأخذ بهذه الحلول وتطويرها، خاصة أن الدين قد بات مقترنا بالسياسة سواء كان مؤدلجا أو مسيسا. فبعض الأدبيات الغربية تصف الأيديولوجيات الوضعية على كونها دينا، مثل "دين العولمة". ومن ثم فعلى الباحثين المسلمين إدراك أهمية الثقافة والدين في التنظير والواقع، وأنهم -وفي قلب هذه التفاعلات السياسية- إما أن يدرسوا أنفسهم بأنفسهم وفق منهجيتهم النابعة من منظومتهم الإسلامية، أو أن يتركوا أنفسهم أسرى لدراسة الباحثين الغربيين وفق منهجيتهم النابعة من منظومتهم الغربية.


**باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.




































































































































































شيرين حامد فهمي**

إسلام أونلاين - 24 سبتمبر 2005

وقعت الأمة الإسلامية منذ القرن الثامن الهجري فريسة للأفكار الملتبسة والمشوهة. وأسفر ذلك عن ممارسات مغلوطة كثيرة أدت إلى الإخفاق الحضاري لهذه الأمة، وتحولها من أمة شاهدة عادلة إلى أمة مشهودة بائسة، يشهد على فشلها جميع الأمم والحضارات.

حول الأمراض الفكرية المتواجدة داخل الأمة الإسلامية، أقام برنامج "حوار الحضارات" بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في الفترة من 4 إلى 7 سبتمبر 2005 دورة تثقيفية تحت عنوان (التثقيف الحضاري: من أجل بناء الذات الحضارية والوعي الحضاري) ناقشت الأعراض والأسباب، وطرحت بعض الحلول لاجتثاث تلك الأمراض من العقول المسلمة.

وخلصت إلى ضرورة استنهاض أسلوب جديد للتفكير يتلاءم مع منظومتنا الإسلامية ورسالتنا الحضارية عبر إعادة تربية المسلمين سياسيًّا على المفاهيم الأصيلة المُستلهمة من الإسلام، وبناء الجسور بين العلوم الاجتماعية والتراث الإسلامي وليس الاكتفاء فقط بأخذ المفاهيم والمنظورات الغربية، والعمل على بناء نموذج حضاري إسلامي في وقت بات فيه التحليل الثقافي للظواهر الدولية هو السائد والشائع بين باحثي العلوم الإنسانية على مستوى العالم ككل.

المطبات المفاهيمية
لفت معظم المحاضرين في هذه الدورة التثقيفية الأنظار إلى أبرز ما يواجه الأمة الإسلامية، وهو سقوطها في فخ مفاهيمي، قادها إلى حالة من التخبط في فهم التاريخ وطريقة النظر إلى المستقبل. فتطرق المستشار "طارق البشري" إلى مفهوم "المعاصرة" الذي سقط فيه المسلمون بعيد الاستقلال من الاحتلال الغربي، فاستسلموا لحديث الغرب وللحضارة الغربية، ونظروا إلى أنفسهم من خلال الغرب فقط، بل وقسموا التاريخ على حسب الحوادث الأوربية لا الإسلامية. فأضحت عصور اضمحلال المسلمين -بدايةً منذ القرن الثامن الهجري- هي عصور "التنوير" أو "العصور الحديثة" لأوربا.

إبراهيم البيومي غانم
وعلى نفس المنوال، أشار د. إبراهيم البيومي غانم إلى سقوط جميع التيارات الفكرية العربية في فخ واحد هو جعل الغرب "النموذج" الذي يقاس عليه، فكانت هناك دائما مقاربة أو مقارنة بالنموذج الغربي. مقاربة تقوم بها التيارات الإسلامية غالبا لتقرب بين أمر كان موجودًا في الخبرة الحضارية الإسلامية وأمر صار موجودًا في الخبرة الحضارية الغربية، ومقارنة تقوم بها التيارات العلمانية بين الحضارتين الإسلامية والغربية لتصب بعدها النقد على الحضارة الإسلامية ذاتها.

وتحدث الأستاذ "شريف عبد الرحمن" عن مفهومين ملتبسين لدى كثير من الباحثين المسلمين تم نقلهما من الفكر الغربي هما "الاستقرار" و"الحل الديمقراطي". المفهوم الأول لا يتوافق مع المنظومة الإسلامية التي يحيا من خلالها الإنسان المسلم في حالة دائمة من التدافع: بين السكون والحركة، بين الشر والخير، بين الموت والحياة. بينما خلط الغربيون المادة بالإنسان، واعتقدوا أن الإنسان كالمادة يكون في حاجة إلى الاستقرار بعد فترة من الزمن. وهذا على عكس المسلمين الأوائل الذين كانوا دوما في حالة من عدم الاستقرار لدى خروجهم الدائم للغزوات والفتوحات في سبيل نشر الدعوة، لكنهم كانوا مطمئنين في داخلهم؛ وهذا هو الفارق بين الاستقرار والطمأنينة، وبين المادة والإنسان.

أما مفهوم "الحل الديمقراطي" الذي صار رائجا في أوساط المسلمين، فهو يسعى إلى إيجاد نماذج تنظيمية على شاكلة الغرب، ويغفل المعنى الحقيقي للديمقراطية كقيمة ولا ينقل سوى الآليات والنماذج فقط دون ربطها بقيمنا الإسلامية الأصيلة.

خلط مفاهيمي آخر تناولته د. هبة رءوف ألا وهو مفهوم "تمكين المرأة" الذي استُخدم لتمكين الدولة القومية في نهاية الأمر، وأنتج ما يمكن وصفه بتأنيث الاستبداد، أي تمكين المرأة في ظل دول استبدادية تدخل المرأة في سباق على المناصب العليا دون أن تدرك المرأة أنها بذلك تمكن الدولة ذاتها.. إنه مفهوم أفرغ من محتواه الحقيقي، وأدى تطبيقه إلى كوارث لم تكن في الحسبان.

فرغم حق الفتاة في التعليم والتثقيف والتوظيف وغيره، فإن مفهوم تمكين المرأة ذاته كانت عوائده خراب بيت المرأة وأسرتها بعد أن استعلت المرأة على وسطها الاجتماعي، وبدأت تسارع في طلب الطلاق من جانب والتفرغ لطلب مزيد مما تتصوره حقوقها من جانب آخر.

وأشار د. سيف الدين عبد الفتاح إلى بعض المصطلحات التي تشيع بين المسلمين وتستخدم لتبرير الأخطاء مثل "عنق الزجاجة" أو ما تسميه بعض النخب "فترة انتقالية" أو المنعرج التاريخي. هذه المسميات تجعل المسلمين دائمًا في حالة ضرورة واضطرار، مما يبيح لهم الأخذ بالمحذورات ويجعل المسلمين أسرى للاعتذاريات والتبريرات والتأجيلات على طول الخط.

ويقول د. سيف: "إن الضرورة لها أحكامها التي تتعلق بالزمان والمكان والإنسان، وهي أحكام لا يقرها إلا القضاة والفقهاء الواعون بعمق بالمقاصد الشرعية، وليست كل ضرورة واجبة، ولا تُطلق على الدوام كما يطلقها المسلمون الآن".


الدكتورة نادية مصطفى
واستنكرت د. نادية مصطفى ذلك التحيز الغريب الذي
تصر عليه الجامعات العربية في تدريس النظريات الغربية فقط. فمثلا اعتبر الباحثون المسلمون مفهوم "الدولة" هو وحدة التحليل الأولى والأخيرة في دراسة العلاقات الدولية وجعلوه الأداة المثلى للتفسير والتحليل. بل إن الغرب قد اتجه الآن إلى دراسة الدين والثقافة كمداخل جديدة لتفسير الظواهر الدولية، في حين لا يزال المسلمون عاكفين على دراسة نظريات "الواقعية" و"القومية" النابعة من مفهوم "الدولة" ذاته رغم انتهاء صلاحية هذه النظريات بشهادة واعتراف أصحابها.

لقد أدى هذا التشويش والخلط المفاهيمي الناتج عن التشدق بالمرجعية الغربية إلى خلق حروب فكرية في أوساط المسلمين، أسفرت عن تبديد الطاقات وتغييب القوة الذاتية. فهذه الازدواجية المستشرية في مجتمعاتنا العربية مثل الازدواجية في القضاء (أهلي/شرعي)، وفى الأحياء (شعبي/غربي)، وفى التعليم (أزهري/غربي).. إلخ، كانت أدوات مساعدة لتأجيج الصراعات المرجعية التي أعادتنا إلى الوراء وجعلت معظم الإنتاج العربي غير مفيد؛ لأنه قام بتنسيب المطلق وإطلاق النسبي كما يذكر د. علي جمعة مفتي الديار المصرية في كتابه "الطريق إلى التراث الإسلامي: مقدمات معرفية ومداخل منهجية"، الأمر الذي أدى إلى تدمير قدرة الإنسان المسلم على توليد العلوم المختلفة.

مواجهة المأزق الحضاري
ولمواجهة هذا المأزق الفكري الذي أدى إلى تراجع قدرة المسلمين على الإسهام المعرفي وغرقهم إما في التاريخ أو في استنباط نماذج أخرى يصعب تطبيقها على العالم الإسلامي، خلص المحاضرون بهذه الدورة التثقيفية إلى بعض المحاور التي يمكن العمل من خلالها في سبيل استنهاض وتفعيل الثقافة الإسلامية من جديد في طريقة التفكير والتنظير والبحث. وأبرز هذه المحاور:

أولاً: إنشاء الجسور بين العلوم الإنسانية والتراث الإسلامي: ويعني هذا الاقتراب من مداخل العلوم التراثية الإسلامية بهدف التعرف عليها والوقوف على الفجوة الماثلة بينها وبين مداخل العلوم الإنسانية، ومن ثم السعي وراء تجسير هذه الفجوة. فعلى الباحث المسلم أن يجدد منهجيته طبقًا لنموذج معرفي إسلامي يقوم على فهم وإدراك العقلية التراثية الإسلامية، ومعرفة طرق التفكير لدى الفقهاء القدماء والتي لم تخرج عن ثلاث آليات: الفهم، ثم التجريد، ثم الاستنباط. فالفقهاء -كما يقول "البشري"- فاقت جهودهم جهود الفلاسفة، ومن الخطأ قصر الجهد الفكري على الفلاسفة فقط.

ثانياً: انفتاح واعٍ على الغرب: يقوم على الهضم والانتقاء. الهضم الحضاري للآخر، وانتقاء ما هو نافع لنا كمسلمين ثم ربطه بمرجعيتنا. فالمهمة هي الفصل بين النموذج التنظيمي الغربي وبين مرجعيته الغربية، ثم ربطه بمرجعيتنا الإسلامية. فالبرلمان الإنجليزي مثلاً لا اعتراض عليه من حيث الهيكل والبنية والتنظيم، إلا أنه من حيث المرجعية عليه اعتراضات كثيرة، وعلى من يأخذ بهذا النموذج أن يطوعه إلى المرجعية الإسلامية.

ويرتبط بذلك مسألة ضرورية هي تجديد الخطاب الديني ليصب في صالح الإسلام. وأيضا الفهم الواعي للمعاصرة بما يستجيب لمشاكلنا الخاصة وليس لمشاكل الآخرين. ولا ينفي ذلك احتياج المسلمين إلى نقل بعض الأمور الهامة من الغرب، مثل فنون الصنائع وعلوم الإدارة.

إن على المسلمين بناء الجسور مع الغرب بأنفسهم كما فعلوا في العصرين الأموي والعباسي حين أخذوا المشترك الإنساني بين حضارتهم وحضارة الغير تاركين خصوصية حضارة هذا الغير. وهذا لا بد أن يكون أساس التفاعل الواعي وحوار الحضارات بين المسلمين وغير المسلمين بما يقود إلى تفكيك الالتباسات المغلوطة من كل طرف تجاه الآخر.

ثالثاً: إعادة هيبة العلم وتفعيله في المجتمع: ويبدأ ذلك بحل المشكلات المرتبطة بخصخصة التعليم، وفقدان الحميمية بين الطالب وأستاذه، واختزال العملية التعليمية في الكتب والملازم دون الروح والصبغة، وغياب البيئة العلمية الناضجة التي تدعم التعاون بين الباحثين.

ولن تتم إعادة هيبة العلم في الأمة الإسلامية دون أن يصبح طلب العلم "هوس" دائم يشغل أولي الأمر والمسلم العادي، حيث إن أمة الإسلام هي في النهاية أمة الخير للبشرية كلها. وهذا يستلزم التوعية بأهمية العلم الذي يأمر به الإسلام وهو العلم الذي يرد إلى الواقع، وأن يكون للعلم ما أطلق عليه د. حامد ربيع أستاذ النظرية السياسية "الوظيفة الكفاحية للعلم".


الدكتور سيف الدين عبد الفتاح
رابعاً: التربية على السنن والتفكير بالمقاصد: يرى د. سيف عبد الفتاح أن ثمة سبعة شروط للنهوض بالأمة الإسلامية هي: العقيدة الدافعة، والشريعة الرافعة، والقيم الحاكمة، والأمة الشاهدة، والحضارة الفاعلة، والسنن القاضية، والمقاصد الحافظة.

ويركز على "المقاصد الحافظة" التي يجب أن تتجه نحوها الأمة الإسلامية. فالأمة قبل كل شيء من الأم، والأم هو القصد. وفي الإسلام توجد خمسة مقاصد يجب على الأمة الحفاظ عليها: الدين، النفس، النسل، العقل، المال.

وهي إما تُحفظ حفظاً سلبيًّا من خلال دفع المضرة؛ وإما تُحفظ حفظاً إيجابيًّا من خلال جلب المصلحة. وبين الاختيار بين دفع المضرة وجلب المصلحة لا بد من فهم الواقع وجمع المعلومات حول هذه المقاصد الخمسة، ثم يسأل فيها الفقهاء والقضاة للوصول إلى التوازن المرجو.

وحول السنن، أوصى الأستاذ "شريف عبد الرحمن" بالنظر إلى الظواهر على المستوى الكلي. ويعتمد ذلك على دراسة السنن التي تمثل القاعدة الحاكمة للعلاقة بين الفعل الإنساني وعاقبته. أي التحلل من المنطق السببي إلى المنطق الارتباطي، حيث يكون التفسير معتمدا على الربط بين الفعل الإنساني وعاقبته، وليس على العلاقة السببية. فهذا مفتاح التحرك الناضج لفهم التاريخ وبناء نموذج حضاري واعٍ للأمة الإسلامية.

خامساً: استدعاء مفهوم الأمة كوحدة أساسية للتحليل: تدعو د. نادية مصطفى الباحثين المسلمين إلى البدء في تدشين علم عالمي للعلاقات الدولية ينطلق من منظور حضاري يرتكز أساسا على مفهوم الأمة كوحدة تحليل لتفسير العلاقات الدولية، والتخلص من ذلك التيار السائد الذي يقول: إن الرابطة القومية لا تعلوها رابطة عقدية؛ لأن الاستمرار في النظر إلى العلاقات بين الدول الإسلامية من منظور "الواقعية" و"القومية" لن يجدي ولن ينقلنا إلى مستوى الأمة تنظيريًّا أو واقعيًّا.

ويعني استدعاء مفهوم "الأمة" أن يقوم علم العلاقات الدولية على الأخذ بالتفسيرات الثقافية والدينية إلى جانب الأبعاد السياسية والاقتصادية، وإلى الوقوف عند التحليل الثقافي ووضع مفاهيمنا في مقابلة مفاهيم الغير.. التدافع تجاه الصراع، الأمة تجاه النظام العالمي، مقاومة المحتل تجاه الإرهاب، التحرير والتنمية هما مفتاح مشكلة الإرهاب وليس عقيدة الإسلام.

وترى د. نادية أنه قد تم بالفعل تفعيل هذا المنظور الحضاري من خلال عدة إصدارات لمركز "الحضارة للدراسات السياسية"؛ وهي إصدارات "موسوعة الأمة في قرن" التي تناولت المرأة المسلمة بين قرنين، ومستقبل التجديد الإسلامي؛ وكذلك إصدارات "حولية أمتي في العالم" التي تناولت القضايا التالية: العولمة والأمة، العلاقات البينية والأمة، 11 سبتمبر والأمة، الحدث العراقي والأمة.

وأخيرا..

ثمة ضرورة حيوية إلى الأخذ بهذه الحلول وتطويرها، خاصة أن الدين قد بات مقترنا بالسياسة سواء كان مؤدلجا أو مسيسا. فبعض الأدبيات الغربية تصف الأيديولوجيات الوضعية على كونها دينا، مثل "دين العولمة". ومن ثم فعلى الباحثين المسلمين إدراك أهمية الثقافة والدين في التنظير والواقع، وأنهم -وفي قلب هذه التفاعلات السياسية- إما أن يدرسوا أنفسهم بأنفسهم وفق منهجيتهم النابعة من منظومتهم الإسلامية، أو أن يتركوا أنفسهم أسرى لدراسة الباحثين الغربيين وفق منهجيتهم النابعة من منظومتهم الغربية.


**باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.